حين ينفد الصبر
كتب: عبدالله العميره
في التاريخ السعودي قاعدة تتكرر:
لا تبدأ المملكة بالتصعيد، ولا تبني قرارها على الانفعال، لكنها لا تترك الاعتداء مفتوحًا بلا نهاية.
واليوم، مع استمرار الاعتداءات الحوثية على مدن ومنشآت سعودية، ومحاولة استهداف مكة، يصبح الرجوع إلى التاريخ أكثر من استعادة للذاكرة؛ إنه قراءة لطريقة تعامل المملكة مع من يختبر صبرها، أو يسيء فهم هدوئها.
فمنذ التأسيس، تعاقبت على السعودية تحديات وخصومات وتهديدات مختلفة في طبيعتها ومصادرها؛ من صراعات التوحيد، وتمرد الإخوان، إلى صدامات حقبة القومية العربية والحرب الباردة، ثم الثورة الإيرانية ومشروع تصديرها، واحتلال الكويت والتهديد العراقي، وموجة الإرهاب التي قادتها «القاعدة» ثم «داعش»، وصولًا إلى الاعتداءات الحوثية المتواصلة منذ 2015.
اختلفت الأسماء، وتغيرت الأدوات، وبقيت قاعدة واحدة:
المملكة لا تتعجل المواجهة، لكنها إذا قررت الحسم، لا تتعامل معه بوصفه رد فعل عابرًا.
ومع كل مرحلة، كانت تُستخدم الدبلوماسية، والتحالفات، والاحتواء، والتحذير، والصبر؛ ثم يأتي الحزم .
قراءة التاريخ السعودي لا تقول إن المملكة بلا أعداء؛ بل تقول إن العداوات تتبدل، فيما تبقى الدولة وتزداد قوة وخبرة وثباتًا.
واللافت أن كثيرًا ممن عادوها قرأوا صبرها ضعفًا، أو ظنوا أن الهدوء تردد، ثم اكتشفوا متأخرين أن المسافة بين الصبر والحسم في السياسة السعودية ليست فراغًا؛ بل حسابًا.
من التأسيس إلى اليوم
في مرحلة التأسيس وتوحيد البلاد بين 1902 و1932، واجه الملك عبدالعزيز صراعات داخلية وإقليمية معقدة، وانتهت بقيام الدولة السعودية الحديثة.
ثم جاء تمرد الإخوان، الذي شكّل أحد أخطر التحديات الداخلية للدولة الناشئة، وانتهى بالحسم العسكري وترسيخ سلطة الدولة المركزية.
وفي الخمسينات والستينات، دخلت المملكة مرحلة جديدة من التوتر الإقليمي مع صعود القومية العربية والحرب في اليمن، إلى جانب تصاعد النفوذ الشيوعي في المنطقة.
ثم جاءت الثورة الإيرانية عام 1979، حاملة مشروعًا سياسيًا وأيديولوجيًا جديدًا في الإقليم، لتبدأ مرحلة طويلة من التوتر مع طهران وشبكات النفوذ المرتبطة بها.
وفي 1990، جاء احتلال الكويت والتهديد العراقي ليضع أمن الخليج كله أمام اختبار وجودي جديد.
ثم انتقلت المواجهة إلى الإرهاب؛ من «القاعدة» التي استهدفت المملكة خلال أواخر التسعينات وبداية الألفية، إلى «داعش» وما مثله من تهديد أمني وعقائدي.
وبين مرحلة وأخرى، ظهرت موجات عداء غير مبرر، حملتها قوى وزعامات عربية، ثم أفلت واندثرت. وتبدلت أنظمة، وظهرت أخرى حاولت استثمار بقايا تلك الخصومات، إلى أن اكتشف كثيرون أن العداء للسعودية لا يبني استقرارًا ولا يحقق مكسبًا دائمًا، وأن كسبها أكثر أمنًا وفائدة واستدامة.
ومع مرور الوقت، عادت أطراف كثيرة إلى مراجعة مواقفها بعدما أدركت أن استنزاف العلاقة مع المملكة لا يصنع نفوذًا، بقدر ما يبدد الفرص ويعمق الخسائر.
واليوم، يبقى العداء الإيراني شاهدًا على الفكرة نفسها:
أن من يختار استنزاف السعودية يراهن على حرب خاسرة، بينما يثبت التاريخ أن الدولة تبقى، وتتبدل من حولها الخصومات والخصوم.
وتتجسد أحدث حلقات هذا النمط اليوم في الاستهداف الصاروخي والمسيّر الحوثي للمملكة.
ومع اختلاف الأزمنة، بقي السلوك السعودي واحدًا في جوهره:
تحذير، صبر، استنفاد للبدائل، ثم حزم عندما يصبح الحزم ضرورة.
