الوزير المتجول

كتب عبدالله العميره
شعرت ببهجة مختلفة وأنا أتابع وزير السياحة أحمد الخطيب يتجول في الوجهات السياحية بمناطق المملكة.
لم يكن يتنقل بالبشت، ولم تكن جولاته محاطة دائمًا بالمراسم والبرامج الرسمية والاستقبالات التي يعرف فيها الجميع موعد وصول الوزير، والطريق الذي سيسلكه، والمكان الذي سيقف فيه، والكلمات التي ستقال أمامه.
رأيناه على إطلالة سياحية من دون غترة وعقال، وفي البحر والمنتجعات بملابس السباحة، ويتنقل بين الوجهات كأنه أحد زوارها.
ولو لم تكن تعرفه، لرأيته شخصًا جاء ليستمتع بالمكان.
أما إذا عرفته، فربما تشعر بالاعتزاز؛ لأن الوزير لم يكتفِ بمشاهدة السياحة من خلال التقارير، بل دخل التجربة بنفسه، ورأى المنتج كما يراه السائح، لا كما يعرضه المسؤولون في قاعات الاجتماعات.
وهنا تكمن الفكرة.
الوزير الذي لا يجرّب الخدمة التي يشرف عليها، قد يعرف أرقامها، لكنه لا يعرف حقيقتها.
قد يعرف عدد المشروعات، ولا يعرف جودتها.
وقد يقرأ مؤشرات الرضا، ولا يسمع تذمر المواطن.
وقد يشاهد صور الإنجاز، لكنه لا يرى العيوب التي أُبعدت عن عدسة المصور.
الاجتماع تحت الشمس
أتذكر أنني زرت مدينة حائل، وتجولت فيها واطلعت على عدد من الإنجازات. وكان من أكثر ما استوقفني غرفة اجتماعات زجاجية وسط حديقة.
سألت عنها، فقيل لي إنها مخصصة لاجتماعات الأمانة وبعض إدارات المنطقة.
أعجبتني الفكرة؛ لأن الاجتماع حين ينتقل من المكتب المغلق إلى قلب المكان، تتغير طبيعة الأسئلة.
داخل المكتب، يمكن للعرض المرئي أن يجعل كل شيء جميلًا.
أما في الميدان، فالرصيف يتحدث، والطريق يجيب، والشجرة تكشف، والمبنى يفضح ما أخفته الشرائح الملونة.
هناك فرق بين مسؤول يرى المشروع في شاشة، ومسؤول يقف داخله.
الأول تصله الصورة التي أعدّها الآخرون.
والثاني يرى الحقيقة التي لم يستطع أحد إعدادها له.
شهر واحد فقط
من وحي جولات وزير السياحة، تمنيت أن تتكرر التجربة مع وزراء ومسؤولين لا يعرفون الميدان إلا من نوافذ السيارات الرسمية، أو من العروض التي تبدأ بعبارة «تم الإنجاز» وتنتهي بعبارة «نسبة الرضا مرتفعة».
تمنيت أن يسكن وزير مسؤول عن الإسكان شهرًا واحدًا في إحدى الفلل الجديدة التي تشبه الصناديق.
لا أقصد القصور أو المشروعات الفاخرة التي تُختار للزيارات الرسمية، بل إحدى تلك الوحدات التي يشتريها المواطن بقرض يرافقه سنوات طويلة، ثم يكتشف بعد أشهر تشققات الجدران، ورداءة العزل، وضيق المساحات، وأبوابًا لا تُغلق، وتمديدات بدأت تشيخ قبل أن يكتمل عمر المنزل.
ليدخلها الوزير كما يدخلها المواطن.
لينام في إحدى غرفها.
وليشغّل المكيف في ظهيرة الصيف.
وليسمع أصوات المنزل المجاور عبر الجدار.
وليحسب القسط الشهري من راتبه، ثم يتخيل أنه سيظل يدفع ثمن هذا البيت أعوامًا طويلة.
بعد شهر واحد، ستكون قراراته مختلفة.
