اليوم 161: من يملك هرمز؟
ترمب يعلن سيطرة البحرية الأمريكية على المضيق.. وإيران تتمسك بشروطها، فيما يبقى العبور التجاري شاهدًا على أن القوة لم تتحول بعد إلى حل
متابعة وتحليل | بث
الرياض | بث
دخلت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران يومها الـ161، فيما انتقلت المواجهة من كثافة الضربات الجوية إلى معركة أكثر تعقيدًا حول مضيق هرمز، والحصار الاقتصادي، وشروط التسوية، ومن يملك القدرة الفعلية على فرض نهاية للحرب.
وفي أحدث تصريحاته، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن إيران تعيش حالة من الفوضى الاقتصادية، وكشف عن ثلاث استراتيجيات تتبعها بلاده في التعامل معها: مراقبة مدى ضعفها، وضربها بقوة، ومواصلة الضغط الاقتصادي عليها.
وكان ترمب قد أعلن أن البحرية الأمريكية هي الجهة الوحيدة التي تسيطر حاليًا على مضيق هرمز، وأنها أزالت الألغام الإيرانية من الممر بأكمله. كما رد على مطالب طهران بالتعويض عن أضرار الحرب بإعلان أن الولايات المتحدة ستطالب إيران بدورها بتعويضات عن القتلى والجرحى والأضرار التي تنسبها إليها. وقد أكدت تقارير دولية تصريحات ترمب المتعلقة بالسيطرة البحرية وإزالة الألغام، إلى جانب مطلب التعويضات.
غير أن هذه التصريحات، على قوتها، تفتح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات؛ فإذا كانت الولايات المتحدة تسيطر على المضيق، وأزالت الألغام منه، فلماذا لم تعد الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية؟ ومن يملك القرار الحقيقي في هرمز: القوة التي تسيطر عليه عسكريًا، أم الطرف الذي لا يزال قادرًا على تعطيل الثقة في العبور؟
ثلاث استراتيجيات
تمثل الاستراتيجيات الثلاث التي أعلنها ترمب أوضح توصيف أمريكي لإدارة المرحلة الحالية.
تقوم الأولى على مراقبة وضع إيران، لمعرفة مقدار ما ألحقته الحرب والعقوبات والحصار بقدراتها العسكرية واقتصادها وتماسكها الداخلي.
وتتمثل الثانية في إبقاء خيار الضربات القوية حاضرًا، سواء لمنع إعادة بناء مواقع عسكرية، أو الرد على محاولة إغلاق المضيق مجددًا، أو استهداف القوات الأمريكية وحلفائها.
أما الثالثة، فتقوم على مواصلة الضغط الاقتصادي والمالي، ودفع طهران إلى التفاوض من موقع أكثر ضعفًا، من دون تحمل كلفة حرب جوية طويلة أو تدخل بري.
وتوحي هذه الاستراتيجية بأن توقف الضربات لا يعني انتهاء الحرب، بل انتقالها إلى مرحلة استنزاف ومراقبة، تحتفظ فيها الولايات المتحدة بحق العودة إلى القوة متى رأت أن إيران تستعيد قدرتها أو ترفض خفض شروطها.
لكن إعلان الأدوات لا يساوي امتلاك استراتيجية نهائية. فما لم توضحه واشنطن هو الغاية التي تريد الوصول إليها: هل تستهدف فتح هرمز فقط، أم تغيير السلوك الإيراني، أم فرض اتفاق سياسي شامل، أم الاكتفاء بإضعاف طهران ثم مغادرة المواجهة؟
وهنا يكمن الفراغ الأخطر في السياسة الأمريكية.
السيطرة ليست حلًا
يحسم التفوق العسكري الأمريكي مسألة القدرة النظرية على السيطرة على مضيق هرمز. فإيران لا تملك قوة بحرية تقليدية تستطيع مواجهة البحرية الأمريكية في حرب مفتوحة، ولا يمكن مقارنة إمكانات الطرفين من حيث الطيران والاستطلاع والتسليح والقدرة على تدمير الأهداف.
لكن إعلان السيطرة لا يعني أن الأزمة انتهت.
