المرتزقة | جنود الظل
من المماليك والكوندوتييري والقراصنة المرخصين إلى شركات الأمن الخاصة والميليشيات الحديثة؛ كيف استعانت الدول عبر التاريخ بقوات لا تحمل اسمها، وكيف تحولت بعض الأدوات إلى حكام، ودول داخل الدول، وأذرع تعبر الحدود؟
تقرير خاص | BETH
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
قبل أن تعرف السياسة الحديثة عبارة «الحرب بالوكالة»، كانت الدول تمارسها بالفعل.
مرة باسم المرتزقة.
ومرة باسم الحرس الخاص.
ومرة باسم شركة تجارية تملك جيشًا.
ومرة باسم جماعة عقائدية تتلقى المال والسلاح والتدريب من دولة أخرى.
الأسماء تغيرت، لكن الفكرة بقيت واحدة:
كيف تحارب دولة خصمًا، أو توسع نفوذها، أو تحمي مصالحها، من دون أن تدفع دائمًا جيشها النظامي إلى الواجهة؟
وقد يكون السؤال أحيانًا أكثر بدائية من ذلك:
ماذا تفعل دولة لا تملك أصلًا جيشًا كافيًا، أو عددًا من السكان يسمح لها بتحويل طموحاتها إلى قوة مباشرة؟
هنا تبدأ الحاجة إلى الآخرين.
إلى المرتزق.
إلى الوكيل.
إلى الرجل الذي يقاتل بدلًا عنها.
وأحيانًا لا يكون الدافع دفاعًا ولا ضرورة، بل طموحًا أكبر من القدرة، أو شعورًا مزمنًا بالنقص، أو وفرة مال تبحث لنفسها عن نفوذ.
وهنا يحضر المثل الشعبي:
«اللي عنده قرش محيّره، يشتري حمام ويطيره».
لكن الحمام هنا ليس رمزًا للسلام.
إنه حديد يطير إلى حيث يريده مموله، أو رجال يتحركون على الأرض بلا انتماء حقيقي إلى المعركة؛ يقاتلون لأن هناك من دفع، أو أمر، أو وعد.
حين تعجز الدولة عن إنتاج قوتها من داخلها، تبدأ في شرائها من الخارج.
هنا يظهر جندي الظل.
ليس بالضرورة عميلًا، وليس دائمًا مرتزقًا، ولا كل ميليشيا وكيلًا لدولة. وهذه الفروق مهمة؛ لأن التاريخ يضيع عندما نضع كل رجل مسلح خارج الجيش النظامي في خانة واحدة.
لكنها جميعًا تلتقي عند نقطة واحدة: قوة مسلحة تتحرك خارج الشكل التقليدي للدولة، ثم تدخل في صناعة السياسة والحرب.
والمثير أن تجارب التاريخ تتكرر، كأن أحدًا لا يقرأ نهاياتها.
فالمرتزق والوكيل قد يمنحان الدولة تفوقًا مؤقتًا، أو نفوذًا سريعًا، أو قدرة على فتح جبهة بكلفة أقل؛ لكنهما نادرًا ما يمنحانها نصرًا مستقرًا يمكن التحكم في نتائجه.
فالأداة المسلحة تملك مع الوقت مصالحها وحساباتها، وقد تتحول من وسيلة إلى عبء، أو من تابع إلى شريك يفرض شروطه.
أما الجيوش النظامية، فمهما بدا جيش الظل هلاميًا ومموهًا، فإنها تعرف كيف تكشف بنيته، وتضرب خطوط تمويله وإمداده وقيادته، وتخرجه من الظل إلى ساحة مفتوحة وفضاء مكشوف.
ولهذا قد يربح المرتزق جولة؛ لكن التاريخ لا يضمن أبدًا أن يربح مموله الحرب، أو أن يسيطر على الأرض، أو أن يحوّل النفوذ المسلح إلى إدارة قادرة على بناء دولة وشعب.
الأداة التي أصبحت سلطانًا
ربما يكون المماليك من أوضح الأمثلة التاريخية على انقلاب الأداة إلى سلطة.