ليس لأن التقارير كانت كاذبة بالضرورة، بل لأن الحقيقة التي تعيشها لا تشبه الحقيقة التي تقرؤها.
جرّبوا ما تديرون
أتمنى أن يعيش كل وزير أو مسؤول في المرفق الذي يشرف عليه شهرًا واحدًا.
أن ينام المسؤول الصحي ليلة على سرير مريض، لا في الجناح الذي جرى تجهيزه قبل الزيارة.
أن ينتظر موعدًا طبيًا كما ينتظر المواطن، ويتصل بالرقم الموحد، ويمر بجميع الخطوات من دون أن يعرف الموظفون اسمه.
أن يدخل المسؤول عن التجارة محل خضار أو بقالة، ويقف خلف صندوق المحاسبة، ويتعامل مع المورد والفاتورة والرسوم والاشتراطات والمخالفات.
أن يعمل المسؤول عن المطاعم يومًا داخل مطعم، كما كان يفعل الوزير غازي القصيبي رحمه الله، ليرى كيف يتحول القرار المكتوب في مكتب هادئ إلى عبء أو فرصة في حياة الناس.
أن يقود المسؤول عن الطرق سيارته بنفسه في ساعات الذروة، لا في مسار يُفتح قبل مروره.
أن يراجع المسؤول عن الخدمات منصة إلكترونية بصفته مواطنًا عاديًا، ثم يحاول الوصول إلى موظف حقيقي حين يتعطل طلبه.
ليس المطلوب استعراضًا إعلاميًا، ولا تصوير الوزير وهو يرتدي زي العامل لدقائق، ثم يعود إلى مكتبه محاطًا بالتصفيق.
المطلوب أن يختبر المسؤول الخدمة من دون أن تُنظّف الحقيقة قبل وصوله.
لا تخبروا الوزير
المشكلة ليست دائمًا في غياب الجولات، بل في الجولات التي يعرف الجميع موعدها.
حين يُعلن عن زيارة الوزير، تبدأ عملية واسعة لتجميل الطريق، وإخفاء العيوب، وترتيب الموظفين، واختيار المستفيدين، وإعداد الإجابات، وأحيانًا نقل المشكلة إلى شارع آخر حتى تنتهي الزيارة.
يصل الوزير فيرى المشهد الذي أُعد له، لا الواقع الذي جاء ليراه.
يصافح، ويستمع إلى عبارات الرضا، ويلتقط الصور، ثم يعود مقتنعًا بأن كل شيء يعمل كما ينبغي.
وهنا لا تكون الجولة رقابة على الميدان، بل يصبح الميدان مسرحًا لخداع المسؤول.
لكن السؤال الأهم:
هل خُدع المسؤول فعلًا، أم أنه أراد أن يرى الصورة الجميلة فقط؟
المسؤول الذكي لا يكتفي بما يُعرض أمامه، ولا يسمح لمن حوله أن يختاروا له ما يرى ومن يسمع.
يزور من دون موعد.
يسأل من دون ورقة.
يتحدث مع الموظف البعيد عن الصف الأول.
ويستمع إلى المواطن الذي لم يجرِ اختياره مسبقًا.
فالذي يريد الحقيقة، يجدها.
والذي يريد التصفيق، سيجد حوله من يصفق حتى تسقط المؤسسة.
الدائرة الضيقة
من أخطر ما يصيب بعض المسؤولين أن يضيّقوا الدائرة من حولهم حتى لا يدخل إليها إلا القريب، والموافق، والمادح، ومن يعرف متى يقول: أحسنت.
يقرّب بعضهم الأقارب والمعارف وأصحاب الولاء الشخصي، لا لأنهم الأكفأ، بل لأنهم الأضمن في حفظ الصورة ومنع الأسئلة والتغطية على الأخطاء.
ومع مرور الوقت، لا يعود المسؤول يرى المؤسسة، بل يرى نفسه منعكسًا في وجوه اختارها بعناية.
كل قرار صائب.
وكل مشروع ناجح.
وكل نقد مؤامرة.
وكل رأي مخالف إساءة.
