العالم في أزمة ثقة.. من يسرق العهد؟
كتب: عبدالله العميره
ليست أزمة العالم اليوم في كثرة الحروب وحدها.
هناك أزمة أعمق:
أزمة ثقة.
استطلاع دولي حديث شمل أكثر من 35 ألف شخص في 34 دولة أظهر أن نحو 70% يرون أن العالم أصبح أسوأ خلال العام الماضي، فيما تراجع الارتياح لقيادة القوى الكبرى، رغم بقاء الميل إلى التعاون الدولي مرتفعًا.
المفارقة لافتة.
الناس لم تفقد رغبتها في النظام؛ لكنها أصبحت أقل اطمئنانًا إلى من يديره.
يريدون تعاونًا، لكنهم يشكون في النيات.
يريدون تحالفات، لكنهم يخافون من تبدل المصالح.
يريدون اتفاقات، لكن السؤال لم يعد فقط: ماذا كُتب فيها؟
بل:
من سيحترمها عندما تصبح كلفة احترامها مرتفعة؟
وهنا لا نعود أمام مشكلة سياسية فقط.
نحن أمام اختبار لثلاثة أشياء معًا:
الواقع، والثقة، والمستقبل.
الواقع يقول إن المصالح تتغير، والتحالفات يعاد ترتيبها، والحروب تكشف حدود القوة.
والتحليل يقول إن الأزمات لا تختبر قدرة الدول على القتال فقط؛ بل تختبر قدرتها على حفظ العهد عندما يصبح حفظه مكلفًا.
أما المستقبل، فيسأل:
هل تُبنى علاقات الغد على ما قيل بالأمس، أم على ما كشفته اختبارات اليوم؟
عادت إليّ تلك المعلومات بعدما تلقيت اتصالًا من صديق.
لم يكن يسأل عن حرب بعينها، ولا عن دولة بعينها.
كان يسأل عن العالم كله.
قال:
ألا يملّون من القتال؟
ألا يعرفون غير التدمير؟
ألا توجد في عقولهم مساحة مضيئة للبناء؟
ثم ضحك وسأل سؤالًا استنكاريًا:
أين ذهبت العصابات التي كنا نسمع عنها في إيطاليا وأوروبا وأمريكا؟ هل اختفت، أم انتقلت إلى منطقتنا؟
ضحكت.
السؤال؛ كان بلاغيًا، لا ينتظر مني جوابًا، بقدر ما يصف شعورًا بأن بعض الأساليب التي كنا نظنها حكرًا على عالم الجريمة أصبحت مألوفة في إدارة العلاقات:
وعد يُعطى حتى تنتهي الحاجة إليه.
حليف يُستخدم حتى تتغير المصلحة.
اتفاق يُحترم ما دام مريحًا.
وصديق تُقاس قيمته بمقدار فائدته.
وليست المشكلة في أن المصالح تحكم العلاقات؛ فقد فعلت ذلك دائمًا.
المشكلة حين تصبح المصلحة مبررًا لإسقاط العهد والوفاء والاحترام.
والأغرب أن ذلك يُقدَّم أحيانًا بوصفه ذكاءً؛ يخدعك فيسميها حنكة، وينقض وعده فيسميها مرونة، ويستخدمك ثم يسمي ذلك إدارة مصالح.
ويظن أنه انتصر.
مع أن من يكسب صفقة ويخسر الثقة، قد يكون دفع ثمنًا أكبر مما ربح.
فقصر النظر ليس أن تعجز عن رؤية ما أمامك؛ بل أن تنخدع بما تظنه مكسبًا قريبًا، وتعتقد أن الأسلوب الذي يحقق لك ما تريد يبرر استهانتك بالطرف الآخر، ثم تكتشف متأخرًا أن ما ربحته لحظة، كلّفك أكثر مما حسبت.
ربما لهذا اختصر البعض العالم في سؤال:
ماذا أستفيد الآن؟
ونسي السؤال الأهم:
ماذا سيبقى لي غدًا؟
وبين السؤالين مسافة تفصل من يبني علاقة عمن يستهلكها، ومن يصنع حليفًا عمن يستأجر موقفًا.
لكن لهذه الأيام القاسية فضيلة واحدة:
أنها تكشف.
تكشف من يحفظ عهده عندما يصبح الوفاء مكلفًا، ومن يبقى عندما تتراجع المصلحة، ومن كان قريبًا لأنه يؤمن بالعلاقة، ومن كان قريبًا فقط لأن الطريق كان يمر بك.
والأهم أن الأزمات تكشف قوة الثقة نفسها؛ هل كانت راسخة، أم معلقة على ظرف ومصلحة.