دخلوا النظام العسكري بوصفهم مماليك مقاتلين خدموا الحكام، ثم استولوا على الحكم في مصر سنة 1250، وأقاموا دولة استمرت قرونًا. لم يعودوا حرسًا يحمي السلطان؛ أصبحوا هم السلاطين.
وهذه ليست حالة مصرية منفردة.
في إيطاليا خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر، ازدهرت ظاهرة الكوندوتييري؛ وهم قادة فرق عسكرية محترفة تتعاقد معهم المدن والإمارات لخوض الحروب مقابل المال.
كانت العلاقة تُنظَّم بعقود تحدد عدد المقاتلين، مدة الخدمة، الأجر، وطبيعة المهمة؛ ولذلك كان القائد يستطيع الانتقال من حاكم إلى آخر متى انتهى عقده أو تغيرت مصلحته.
ثم وقع ما تخشاه كل دولة تستعين بقوة لا تملك ولاءها كاملًا:
فرانشيسكو سفورزا، ابن أحد أشهر قادة المرتزقة، لم يبقَ قائدًا مأجورًا؛ بل استولى على ميلانو وأصبح دوقها عام 1450.
وهنا تحولت الأداة من قوة تُستأجر للحرب إلى سلطة تحكم الدولة نفسها.
الدلالة ليست في غرابة القصة.
بل في القاعدة التي تظهر خلفها:
حين تحتكر جماعة السلاح والخبرة العسكرية، قد يصبح صاحب العقد أضعف من الرجل الذي ينفذه؛ بل قد ينقلب عليه، لأنه يعرف نقاط ضعفه أكثر من غيره.
ومن هنا تأتي خطورة الاعتماد على قوة لا يحكمها الولاء بقدر ما يحكمها الأجر والمصلحة؛ فمَن يقاتل اليوم من أجل المال، قد يغيّر موقعه غدًا إذا تغيّر السعر أو اتسعت طموحاته.
فالمرتزق لا يبحث دائمًا عن المعركة فقط؛ قد يبدأ بالمال، ثم يطلب النفوذ، ثم المكان.
البحر عرفهم قبل البر
حتى البحار عرفت نسخة مبكرة من «جنود الظل».
كانت الدول تمنح سفنًا خاصة خطابات تفويض تسمح لها بمهاجمة سفن العدو والاستيلاء عليها. لم تكن السفينة جزءًا من البحرية النظامية، لكنها كانت تقاتل لمصلحة الدولة وتشارك في الغنائم.
وخلال الثورة الأمريكية، لجأت الولايات المتحدة الناشئة إلى هؤلاء القراصنة لتعويض ضعفها أمام البحرية البريطانية؛ أي إنها اشترت بالقانون قدرة عسكرية لم تكن تملكها بعد.
والفارق بين القرصان والـقرصان المفوَّض:
الأول يسرق لنفسه، والثاني يسرق عدو الدولة بإذنها.
وهنا تظهر واحدة من أقدم صور الحرب الرمادية: الفعل نفسه تقريبًا، لكن الشرعية السياسية تغير تعريفه.
أمريكا جرّبت.. ثم دفعت الثمن
الولايات المتحدة استفادت من «جنود الظل» تكتيكيًا، لكنها دفعت أثمانًا استراتيجية وسياسية وقانونية.
وكررت هذا النهج بصورة واسعة في العراق وأفغانستان؛ إذ وفرت لها الشركات العسكرية والأمنية الخاصة آلاف الرجال والخبرات والخدمات، من دون توسيع الجيش النظامي بالحجم نفسه.
لكن التجربة كشفت الوجه الآخر:
الرجل الذي تستأجره الدولة لا يخضع لها كما يخضع الجندي.
ومع حوادث مثل ساحة النسور، اكتشفت واشنطن أن ما يوفر عليها جنودًا قد يكلفها سمعة وسياسة وقانونًا.
لذلك لم تُنهِ أمريكا نموذج «جنود الظل»، بل روّضته: شددت الرقابة والقوانين، قلصت بعض مهامه، وأبقت عليه حيث تحتاجه.
لكن العراق كشف مفارقة أخرى أكثر قسوة.