فالسيطرة العسكرية تُقاس بقدرة القوات الأمريكية على دخول المضيق وإزالة الألغام وملاحقة الزوارق وضرب مواقع الإطلاق. أما استعادة الملاحة الطبيعية فتُقاس بعدد السفن العابرة، وانخفاض كلفة التأمين، وعودة الناقلات، وثقة الملاك والبحارة بأن الرحلة لن تنتهي بصاروخ أو احتجاز أو جولة جديدة من القتال.
ولهذا يظل الفارق قائمًا بين امتلاك البحر وإعادة الاقتصاد إليه.
وإذا كانت الألغام قد أزيلت فعلًا، وبقي العبور التجاري محدودًا، فإن المشكلة لم تعد عسكرية وحدها؛ بل أصبحت أزمة ثقة وضمانات وقرار سياسي.
الولايات المتحدة قد تكون قادرة على فتح الممر بالقوة، لكنها لم تثبت حتى الآن قدرتها على إبقائه مفتوحًا بصورة آمنة ومستقرة.
قوة جرى تضخيمها
أظهرت الحرب أن إيران ليست القوة العسكرية الهائلة التي حاول خطابها تقديمها، ولا الخصم القادر على مجاراة الولايات المتحدة أو إسرائيل في مواجهة جوية أو بحرية تقليدية.
فقد تعرضت منشآت وقواعد ومواقع عسكرية إيرانية لضربات متلاحقة، وانكشفت محدودية قدرات الدفاع الجوي، كما لم تستطع طهران منع القوات الأمريكية والإسرائيلية من الوصول إلى أهداف داخل أراضيها.
ولا تأتي قوة إيران الأساسية من قدرتها على الانتصار في حرب مباشرة، بل من قدرتها على إزعاج محيطها، وتعطيل الممرات، واستخدام الألغام والزوارق والصواريخ والمسيّرات والأذرع الإقليمية لرفع كلفة مواجهتها.
وهذا فارق جوهري بين القوة والقدرة على التخريب.
وقد أسهم الخطاب الأمريكي والإسرائيلي، خلال العقود الماضية، في تضخيم صورة إيران وتحويلها إلى خطر يتجاوز حجمها الحقيقي؛ لأن وجود عدو كبير يمنح واشنطن مبررًا لبقاء قواتها، ويعزز اعتماد المنطقة على الحماية الخارجية، ويخدم إسرائيل في تقديم نفسها شريكًا أمنيًا لا غنى عنه.
لكن الحرب الحالية كشفت التناقض: إذا كانت إيران بهذه الدرجة من الضعف العسكري والاضطراب الاقتصادي، فلماذا تعجز واشنطن حتى الآن عن إنهاء أزمة هرمز وفرض تسوية مستقرة؟
الإجابة لا تكمن في قوة إيران، بل في غموض الإرادة الأمريكية.
لماذا لم تنتهِ القصة؟
لا يبدو أن المشكلة نقص في القوة العسكرية الأمريكية، وإنما في طريقة استخدامها وحدود الهدف السياسي.
فالولايات المتحدة تستطيع ضرب المواقع الإيرانية، لكنها تتردد في تحمل مسؤولية اليوم التالي. وتستطيع فرض حصار، لكنها لا تريد البقاء إلى ما لا نهاية لحماية كل ممر وسفينة ومنشأة. كما تريد من حلفائها أن يتحملوا جزءًا أكبر من الكلفة، من دون أن تمنحهم دائمًا دورًا مساويًا في صناعة القرار.
وقد تكون واشنطن مقتنعة بأن استمرار الضغط أقل كلفة من الحسم، وأن ترك إيران تحت الحصار يمنحها أوراقًا سياسية واقتصادية وعسكرية يمكن استخدامها لاحقًا.
وقد يكون التأخير جزءًا من خطة لإضعاف النظام الإيراني تدريجيًا، ودفعه إلى قبول شروط لا يستطيع قبولها الآن.
لكن احتمالًا آخر يبقى قائمًا: أن الولايات المتحدة نفسها لم تحدد نهاية واضحة للحرب، وأنها تدير الأزمة يومًا بيوم، مستخدمة تفوقها لمنع إيران من الانتصار، من دون التزام كامل بصناعة تسوية تحمي المنطقة بعد توقف القتال.