وهكذا تتحول البطانة من فريق يساعد المسؤول إلى جدار يعزله عن الحقيقة.
الوزير الذي يخشى الكفاءات المستقلة، ويضيق بالناقد الصادق، ويستبدل أصحاب الخبرة بمن يضمنون له الراحة، لا يحمي منصبه، بل يكشف ضعف شخصيته.
فالمسؤول الواثق لا يخاف من شخص يقول له: أخطأت.
أما المسؤول الضعيف، فيجمع حوله أشخاصًا يرددون: أبدعت، حتى عندما يكون الفشل واقفًا أمام الباب.
الإنجاز ليس صورة
ليس الإنجاز أن يفتتح المسؤول مشروعًا، بل أن يبقى المشروع صالحًا بعد أن تغادر الكاميرات.
وليس النجاح في عدد المبادرات التي أُعلنت، بل في عدد المشكلات التي انتهت.
ولا تُقاس كفاءة الوزير بجمال مكتبه، ولا بعدد المستشارين حوله، ولا بحجم ظهوره الإعلامي، ولا بالأعمال التي ينسبها إليه المادحون.
فوراء كل وزارة موظفون ومخططون ومهندسون وخبراء يعملون بصمت، ومن الظلم أن تتحول جهودهم إلى صورة فردية يتصدرها المسؤول وحده.
القائد الحقيقي لا يسرق جهد فريقه، بل يحميه، ويمنحه حقه، ويتحمل هو مسؤولية التقصير.
أما أن يحتكر المسؤول النجاح، ثم يبحث عند الفشل عن موظف صغير يحمّله الخطأ، فذلك ليس قيادة، بل هروب من المسؤولية.
ثقة القيادة تكليف
المنصب العام ليس مكافأة، وثقة القيادة ليست امتيازًا شخصيًا، بل أمانة ثقيلة.
حين يُعيّن الوزير أو المسؤول، فإنه لا يتسلم مكتبًا فقط، بل يتسلم جزءًا من حياة الناس ووقت الدولة ومالها ومستقبلها.
كل قرار يتخذه قد يفتح بابًا لمواطن أو يغلقه.
وقد يحفظ مالًا عامًا أو يهدره.
وقد يرفع كفاءة مؤسسة أو يحولها إلى دائرة مغلقة تعمل لحماية المسؤول بدلًا من خدمة الوطن.
ولهذا لا يملك الوزير أن يتعامل مع المنصب وكأنه ملكية خاصة، فيقرّب من يشاء، ويبعد من يشاء، ويوزع الفرص داخل دائرته، ويخفي الأخطاء خلف الخطاب الإعلامي.
ثقة القيادة لا تعني أن المسؤول أصبح فوق السؤال.
بل تعني أنه أصبح أكثر عرضة للمساءلة؛ لأن حجم الثقة يساوي حجم المسؤولية.
المواطن عين الرقيب
قد ينجح مسؤول في تجميل تقرير.
وقد يستطيع تمرير رقم مضلل.
وقد يختار صورة جميلة تخفي خلفها مشروعًا متعثرًا.
وقد يمنع الأصوات الناقدة من الوصول إليه.
لكنه لا يستطيع أن يمنع المواطن من رؤية الطريق، وتجربة المستشفى، والسكن في المنزل، والانتظار في الطابور، ودفع القسط، والتعامل مع الموظف.
المواطن هو عين الرقيب اليومية.
لا يحتاج إلى عرض مرئي ليعرف أن الخدمة سيئة، ولا إلى مؤشر دولي ليشعر أن المعاملة تأخرت، ولا إلى مؤتمر صحفي ليكتشف أن المشروع الذي أُعلن عنه لا يعمل.
قد لا يملك المواطن مكتبًا فخمًا، لكنه يملك الحقيقة؛ لأنه يعيش النتيجة.
وحين تتكرر الشكوى، فإن تجاهلها لا يلغي المشكلة، بل يكشف أن المسؤول انفصل عن الميدان.
الرقيب الأعلى
فوق القيادة، وفوق الأجهزة الرقابية، وفوق المواطن، هناك رقابة لا تغيب.