بعد الانسحاب الأمريكي، اتسع الفراغ الذي ملأته قوى مسلحة متعددة؛ وبعض الفصائل التي قاتلت «داعش» في ساحة كانت واشنطن تدعمها جوًا، أصبحت لاحقًا جزءًا من نفوذ إيراني مسلح، ووجّه بعضها سلاحه إلى الوجود الأمريكي نفسه.
وهكذا اكتشفت واشنطن أن القوة غير النظامية قد تساعدك في معركة، ثم تصبح جزءًا من مشكلة جديدة لم تكن في حسابك.
وباختصار أشد:
الظل مفيد ما دام في مكانه؛ المشكلة تبدأ حين يتحرك وحده.
حين امتلكت شركة جيشًا
ثم جاءت التجربة التي يصعب أن يصدقها قارئ اليوم لولا أنها حدثت فعلًا.
شركة الهند الشرقية البريطانية بدأت شركة تجارية بميثاق ملكي عام 1600، ثم بنت جيشًا خاصًا لحماية مصالحها. ومع اتساع سلطتها، لم تعد تحمي التجارة فقط؛ أصبحت تحكم أراضي وتجمع الضرائب وتخوض الحروب.
وبلغت قوات الشركة في ذروتها نحو 260 ألف جندي، أي أكثر من ضعف حجم الجيش البريطاني في بعض الفترات. وبعد أن تحولت الشركة من تاجر إلى حاكم فعلي لمساحات واسعة من الهند، تدخلت الدولة البريطانية وأنهت حكمها المباشر بعد تمرد 1857، لتنتقل الهند إلى التاج عام 1858.
هذه ربما أكثر التجارب التاريخية وضوحًا:
شركة خاصة امتلكت جيشًا، والجيش منحها أرضًا، والأرض منحتها دولة.
لم تكن ميليشيا بالمعنى الحديث، لكنها كانت أقرب ما عرفه التاريخ إلى شركة عابرة للقارات تملك السياسة والسلاح والسوق في وقت واحد.
المرتزق يعود ببدلة شركة
بعد صعود الجيوش الوطنية الحديثة، بدا أن زمن المرتزقة الكبار انتهى.
لكنه لم ينتهِ؛ بل غيّر اسمه وشكله.
في أواخر القرن العشرين ظهرت الشركات العسكرية الخاصة بصورة أكثر تنظيمًا، بعقود وإدارات قانونية وهيكل تجاري واضح.
في جنوب أفريقيا تأسست Executive Outcomes – «النتائج التنفيذية» عام 1989، وضمت ضباطًا وخبراء عسكريين سابقين، ثم عملت في أنغولا وسيراليون في القتال المباشر والتدريب وحماية المنشآت.
وفي بريطانيا ظهرت Sandline International – «ساندلاين الدولية» خلال التسعينيات، وعملت في سيراليون وبابوا غينيا الجديدة، وأثارت جدلًا دفع البرلمان البريطاني إلى بحث تنظيم هذا النوع من الشركات.
ثم تأسست Aegis Defence Services – «إيجيس للخدمات الدفاعية» في لندن عام 2002، وأصبحت من أبرز شركات الأمن والعمل العسكري الخاص.
لكن الانفجار الحقيقي لهذه الصناعة جاء بعد هجمات 11 سبتمبر وحربي أفغانستان والعراق.
بلاك ووتر.. الاسم الذي كشف الصناعة
تأسست Blackwater USA عام 1997 على يد إريك برنس، وهو ضابط سابق في القوات الخاصة البحرية الأمريكية، وبدأت كمركز تدريب وخدمات أمنية.
بعد غزو العراق، أصبحت جزءًا من منظومة الحماية الأمريكية الواسعة، إلى جانب DynCorp وTriple Canopy، وحصلت هذه الشركات على عقود رسمية لحماية الدبلوماسيين والمنشآت والقوافل.
والأرقام تكشف حجم التحول.