مشكلة الثقة
لا يتعلق القلق الإقليمي بما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على هزيمة إيران عسكريًا؛ فالفارق بينهما لا يحتاج إلى إثبات.
القلق الحقيقي هو: هل ستستمر واشنطن حتى تحقق النتيجة التي وعدت بها، أم تنسحب عند أول اتفاق يحقق لها مصلحة مؤقتة، وتترك حلفاءها أمام آثار الحرب؟
فللولايات المتحدة تاريخ من الدخول بقوة، ورفع سقف الوعود، وبناء تحالفات محلية، ثم تغيير أولوياتها أو الانسحاب قبل اكتمال النتيجة.
حدث ذلك في فيتنام، والعراق، وأفغانستان، وفي ملفات إقليمية أخرى تراجعت فيها الالتزامات الأمريكية عندما تغيرت الإدارة أو الحسابات الداخلية.
ولا يعني هذا أن كل تدخل أمريكي سينتهي بالطريقة نفسها، لكنه يجعل الثقة في استمرارية القرار الأمريكي جزءًا أساسيًا من أي تقييم واقعي للحرب الحالية.
فالمنطقة لا تحتاج إلى إعلان أن أمريكا تسيطر على هرمز اليوم فقط؛ بل إلى ضمان ألا تتحول هذه السيطرة غدًا إلى ورقة تفاوض تنتهي باتفاق مؤقت، تعود بعده إيران إلى إنتاج التهديد نفسه بصورة مختلفة.
إيران ترفع الثمن
في المقابل، تحاول إيران استثمار ما تبقى من ورقة هرمز لرفع ثمن الاتفاق.
فهي تعلم أنها لا تستطيع هزيمة الولايات المتحدة في مواجهة مفتوحة، لكنها تراهن على أن كلفة استمرار الأزمة ستضغط على أسواق الطاقة وشركات التأمين والدول المستوردة للنفط، وتدفع واشنطن إلى تقديم تنازلات.
ولهذا وسعت طهران مطالبها من فتح المضيق ورفع حصار الموانئ إلى العقوبات، والأموال المجمدة، والضمانات الأمنية، والتعويض عن أضرار الضربات.
لكن هذه السياسة تحمل خطرًا كبيرًا على إيران نفسها.
فكل يوم يستمر فيه تعطيل هرمز يدفع الدول المتضررة إلى تطوير خطوط الأنابيب، والموانئ البديلة، والتخزين الخارجي، والمسارات التجارية التي تقلل الاعتماد على المضيق.
وما تستخدمه إيران اليوم لرفع ثمن الاتفاق قد يصبح السبب الذي يعجل بتراجع القيمة الاستراتيجية لورقتها الأخيرة.
فاتورتان متقابلتان
أضاف ملف التعويضات طبقة جديدة من التعقيد إلى المفاوضات.
فإيران تريد تحميل الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية الأضرار التي لحقت بمنشآتها واقتصادها، بينما يطالب ترمب طهران بالتعويض عن قتلى وجرحى وأضرار تقول واشنطن إن إيران وقواتها وأذرعها تسببت بها.
وبذلك لم تعد المفاوضات تدور حول فتح ممر بحري فقط، بل حول روايتين متعارضتين للحرب: من بدأها، ومن يتحمل مسؤوليتها، ومن يدفع فاتورتها.
ومن المستبعد أن تتحول التعويضات إلى تسوية مالية قريبة؛ فوظيفتها الحالية تفاوضية وسياسية، وتهدف إلى منع الطرف الآخر من تثبيت روايته بوصفها الحقيقة الوحيدة.
لكن إدخالها في المحادثات يرفع سقف الشروط، ويجعل الاتفاق الشامل أبعد مما كان عليه قبل أيام.
إسرائيل تنتظر
لا تشارك إسرائيل مباشرة في ترتيبات هرمز، لكنها تظل قادرة على التأثير في مسارها.
فأي ضربة إسرائيلية جديدة داخل إيران يمكن أن تنهي التهدئة الجوية وتعيد الحرب إلى نقطة البداية، خصوصًا إذا رأت تل أبيب أن المسار العُماني يمنح طهران وقتًا لإعادة ترتيب قدراتها.