الرقيب الأعلى هو الله تعالى.
يعلم من أخلص، ومن زيّن، ومن أخفى، ومن غش، ومن دلّس، ومن أكل حقوق الناس وتجبّر عليهم، ومن قرّب قريبًا على حساب صاحب حق، ومن ضيّق الدائرة حوله حتى لا تنكشف حقيقته.
قد ينجو المسؤول من سؤال في اجتماع.
وقد يمرر تقريرًا منمقًا.
وقد تقف حوله مجموعة تتولى تبرير أخطائه وتسويق إنجازاته.
لكنه لن يستطيع أن يخفي شيئًا عن الله.
وهذه ليست موعظة منفصلة عن الإدارة، بل هي جوهر المسؤولية العامة؛ لأن المنصب أمانة، والمال العام أمانة، وحقوق الناس أمانة، والسكوت عن الخلل أمانة.
اخرجوا من المكاتب
نحتاج إلى الوزير المتجول.
لا الوزير الذي يتجول أمام الكاميرا، بل الذي يبحث عن الحقيقة بعيدًا عنها.
نحتاج إلى مسؤول يلبس حذاء الميدان أكثر مما يرتدي عباءة الاحتفال، ويعرف رائحة المكان، وحرارة الطريق، وضيق الغرفة، وطول الانتظار.
نحتاج إلى وزير يجرّب القرار بعد أن يوقعه، ويختبر الخدمة قبل أن يمتدحها، ويفاجئ مؤسسته قبل أن تفاجئه الحقيقة.
فالوزير لا يعرف وزارته من مكتبه.
ولا يعرف المواطن من التقارير.
ولا يعرف الإنجاز من الصور.
اخرجوا من المكاتب، وعيشوا شهرًا واحدًا داخل قراراتكم.
عندها فقط ستعرفون ماذا صنعتم بالناس.
شهادة المستقبل
إننا نعيش اليوم واحدًا من أزهى عصور المملكة.
عصر الرؤية والمستقبل.
ما يجري في بلادنا غير مسبوق؛ قيادة عظيمة تخطط، وتتابع التنفيذ، وتبني مشروعات كبرى لليوم، وللغد، ولما بعد الغد.
مليارات تُضخ.
واستثمارات تُستقطب.
ومدن وقطاعات ومنظومات جديدة يُعاد بناؤها لتصنع مستقبل وطن، لا إنجاز مرحلة عابرة.
وهذه الرؤية العظيمة تستدعي أن يكون منفذوها على قدر عظيم من المعرفة والكفاءة والأداء والأمانة.
فالوزير، والمسؤول، والمهندس، وكل من أُسندت إليه مهمة، يجب أن يترسخ في داخله أن القيادة لم تمنحه منصبًا، بل منحته ثقتها، وأودعته جزءًا من مستقبل الوطن.
والثقة لا تُصان بالخطابات والصور، بل بالعمل والإتقان والنزاهة والمحافظة على المال العام.
ومن لم يكن في مستوى هذه الثقة، فالمملكة ولّادة، وفيها من العارفين والخبراء والمخلصين والمنجزين ما يكفي لحمل الأمانة، وتحويل الطموح إلى إنجازات حضارية يشهدها الأبناء والأحفاد.
وكل مسؤول يشارك اليوم في بناء هذا المستقبل يكتب، بعمله أو تقصيره، السطر الذي سيبقى باسمه.
سيذكر الأبناء والأحفاد من أخلصوا، ومن أتقنوا، ومن حفظوا أموال الوطن، ومن قدّموا المصلحة العامة على مصالحهم الشخصية.
وقبل الأبناء والأحفاد، سيشهد التاريخ أن رجالًا ونساءً كانوا على قدر الثقة، وأنهم قدموا الولاء والوفاء والإخلاص للقيادة والوطن على كل مصلحة شخصية.
أما المناصب فتنتهي.
والصور تغيب.
والأسماء قد تُنسى.
لكن العمل المخلص يبقى شاهدًا، والوطن لا ينسى من كان وفيًّا لمستقبله.