في أوائل 2008 قُدّر عدد العاملين لدى شركات الأمن الخاصة في العراق بما بين 25 و30 ألفًا لصالح جهات أمريكية وعراقية وشركات أخرى. وفي سبتمبر 2008 تجاوز عدد جميع المتعاقدين العاملين مع وزارة الدفاع الأمريكية في العراق 163 ألفًا، وهو رقم كان يقارب عدد الجنود الأمريكيين هناك في بعض الفترات، وإن كان هؤلاء المتعاقدون يشملون الخدمات اللوجستية والفنية وليس الأمن المسلح وحده.
وهنا لم تعد الحرب مجرد جيش رسمي.
أصبح خلف الجندي طابور آخر من السائقين، والحراس، والمحللين، والطواقم الجوية، والمتخصصين، والمدربين، وعناصر الأمن الخاص.
جزء من الحرب انتقل إلى السوق.
وصارت الدولة تستطيع شراء بعض وظائف القوة كما تشتري خدمة تقنية.
لكن بلاك ووتر كشفت أيضًا الجانب الأخطر من النموذج؛ إذ تحول إطلاق النار في ساحة النسور ببغداد عام 2007، الذي قتل فيه موظفو الشركة 17 عراقيًا، إلى رمز عالمي للسؤال الصعب:
من يحاسب الرجل المسلح عندما يرتدي شعار شركة، لكنه يعمل في حرب دولة؟
ليست كل شركة مرتزقة
وهنا يلزم التوقف.
القانون الدولي لا يعتبر كل موظف في شركة عسكرية خاصة مرتزقًا.
تعريف المرتزق قانونيًا ضيق وله شروط محددة، ولذلك فإن معظم موظفي الشركات العسكرية والأمنية الخاصة لا يدخلون تلقائيًا تحته. كما أن الدول لا تستطيع التخلص من مسؤولياتها القانونية لمجرد أنها تعاقدت مع شركة خاصة.
ولهذا ظهرت وثيقة مونترو عام 2008 بمبادرة سويسرية وبالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتوضيح التزامات الدول تجاه الشركات العسكرية والأمنية الخاصة. والوثيقة ليست معاهدة ملزمة جديدة، لكنها تؤكد أن الحرب الخاصة ليست فراغًا قانونيًا.
وهذا فارق مهم في تقريرنا:
الجندي الخاص قد يكون قانونيًا ومنظمًا وتحت عقد واضح؛ لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح المسافة بين الدولة والسلاح وسيلة للهرب من المسؤولية.
روسيا تصنع فاغنر
إذا كانت بلاك ووتر تمثل النسخة التجارية الأمريكية الأكثر شهرة، فإن فاغنر مثّلت لسنوات النموذج الروسي الأكثر غموضًا.
ظهرت بوصفها قوة عسكرية خاصة مرتبطة برجال أعمال وشبكات نفوذ روسية، ثم تحركت في أوكرانيا وسوريا وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى ومالي ودول أفريقية أخرى.
الميزة لم تكن فقط في وجود مقاتلين خارج الجيش الروسي؛ بل في أن وجودهم أتاح لموسكو نفوذًا عسكريًا وسياسيًا يمكن فصله رسميًا عن القوات المسلحة الروسية عند الحاجة.
وفي أفريقيا ارتبط عمل فاغنر بحماية أنظمة، ومواجهة جماعات مسلحة، والحصول على امتيازات اقتصادية ونفوذ سياسي. وبعد تمرد فاغنر ووفاة يفغيني بريغوجين، تحولت أجزاء من منظومتها إلى هياكل أقرب إلى الدولة الروسية، ومنها Africa Corps. وفي مالي مثلًا غادرت فاغنر رسميًا عام 2025، لكن عناصر من Africa Corps بقيت.
الاسم تغيّر.
المهمة لم تختفِ.
ويبقى السؤال الدائم: من يدفع؟
وللبحث عن الإجابة، فتّش عن المستفيد.
أو بالأدق: عن المستفيد الآني، قصير النظر، كثير المال؛ الذي يشتري نفوذًا سريعًا، ولا يرى دائمًا كلفة ما يزرعه بعد سنوات.
الميليشيا ليست شركة
هنا ننتقل إلى نموذج آخر أشد تأثيرًا في عصرنا.