فالأزمات لا تصنع الوفي ولا الخائن.
هي فقط تسقط المسافة التي كانت تخفيهما.
ولهذا قد تكون بعض الخسائر مكاسب متأخرة.
تخسر علاقة، فتربح الحقيقة.
يسقط قناع، فترى الوجه.
أقنعة كثيرة تحللت تحت تراب السنين، وأخرى لم تحتج إلا إلى أزمة واحدة لتسقط؛ فيما بقيت وجوه لم ترتدِ قناعًا أصلًا، مرفوعة الرأس كما كانت.
ويتصدع تحالف، فتعرف على ماذا لا ينبغي أن تبني التحالف التالي.
وهنا تخرج المسألة من السياسة إلى حياتنا كلها.
فما يحدث بين الدول ليس بعيدًا عما يحدث بين البشر؛ في العمل، والصداقة، والحب، وفي كل علاقة تعد بالبقاء.
العهد لا يُختبر حين يكون الوفاء سهلًا؛ بل حين يصبح نقضه مفيدًا.
لهذا لا يحتاج العالم إلى مزيد من الكلمات عن الصداقة والشراكة والتحالف.
لديه ما يكفي منها.
ما يحتاجه أبسط وأصعب:
أن تعني الكلمة ما تقوله.
أن تعد فتفي.
وأن تختلف فلا تتحول إلى عدو.
وأن تنتهي المصلحة، فلا تنتهي الأخلاق معها.
قد يبدو هذا مثاليًا في زمن شديد القسوة، لكنه في الحقيقة قاعدة عملية للحياة؛ فالأسواق، والدول، والعلاقات، وحتى السلام، لا تستمر بلا ثقة.
فالسلام نفسه، في أبسط معانيه، وعد يصدقه طرفان.
أما العالم الذي لا يصدق أحد فيه أحدًا، فلا يحتاج إلى حرب كي يتداعى.
يكفيه أن يفقد العهد.
ولهذا لا خوف كثيرًا من انكشاف السيئ.
الخوف من بقائه مستورًا.
بعد أربعين عامًا من التخفي، تطفو العلاقات حينًا وتغوص حينًا، تغلفها الريبة والتقية؛ ثم جاءت أشهر قليلة فكشفت ما لم تكشفه عقود.
استوى الزرع، ثم أصبح هشيمًا تذروه الرياح. وظهرت طفيليات تحاول أن تنبت مكانه، تستقي من الماء الآسن المتبقي في بركة سنوات مأساوية؛ متعجلة النهاية ذاتها.
لكن ما يُبنى على الوهم قد يطول، ولا يدوم.
وما تسنده المصلحة وحدها يسقط حين تتغير المصلحة.
أما ما يبقى بعد العاصفة، فهو الذي يستحق أن يُبنى عليه.
وربما كانت هذه عدالة الأزمات على قسوتها:
أنها تكشف الناس قبل أن نبني عليهم، وتكشف الحلفاء قبل أن نسلّمهم ظهورنا.
وعندها لا يعود السؤال:
من خان؟
ومن ربح؟
ومن خسر؟
بل السؤال الذي سيقرر علاقات الغد:
من بقي جديرًا بالثقة بعد أن انتهى الاختبار؟
هذا هو الذي يستحق أن نبني معه الغد.
وفي الذاكرة السعودية، لم تكن القوة يومًا انفصالًا عن الأخلاق، ولا الحزم نقيضًا للوفاء.
ومن العبارات التي ارتبطت بالملك عبدالعزيز - رحمه الله - قوله:
«القوة.. القوة، لا بارك الله في الضعف».
كما عُرفت عنه عبارته الشهيرة:
«الحزم أبو العزم أبو اللزم أبو الظفرات، والترك أبو الفرك أبو الحسرات».
لم تكن هذه الكلمات مجرد وصف للشجاعة في القرار؛ بل تعبيرًا عن فلسفة ترى أن الثقة بالنفس، والحزم، والوفاء بالعهد، وفهم الآخرين، لا تتعارض، بل يكمل بعضها بعضًا.
فالقوة الحقيقية ليست في أن تستغل ضعف الآخر، ولا في أن تنقض عهدًا حين تتغير المصلحة.
القوة أن تعرف متى تحزم، ومتى تفي، ومتى تثبت، ومتى تقول كلمتك ثم تبقى عليها.
وربما لهذا تبقى بعض العبارات بعد أصحابها؛ لأنها لا تصف زمنًا مضى فقط، بل تضع معيارًا لكل زمن يأتي بعده.
وفي عالم تهتز فيه الثقة، يبقى العهد امتحان القوة الحقيقي.