التوازن الصامت
كتب: عبدالله العميره
الفكرة العلمية تبدأ من حقيقة مدهشة: الجسد طوال الوقت يصحح نفسه من دون أن نشعر.
نقف فلا نسقط؛ لأن أجهزة دقيقة داخل الأذن والدماغ تعدّل توازننا باستمرار.
ترتفع حرارة الجسد قليلًا، فيعيدها إلى مداها.
يتغير السكر، والضغط، والماء، والأملاح؛ فتعمل منظومات كاملة في صمت كي نبقى نحن كما نحن.
العلم يسمي ذلك الاتزان الداخلي.
لكن الفكرة الأجمل خارج المختبر:
كم في حياتنا من أشياء وأشخاص يفعلون الشيء نفسه؟
أشخاص لا يصنعون ضجيجًا في حياتنا، لكن وجودهم يمنعنا من السقوط.
عادات صغيرة لا نصفها بالسعادة، لكنها تحفظ توازن أيامنا.
مكان نعود إليه.
صوت نطمئن حين نسمعه.
رسالة قصيرة تأتي في وقتها.
وشخص قد لا يحل مشكلاتنا، لكنه يجعلها أقل قسوة.
الغريب أننا كثيرًا ما ننتبه إلى الأشياء التي ترفعنا، وننسى الأشياء التي تحفظنا.
نحتفي بمن أسعدنا، ولا ننتبه دائمًا إلى من هدّأ خوفنا.
نتذكر اللحظات الكبيرة، ونغفل عن التفاصيل الصغيرة التي منعت أيامنا من الاختلال.
ربما لأن التوازن لا يصنع ضجيجًا.
فالأرض لا تعلن كل صباح أنها تحملنا.
والقلب لا يذكّرنا بكل نبضة أنه ما زال يعمل.
وبعض البشر كذلك؛ لا يطلبون مكانًا في مقدمة المشهد، لكن غيابهم يكشف المساحة التي كانوا يشغلونها فينا.
حين يرحل أحد هؤلاء، لا نشعر دائمًا أن شيئًا كبيرًا قد حدث.
لكن اليوم يصبح أثقل قليلًا.
والصمت أطول.
والأشياء التي كانت تمر بسهولة تحتاج فجأة إلى جهد أكبر.
عندها فقط نفهم أن بعض الناس لم يكونوا مجرد حضور؛ كانوا جزءًا من توازننا.
وهنا تصبح المسألة أعمق من الحب والصداقة والقرب.
فقد يكون أهم شخص في حياتك ليس أكثرهم حديثًا، ولا أكثرهم حضورًا، بل ذلك الذي تستطيع معه أن تكون طبيعيًا؛ من غير دفاع، ولا شرح، ولا خوف من سوء الفهم.
يكفي أحيانًا أن تشعر أنه إلى جوارك؛ فبعض الحضور لا يحتاج إلى كلام، لأن قيمته في الطمأنينة التي يتركها، وفي ذلك الإحساس الهادئ بأنك لست وحدك في مواجهة ما يثقل يومك.
وجوده لا يغيّر العالم، لكنه يغيّر طريقة احتمالك للعالم.
وربما لهذا لا تكون بعض العلاقات رفاهية وجدانية، بل أشبه بما يفعله الجسد في داخله طوال الوقت:
تصحيح صغير هنا.
تهدئة هناك.
إعادة شيء خرج قليلًا عن مداه.
حتى نستطيع أن نكمل.
ليس كل من يجعلنا سعداء يحفظ توازننا، لكن من يحفظ توازننا يمنح السعادة مكانًا تستطيع أن تستقر فيه.
ولهذا قد تكون أجمل النعم تلك التي لا ننتبه إلى قيمتها إلا حين تغيب.
أشياء وأشخاص لا يضيفون إلى حياتنا ضجيجًا جديدًا؛ بل يمنعونها، في صمت؛ من أن تختل.
________
الصورة: التوازن بين الطرفين.. من ينقذ الآخر؟