الشركة تقاتل عادة بعقد.
أما الميليشيا العقائدية أو السياسية فقد تقاتل لأنها تؤمن بالقضية، وتحصل في الوقت نفسه على المال والسلاح والتدريب من دولة أخرى.
وهذه هي المنطقة التي يظهر فيها مفهوم الحرب بالوكالة.
إيران بنت خلال أربعة عقود شبكة واسعة من الجماعات المسلحة المتحالفة معها، ولعب فيلق القدس دورًا مركزيًا في التمويل والتدريب والتسليح وربط هذه القوى بالمصالح الإيرانية الإقليمية.
لكن حتى هنا لا يجوز تبسيط الصورة.
فالعلاقة بين الدولة والميليشيا ليست دائمًا علاقة زر تضغطه العاصمة فتتحرك الجماعة.
بعض هذه القوى يملك قاعدة محلية وأهدافًا خاصة واستقلالًا نسبيًا.
حزب الله.. الدولة داخل الدولة
في لبنان، أصبح حزب الله النموذج الأشهر لجماعة تجمع بين السلاح والسياسة والخدمات الاجتماعية والتمثيل البرلماني، مع علاقة استراتيجية عميقة بإيران.
ولهذا استُخدم طويلًا وصف «دولة داخل الدولة» لوصف قدرته العسكرية والسياسية مقارنة بمؤسسات الدولة اللبنانية.
وهنا تجاوزت الميليشيا وظيفتها العسكرية التقليدية.
لم تعد مجرد جماعة تحمل السلاح.
أصبحت جزءًا من النظام السياسي، مع احتفاظها بقوة عسكرية مستقلة عنه.
وهذا أحد أخطر التحولات التي يمكن أن تمر بها الدولة؛ عندما لا يسقط النظام، لكنه يفقد احتكار القرار في الحرب والسلم.
حين تدخل الميليشيا الدولة
العراق.. من الفراغ إلى الميليشيات الإيرانية
يقدم العراق نموذجًا أكثر تعقيدًا.
بعد انهيار قطاعات واسعة من الجيش بعد غزو أمريكا للعراق، دخلت إيران سريعًا على خط المواجهة، وبرزت قوات الحشد الشعبي بوصفها مظلة واسعة ضمت عشرات الفصائل؛ بينها جماعات قوية مرتبطة بطهران.
ثم أصدر نوري المالكي الموالي لإيران قرارًا بإنشاء هيئة الحشد الشعبي، وتحولت هذه القوى تدريجيًا إلى جزء من البنية الرسمية العراقية، مع بقاء تفاوت كبير بين فصائلها في الولاء والقرار والعلاقة بإيران.
ولا يخفى تمردها على الحكومات العراقية ذات التوجه العربي
وهنا يظهر السؤال الذي يتجاوز العراق نفسه:
هل جرى كل ذلك بعيدًا عن نظر الولايات المتحدة واستخباراتها، أم أن واشنطن رأت تمدد النفوذ الإيراني وقبلت به مرحليًا تحت عنوان مواجهة «داعش»؟
ذلك التنظيم الذي ظهر أمام العالم بوجوه مقاتلين بملابس رثة، ورايات سوداء تحمل شعارات إسلامية، ثم تحولت صوره وجرائمه إلى مادة كثيفة في الإعلام الدولي، وأسهمت بقوة في تغذية الخوف من الإسلام وانتشار الإسلاموفوبيا.
وسط تلك الفوضى، كان يفترض أن ينهض سؤال أبسط وأخطر:
كيف نشأ «داعش» بهذه السرعة؟ من موّله؟ من زوده بالسلاح والسيارات والقدرة على الحركة؟ ومن استفاد من بقائه واتساعه؟
هذه الأسئلة لم تكن ترفًا.
فما أعقب «داعش»، وما سبقها مع «القاعدة»، أظهر أن أكبر من دفع الثمن كان العرب والمسلمون أنفسهم؛ أمنًا، وسمعة، واستقرارًا، ودولًا تعرضت لتفجيرات التطرف والحرب عليه في آن واحد.