حكمة المؤسس
وهنا تأتي حكمة الملك عبدالعزيز - رحمه الله - إذ يقول:
«إني جعلت سنتي ومبدئي ألا أبدأ أحدًا بالعدوان؛ بل أصبر عليه وأطيل الصبر على من بدأني بالعداء، وأدفع بالحسنى ما وجدت لها مكانًا، وأتمادى بالصبر حتى يرميني البعيد والقريب بالجبن والضعف؛ حتى إذا لم يبق للصبر مكان ضربت ضربتي فكانت القاضية».
المعنى أعمق من مجرد التهديد.
إنه يقول إن الصبر ليس عجزًا.
وأن تأخير الرد لا يعني فقدان القدرة.
وأن الدولة الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى أن تثبت قوتها كل ساعة بتصريح.
بل تنتظر حتى تتضح الصورة، وتنفد البدائل، ويصبح الرد جزءًا من حماية الدولة، لا انفجار غضب.
وفي عبارة أخرى ارتبطت بفلسفته في القرار، قال - رحمه الله -:
«الحزم أبو العزم أبو اللزم أبو الظفرات، والترك أبو الفرك أبو الحسرات».
ومعناها ببساطة:
أن الحزم يولد العزم.
والعزم يثبت القرار.
ومن يثبت على قراره يمتلك فرصة الظفر.
أما التراخي عندما يصبح الحزم واجبًا، فيورث الندم.
لا ترمِ الجبل
ويحضر هنا بيت الشعر الشعبي:
لا صرت ترمي لك جبل غلطةٍ منك
وأمرٍ طبيعي لا رميته تصيبه
بلاه كبره وأنت محدٍ درا عنك
يزداد هيبة وأنت تزداد خيبة
المعنى واضح:
حين تختار خصمًا أكبر منك، فإن مجرد استمرارك في استفزازه لا يصنع لك نصرًا؛ قد يصنع له مبررًا كاملًا للرد، ويكشف حجم الفارق بين الضجيج والقدرة.
وهنا يقع الخطأ الذي يتكرر مع السعودية.
هناك من يظن أن الصمت خوف.
بينما تعرف الدولة أن الصمت أحيانًا جزء من إدارة المعركة.
في التاريخ السعودي، لم تكن القرارات الكبرى وليدة لحظة انفعال؛ سبقتها حسابات ورسائل ومحاولات احتواء، ثم جاء الحسم حين أصبح التأجيل أكثر كلفة من التنفيذ.
وهذا هو الخطأ الذي يقع فيه الخصم الغشيم:
يحسب عدد الأيام التي لم يُرد عليه فيها، ولا يحسب ما الذي يجري خلالها.
لا يرى أن الصبر قد يكون مرحلة إعداد.
ولا أن البيان الهادئ يعني غياب القرار.
ولا أن المملكة، حين تنتقل من التحذير إلى الفعل، تكون قد حددت هدفها وكلفتها وما تريد الوصول إليه.
ولهذا، مع استمرار الاعتداءات الحوثية، ليس السؤال:
لماذا لم ترد السعودية حتى الآن؟
بل:
متى تعتبر الرياض أن مساحة الصبر انتهت؟
وربما يكون بعض الخصوم مستعجلًا نهاية الصبر، من غير أن يدرك أن نهاية الصبر قد تكون بداية نهايته هو.
فالتجربة السعودية تقول إن الصبر والحزم ليسا نقيضين.
بل مرحلتان في قرار واحد:
الصبر أولًا.
والحزم حين يصبح الحزم واجبًا.
من التأسيس.. إلى 96 عامًا من التوحيد
مع اقتراب المملكة من الاحتفال بيومها الوطني الـ96، الأربعاء المقبل 23 سبتمبر، يعود الفرق بين يوم التأسيس واليوم الوطني ليحمل معنى أعمق من مجرد مناسبتين في التقويم.
فيوم التأسيس يستعيد بداية الدولة السعودية الأولى عام 1727 على يد الإمام محمد بن سعود، بينما يحيي اليوم الوطني ذكرى توحيد المملكة العربية السعودية وإعلان اسمها الحديث عام 1932 على يد الملك عبدالعزيز.
وبين التاريخين أكثر من قرنين من الصراع والبناء، ومن الخصوم الذين ظهروا ثم غابوا، ومن الأزمات التي اشتدت ثم انكسرت، فيما بقيت الدولة وتقدمت.
ولهذا، فإن الاحتفال باليوم الوطني هذا العام لا يستعيد فقط لحظة التوحيد؛ بل يستعيد أيضًا معنى الاستمرار.
استمرار دولة عرفت متى تصبر، ومتى تحزم، ومتى تدافع، ومتى تمضي.
من 1727 إلى 1932، ومن 1932 إلى اليوم؛ تغيّرت الخصومات، وتبدلت الأسماء، وبقيت السعودية.