من يحمي مصالح العالم؟

news image

كتب: عبدالله العميره

تكشف الصحافة العالمية اليوم حجم القلق على السعودية، وعلى هرمز وباب المندب وأسعار النفط، كما يظهر في تقرير «صحافة العالم اليوم | عيون BETH».

لكن القلق شيء، وتحمل المسؤولية شيء آخر.

والسؤال الذي لا يُطرح بما يكفي هو:

هل يريد العالم من السعودية أن تحمي وحدها الطرق التي تمر عبرها مصالح الجميع؟

السعودية قادرة على حماية أراضيها ومنشآتها ومصالحها، وقد أثبتت خلال الحرب أنها تملك بدائل للطاقة، وقدرة على المناورة، وأدوات سياسية وعسكرية واقتصادية تتجاوز حدود الأزمة.

لكن:

هرمز ليس ممرًا سعوديًا.

وباب المندب ليس طريقًا سعوديًا وحده.

وقناة السويس ليست ممرًا سعوديًا أيضًا.

وأمن الطاقة العالمي ليس مسؤولية الرياض وحدها.

فإذا كانت أوروبا تخشى ارتفاع الأسعار، فعليها أن تتحمل نصيبها من حماية الإمدادات.

وإذا كانت الهند والصين وغيرهما من الاقتصادات الآسيوية تعتمد على نفط الخليج وتجارته، فإن أمن هذه الطرق جزء من أمنها القومي.

وإذا كانت واشنطن تعتبر حرية الملاحة مصلحة استراتيجية أمريكية، فلا يكفي أن تراقب السعودية وهي تتحمل ضغط الممرات، ثم تسأل:

ماذا ستفعل الرياض؟

الأولى أن يُطرح السؤال في الاتجاه الآخر:

ماذا ستفعلون أنتم لحماية مصالحكم؟

فالممرات دولية، والمصالح دولية، ولا ينبغي أن تكون فاتورة حمايتها سعودية.

والاتفاقات والتحالفات الخاصة، مثل «اتفاق مكة»، لها أهداف وحدود والتزامات محددة ومعلنة. أما حماية الممرات الدولية، فمسؤوليتها أوسع؛ لأنها تمس مصالح دول كثيرة، ولا يمكن أن تُترك لدولة واحدة أو لتحالف محدود.

أما الالتفاف، ومحاولات الاستذكاء لاختبار ما في الأذهان، فلن تصنع مكسبًا حقيقيًا؛ بل تستهلك وقتًا كان أولى أن يُستثمر في حماية المصالح وتثبيت الاستقرار.

وهنا يظهر السؤال العملي:

كيف تُنظَّم الحماية أصلًا؟

هل عبر قوة بحرية دولية موحدة؟

أم بتوزيع مناطق المسؤولية بين الدول المستفيدة؟

أم من خلال تحالفات متعددة تتقاطع أدوارها، وتترك بينها فراغات؟

ثم يأتي السؤال الأخطر:

هل وجدت إيران في تبعثر منظومة الحماية ثغرتها الأهم؟

فكلما تعددت القوى، واختلفت قواعد الاشتباك، وتوزعت المسؤوليات بين هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، ظهرت مساحات رمادية تستطيع طهران وأذرعها اختبارها والضغط من خلالها.

قد لا تكون مشكلة الممرات في نقص القوة، بل في تشتتها؛ الجميع موجود، لكن لا أحد مسؤول عن المشهد كله.

وإذا تحولت هذه السلبية إلى اتكالية، فإنها لا تترك فراغًا فقط؛ بل تمنح إيران مساحة لتضخيم نفوذها وإظهار قوة صنعتها هشاشة المواقف الدولية وتردد الدول في تحمل مسؤولياتها.

ومن يتراجع عن حماية مصالحه، لا يحق له أن يفاجأ حين يتمدد خصمه داخل الفراغ الذي تركه.

ولا أن يفاجأ إذا تحرك الردع السعودي بأدواته المختلفة لحماية المملكة وإنهاء مصادر التهديد؛ فالسعودية ليست مطالبة بانتظار الآخرين حين يصبح أمنها ومصالحها هدفًا.

ومن بعيد يطل سؤال أكثر حساسية:

هل يخوض العالم حربًا مع عدو واضح الضرر اسمه إيران، أم أن بعض العواصم لا تزال أشد ارتيابًا من ظهور قوة إسلامية جديدة عبر «اتفاق مكة»؟

الأهداف معلنة، والاتفاق محدد.

لكن من اعتاد النظر إلى كل قوة إسلامية ناشئة بعين الريبة، قد يجد نفسه أسيرًا لذاكرة سياسية غذتها الإسلاموفوبيا أكثر مما غذتها القراءة الواقعية للمصالح.

وهنا المفارقة:

قد تنشغل بعض العواصم باختبار القوة التي يمكن أن يصنعها «اتفاق مكة»، بينما القوة التي تهدد الممرات فعلًا تختبر العالم أمام أعين الجميع.

وهذا يعيدنا إلى السؤال الأكبر:

هل تستطيع دول العالم حماية مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية أمام خصم واحد، بينما أدوات الحماية موزعة، والقرار متفرق، والمسؤولية غير موحدة؟

فالرياض ليست شركة أمن للممرات الدولية.

ولا ينبغي أن يتحول موقع السعودية وثقلها إلى ذريعة لتحميلها وحدها كلفة حرب يتضرر منها العالم كله.

السعودية ستحمي مصالحها، وهذا أمر لا يحتاج إلى إذن من أحد.

أما من يريد النفط متدفقًا، والتجارة مفتوحة، والأسواق مستقرة، فعليه أن يُظهر خوفه على مصالحه بالأفعال، لا بالتحليلات والتصريحات الهشة، والمواقف الاستعراضية، والعنتريات الفارغة.

كل عاصمة تكتب اليوم عن أهمية السعودية.

لكن أهمية السعودية لا تعني أن تحمل عن الآخرين مسؤولياتهم.

من يريد الممر مفتوحًا، عليه أن يشارك في حمايته.

ومن يريد الطاقة مستقرة، عليه أن يشارك في كلفة استقرارها.

ومن يريد من السعودية أن تبقى حاجزًا أمام الفوضى، فعليه أولًا أن يتوقف عن التعامل معها كأنها مطالبة وحدها بحراسة العالم.