وفي المقابل، قد تختلف الحسابات الإسرائيلية عن الأمريكية؛ فواشنطن تريد فتح الملاحة وخفض الكلفة الاقتصادية، بينما قد ترى إسرائيل أن استمرار الضغط العسكري يوفر فرصة لإضعاف إيران إلى مستوى أبعد من مجرد فتح المضيق.
وهذا الاختلاف لا يعني قطيعة بين الحليفين، لكنه يجعل التسوية عرضة لقرار عسكري قد لا يصدر من الطرف الذي يدير التفاوض.
الأذرع الإقليمية
لا تزال أذرع إيران جزءًا من معادلة الحرب، لكنها ليست دليلًا على قوة مطلقة لطهران.
فالحوثيون يستطيعون تهديد الملاحة وإطلاق المسيّرات والصواريخ، وبعض الفصائل العراقية تستطيع تنفيذ هجمات محدودة، فيما يحتفظ حزب الله بقدرات تؤخذ في الحسبان.
لكن هذه الأطراف تعمل تحت ضغوط عسكرية وسياسية متزايدة، كما أن توسيع هجماتها قد يستدعي ردودًا أكبر من قدرتها على الاحتمال.
وتبقى قيمة الأذرع الإيرانية في قدرتها على تشتيت الجبهات ورفع الكلفة، لا في حسم الحرب لمصلحة إيران.
وإذا أخطأت طهران في تقدير حدود هذه الورقة، فقد تجد أن استخدامها الواسع لا يحميها، بل يمنح خصومها مبررًا لضربها وضرب أذرعها بصورة أشد.
تحليل قصير
تكشف تصريحات ترمب أن الولايات المتحدة لا ترى نفسها في موقع الطرف العاجز، لكنها لا تثبت في الوقت نفسه أنها تملك خطة مكتملة لإنهاء الأزمة.
إيران أضعف عسكريًا واقتصاديًا من الصورة التي صنعتها لنفسها، لكنها تستفيد من تردد واشنطن، ومن حساسية الملاحة، ومن خوف الأسواق، ومن تاريخ أمريكي يجعل الحلفاء غير واثقين بأن الالتزام سيستمر حتى النهاية.
لذلك لا ينبغي تفسير بقاء هرمز مضطربًا بأنه انتصار إيراني، ولا إعلان السيطرة الأمريكية بأنه حسم كامل.
إيران تملك قدرة التعطيل، والولايات المتحدة تملك قوة الرد؛ لكن المنطقة ما زالت تنتظر الطرف الذي يملك تصورًا واضحًا لما بعد الرد.
ماذا بعد؟
السيناريو الأقرب هو استمرار الضغط الاقتصادي، مع فتح محدود وتجريبي للمضيق تحت مراقبة أو حماية بحرية أمريكية، ومنح الوساطة العُمانية وقتًا إضافيًا للوصول إلى ترتيبات أوسع.
وقد تستخدم واشنطن عبور السفن لإثبات أن إيران لم تعد تتحكم في الملاحة، فيما تحاول طهران تقديم أي فتح محدود باعتباره نتيجة لشروطها وتفاهماتها مع عُمان.
أما الضربات الأمريكية، فستظل احتمالًا قائمًا إذا حاولت إيران زرع ألغام جديدة، أو استهداف السفن، أو إعادة بناء قدرات ترى واشنطن أنها تشكل تهديدًا مباشرًا.
لكن الاحتمال الذي ينبغي ألا تغفله المنطقة هو توصل الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهم مؤقت يخفض التوتر، من دون معالجة جذور المشكلة أو توفير ضمانات طويلة المدى للدول المتضررة.
وعندها قد تعلن واشنطن نجاح استراتيجيتها، وتعلن إيران صمودها، بينما تبقى المنطقة أمام حرب مؤجلة لا حرب منتهية.
المشكلة ليست في قدرة الولايات المتحدة على هزيمة إيران؛ بل في مدى استعدادها لإكمال الطريق بعد أن يبدأ العالم في الوثوق بها.
وفي اليوم الـ161، لم يعد السؤال من يستطيع السيطرة على هرمز، بل من يملك الإرادة والمسؤولية لإبقائه مفتوحًا بعد أن تنصرف السفن الحربية وتتغير الحسابات الأمريكية.