من المستفيد؟
وربما تكون الإجابة أقل إثارة وأكثر قسوة:
الدول الكبرى لا ترى كل شيء، لكنها أحيانًا ترى ما يكفي، ثم تختار ما يخدم مصلحتها في تلك اللحظة.
وهنا يظهر سؤال لا يقول: من خدع من؟
بل: من استفاد من الآخر أولًا، ومن دفع الثمن لاحقًا؟
الميليشيا لا تستولي على الدولة؛ تدخلها.
تأخذ شرعية ورواتب ومؤسسات، لكن بعض مكوناتها يحتفظ بعلاقات وأجندات تتجاوز الحدود.
وعندها يصبح السؤال أكثر تعقيدًا:
أين تنتهي الدولة؟
وأين تبدأ الجماعة؟
الحوثيون.. من عصابة متمردة إلى وجود مدعوم من دول
الحوثيون يوضحون كيف يمكن لحركة تحرك عصابة محلية أن تتطور إلى قوة تتجاوز حدود بلدها.
نشأت الحركة الحوثية في بيئة زيدية يمنية في صعدة، لكن مسارها الفكري والعسكري ارتبط مبكرًا بالنموذج الإيراني؛ فقد تأثر حسين الحوثي بالثورة الإيرانية، وأقام صلات خارج اليمن، ثم تطور الدعم الإيراني للحركة إلى السلاح والتدريب والتمويل والإسناد العملياتي، حتى أصبحت من أهم أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة.
ثم جاءت لحظة التحول:
استولت الحركة على صنعاء عام 2014، وبنت سلطة فعلية على جزء واسع من اليمن، ثم انتقلت من حرب داخلية إلى تهديد سفن في البحر الأحمر، وإطلاق صواريخ بعيدة المدى، والتأثير في واحد من أهم ممرات التجارة العالمية.
وهنا نعود إلى التاريخ.
الأداة المسلحة التي تبدأ في جبل بعيد قد تنتهي لاعبًا في الاقتصاد العالمي.
طالبان.. الميليشيا التي أصبحت دولة
طالبان تقدم المثال الأكثر مباشرة في العصر الحديث على الحركة المسلحة التي تتحول إلى حكومة.
ظهرت في أفغانستان في تسعينيات القرن الماضي، وسيطرت على كابول عام 1996، ثم أُسقط حكمها بعد التدخل الأمريكي عام 2001.
وبعد عشرين عامًا من الحرب عادت إلى كابول في أغسطس 2021، وانسحبت القوات الأمريكية، وعادت الحركة التي قاتلت الدولة لتصبح هي السلطة مرة أخرى.
وهنا تصبح كلمة «ميليشيا» نفسها غير كافية.
فعندما تسيطر الجماعة على العاصمة والحدود والوزارات والأجهزة، فإنها لم تعد قوة خارج الدولة.
لقد أصبحت الدولة بحكم الأمر الواقع.
حين يتحول زعماء العصابات إلى سياسيين
أما العصابات الإجرامية، فهي فئة مختلفة.
الكارتل ليس ميليشيا، والمافيا ليست شركة عسكرية، والمرتزق ليس عضوًا في عصابة بالضرورة.
لكن التاريخ الحديث عرف مناطق ضعفت فيها الدولة إلى درجة أن جماعات الجريمة المنظمة امتلكت سلاحًا وأرضًا ومالًا وقدرة على شراء المسؤولين، فتحولت من مشكلة جنائية إلى منافس للسيادة.
وعندما تستخدم دولة مثل هذه الجماعات، أو تتسامح معها عمدًا لخدمة هدف أمني أو سياسي، نقترب مرة أخرى من عالم الظل.
الفارق أن الوكيل السياسي يريد تغيير ميزان القوة.
أما العصابة فغايتها الأصلية الربح.
لكن عندما يلتقي المال بالسلاح والسياسة، يمكن أن يصبح الخط الفاصل رفيعًا جدًا.
العصابة والميليشيا.. أين الفرق؟
العصابة تتحرك أساسًا من أجل المال أو السيطرة أو الجريمة المنظمة؛ ولا تحتاج إلى مشروع سياسي متكامل، ولا تدّعي بالضرورة تمثيل جماعة أو قضية.
أما الميليشيا، فهي قوة مسلحة تتحرك عادة تحت هوية سياسية أو دينية أو عرقية أو مناطقية، وقد تسعى إلى التأثير في الدولة، أو اقتسام سلطتها، أو الحلول محلها.
لكن الحدود بينهما ليست ثابتة.
فالعصابة حين تمتلك الأرض والسلاح والغطاء السياسي قد تتحول إلى قوة شبه عسكرية؛ والميليشيا حين تدخل عالم التهريب والجباية والاقتصاد الأسود قد تتحول إلى عصابة بواجهة سياسية.
وهنا تبدأ أخطر المناطق الرمادية؛ حين يصبح من الصعب معرفة أين تنتهي السياسة وأين تبدأ الجريمة.
لماذا الانقلاب؟ ولماذا الأقلية؟
يطرح التاريخ سؤالًا متكررًا:
لماذا فضّلت قوى دولية، في مراحل مختلفة، التعامل مع أنظمة ضعيفة أو سلطات ضيقة القاعدة الاجتماعية، بدل التعامل مع دول قوية ومؤسسات مستقرة؟
في كثير من التجارب، كان الجواب بسيطًا:
السلطة التي تفتقر إلى قاعدة شعبية واسعة تصبح أكثر حاجة إلى الحماية الخارجية؛ وكلما زادت حاجتها إلى الخارج، زادت قابلية التأثير في قراراتها والضغط عليها.
ولهذا لم يكن المطلوب دائمًا «أقلية» لذاتها، بل نظامًا يحتاج إلى الخارج أكثر مما يحتاج الخارج إليه.
فالانقلاب يختصر الطريق إلى السلطة، والسلطة المعزولة اجتماعيًا تبحث غالبًا عن سند يحميها؛ ومن هنا تبدأ علاقة اعتماد قد تتحول سريعًا إلى نفوذ.
والخلاصة:
الدولة القوية تفاوض الخارج؛ أما السلطة الضعيفة فقد تطلب منه ضمان بقائها.
لماذا تفضّل الدول جنود الظل؟
لأنهم يمنحونها شيئًا لا يمنحه الجيش النظامي بسهولة: المسافة.
المسافة بين القرار والمسؤولية.
بين الدولة والضحية.
بين السلاح والعلم المرفوع فوقه.
يمكن للوكيل أن يضغط على خصم من دون إعلان حرب.
وللشركة أن تؤدي وظيفة لا تريد الدولة زيادة حجم جيشها من أجلها.
وللميليشيا أن تفتح جبهة بعيدة عن حدود الداعم.
وللقوة الخاصة أن تمنح الحكومة إنكارًا سياسيًا أو وقتًا للمناورة.
وهذا ما جعل الوكلاء عنصرًا أساسيًا في استراتيجية إيران الإقليمية؛ فالقوة المسلحة الحليفة توسع النفوذ الإيراني بينما تخفض في بعض الحالات كلفة المواجهة المباشرة على طهران.
لكن للمسافة ثمنًا.
الأداة لا تبقى أداة دائمًا
كل قصص هذا التقرير تقريبًا تنتهي عند المشكلة نفسها.
المملوك أصبح سلطانًا.
الكوندوتييري أصبح دوقًا.
شركة الهند الشرقية تحولت إلى حاكم.
الميليشيا دخلت البرلمان.
الحركة المسلحة استولت على العاصمة.
والشركة العسكرية قد تملك من الرجال والسلاح والمعلومات ما يجعلها لاعبًا سياسيًا لا مجرد مقاول.
ولهذا ربما تكون أكبر أوهام الدول أن تعتقد أن من تسلحه اليوم سيبقى غدًا كما صنعته.
السلاح يخلق مصالح.
والمال يخلق شبكات.
والانتصار يخلق طموحًا.
من المرتزق إلى «المقاول»
وهناك تطور لغوي مهم يكشف تطور السياسة نفسها.
كان الاسم قديمًا واضحًا:
مرتزق.
ثم أصبح:
متعاقدًا أمنيًا.
وكانت القوة تسمى:
شركة مرتزقة.
ثم أصبحت:
شركة عسكرية وأمنية خاصة.
وكانت الجماعة المسلحة التابعة لدولة توصف:
أداة.
ثم ظهرت تعبيرات أكثر دقة:
وكيل، شريك، حليف مسلح، قوة غير دولية.
هذا ليس مجرد تجميل لغوي.
إنه اعتراف بأن العالم الحديث أكثر تعقيدًا من ثنائية «جيش أو مرتزق».
حروب المستقبل
والأرجح أن «جنود الظل» لن يتراجعوا.
بل سيتطورون.
فالمقاتل القادم قد لا يكون رجلًا مأجورًا فقط؛ قد يكون شركة سيبرانية، أو فريقًا يشتري صور الأقمار الصناعية، أو مشغلي طائرات مسيّرة، أو شبكة تهريب سلاح، أو مجموعة إلكترونية تعمل لمصلحة دولة ولا تحمل اسمها.
الحرب الحديثة تجعل الإنكار أسهل.
والتكنولوجيا تجعل المجموعة الصغيرة أكثر قدرة.
والطائرة المسيّرة تمنح فصيلًا كان يحتاج قبل عشرين عامًا إلى قوة جوية، قدرة على إصابة هدف يبعد مئات الكيلومترات.
وفي اليمن اليوم، تشير تقارير حديثة إلى محاولات مستخدمين في مناطق الحوثيين الاستعانة بأدوات ذكاء اصطناعي للعمل على تقنيات توجيه وصواريخ متقدمة، في مثال صغير على الانتقال من الميليشيا التقليدية إلى الفاعل المسلح التكنولوجي.
قراءة BETH
ليست المشكلة في وجود قوات غير نظامية وحدها.
فالتاريخ عرف المتطوع، والمقاوم، والحرس المحلي، والثائر، والمرتزق، والمقاول الأمني، ولكل واحد سياقه المختلف.
المشكلة تبدأ عندما يصبح السلاح خارج الدولة أداة دائمة للسياسة الدولية.
عندها لا تعود الحرب بين دولتين فقط.
تصبح بين دولة وذراع.
ودولة وشركة.
ودولة وشبكة.
وأحيانًا بين دولة وخصم لا تستطيع حتى أن تثبت قانونيًا أنه يقاتل باسم الدولة التي تدعمه.
وهنا تكمن عبقرية «جنود الظل» وخطورتهم في الوقت نفسه:
يمنحون الدولة قوة إضافية، لكنهم يمنحون الحرب بابًا للهروب من قواعدها التقليدية.
والتاريخ يقدم تحذيره القديم نفسه.
الدولة تستطيع أن تخلق رجل ظل.
أن تدفع له.
أن تسلحه.
أن تستخدمه.
لكنها لا تملك دائمًا أن تحدد اللحظة التي يتوقف فيها عن أن يكون ظلًا.
فبعض جنود الظل ينتهي عقدهم.
وبعضهم ينتهي به الأمر جالسًا على كرسي الدولة التي كان يفترض أن يخدمها.
الخلاصة: الدولة أم الظل؟
التقرير كله يقود إلى نتيجة واحدة:
الميليشيا والمرتزق والوكيل يستطيعون صناعة نفوذ سريع، وفتح جبهات، وإرباك خصوم أقوى منهم؛ لكنهم لا يصنعون استقرارًا طويلًا، ولا يبنون دولة قابلة للحياة.
أمريكا استخدمت «جنود الظل» ثم حاولت تنظيمهم وإعادتهم تحت سلطة الدولة.
إيران بنت جانبًا كبيرًا من نفوذها الإقليمي على أذرع تعمل خارج الدولة أو داخلها من دون أن تذوب فيها.
والفارق حاسم:
القوة قد تُشترى، لكن الدولة لا تُشترى.
فالمستقبل الآمن لا يُبنى بعصابات وميليشيات منفلتة، بل بحكومات قوية، ومؤسسات مستقرة، وسلاح يخضع للدولة والقانون.
قد يربح الظل جولة؛ لكن من يبني الدولة هو الذي يبقى.