حين تسبق الرواية التحقيق
حادث فلاي دبي يكشف كيف تتحول واقعة لم تكتمل تحقيقاتها إلى قصة سياسية وإعلامية؛ رواية «السباك» تعبر من نتنياهو إلى ترامب، والجمهور يتلقى صورة الحدث قبل أن تتضح حقيقته
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
لم يحتج حادث طائرة فلاي دبي إلى وقت طويل حتى يغادر قمرة القيادة ويتحول إلى معركة روايات.
المعلومة الرسمية السعودية كانت محددة وواضحة: التحقيقات الأولية أثبتت وقوع اعتداء من مساعد قائد الطائرة على القائد، وإصابتهما، ثم هبوط الرحلة اضطراريًا في تبوك. أما الدافع والخلفيات فبقيت موضع تحقيق.
لكن الرواية السياسية في أماكن أخرى تحركت أسرع.
في إسرائيل، طُرحت مبكرًا فرضية العمل الإرهابي، ثم تحدث بنيامين نتنياهو عن تعرض مساعد القائد لـ«تلقين إسلامي متطرف»، رغم قوله في مرحلة أخرى إن الوقت ما زال مبكرًا لتحديد من يقف خلف الحادث، فيما لم تكن التحقيقات قد حسمت وجود ارتباط بإيران أو جهة منظمة.
ثم ظهرت قصة السباك.
الرواية التي نقلها نتنياهو تقول إن راكبًا إسرائيليًا يعمل سباكًا دخل قمرة القيادة، وأبعد المهاجم، وأمسك أدوات التحكم، وساعد في تعديل وضع الطائرة، مستفيدًا مما شاهده في برنامج تلفزيوني عن كوارث الطيران.
والراكب نفسه تحدث عن تدخله داخل القمرة، فيما أشارت روايات لاحقة إلى وجود طيارين مساندين داخل الطائرة تولوا السيطرة على الرحلة.
وعندما وصلت الرواية إلى دونالد ترامب، أعاد سردها بدهشة واضحة، لكنه وضع أمامها جملة شديدة الأهمية:
«لا أعرف إن كانت صحيحة».
كما تحفظ على الجزم بأن مساعد القائد كان يريد إسقاط الطائرة، موضحًا أن هذه هي الرواية التي وصلته من نتنياهو وآخرين.
لم تكن سخرية صريحة بقدر ما كانت مسافة واضحة بين ناقل القصة وبين التصديق الكامل بها.
والمثير هنا، حرص نتنياهو على نقل الرواية بنفسه إلى ترامب بسرعة، قبل اكتمال التحقيقات.
وفي الوقت نفسه، بدأت تتناثر روايات وأسئلة أخرى، في ظل غياب صورة مكتملة لما حدث، ومن بينها سؤال شديد الحساسية:
هل يمكن أن تكون هناك جهة أخرى خططت للحادث، أو سعت إلى استثماره سياسيًا وإعلاميًا؟
وهنا تحديدًا تظهر مشكلة الرواية المبكرة:
كلما تأخر التحقيق، اتسعت مساحة التأويل، وتحول الفراغ المعلوماتي إلى بيئة مثالية للأسئلة والفرضيات؛ بعضها قابل للفحص، وبعضها قد يكون مجرد امتداد لمعركة الروايات.
وقد تُعلن الملابسات كاملة، وقد يبقى جزء منها خارج التداول العام.
وفي مثل هذه القضايا المعقدة، تبرز قاعدة تحقيقية شائعة:
فتش عن المستفيد.
ليس باعتبار المستفيد متهمًا بالضرورة، بل باعتباره مدخلًا لفهم شبكة المصالح، ومن الذي استفاد سياسيًا أو إعلاميًا أو أمنيًا من وقوع الحدث أو من طريقة تقديمه للرأي العام.
وهنا يبرز سؤال مهم:
لماذا أحاطت بهذه الحادثة كل هذه الضجة، وكل هذا العدد من الروايات، بهذه السرعة؟
الجواب الأقرب أن الحادث جمع في لحظة واحدة عناصر شديدة الحساسية: طائرة متجهة إلى إسرائيل، حادث داخل قمرة القيادة، هبوط اضطراري في السعودية، ركاب إسرائيليون، ظرف حرب إقليمية مفتوحة، وقادة سياسيون دخلوا مبكرًا على خط الرواية.
هذه العناصر وحدها كافية لتحويل أي فراغ معلوماتي إلى ساحة تنافس على تفسير الحدث قبل اكتمال التحقيق فيه.
وهنا يصبح السؤال الأهم ليس فقط:
من صنع الرواية؟
بل:
من استفاد من وصولها أولًا إلى عقل الجمهور؟
هنا تصبح القضية أكبر من فلاي دبي.
في الأحداث المفاجئة، لا ينتظر الجمهور نهاية التحقيق. الفراغ المعلوماتي يحتاج سريعًا إلى قصة: بطل، مهاجم، سبب، ودافع.
والرواية الأكثر درامية تمتلك ميزة واضحة: سهولة التذكر والتداول.
وتشير أبحاث علم النفس المعرفي إلى أن تكرار المعلومة يزيد احتمال شعور المتلقي بأنها صحيحة، حتى عندما لا يقدم التكرار دليلًا جديدًا؛ فيما يعرف بـ«تأثير الحقيقة الوهمية». وأكد تحليل واسع شمل 182 دراسة أن التكرار يرفع بالفعل الإحساس بصدق المعلومة.
والأصعب أن التصحيح اللاحق لا يمحو دائمًا الأثر الأول. فقد تظل المعلومة الأولى حاضرة في تفسير الجمهور للحدث حتى بعد معرفته بأنها غير دقيقة، وهو ما تصفه الدراسات بـاستمرار تأثير المعلومة المضللة.
وهنا تكمن قوة الرواية المبكرة وخطورتها معًا.
فالتحقيق يبحث عن ما حدث.
أما الرواية فتبحث غالبًا عن القصة التي يمكن للناس أن يتذكروها.
وحين تصل القصة أولًا، يصبح على الحقيقة لاحقًا أن تفعل أكثر من إثبات نفسها:
عليها أن تنتزع مكانها من رواية سبقتها إلى عقل الجمهور.
وهذا ربما هو الدرس الأهم من حادث فلاي دبي:
في عصر التدفق الإعلامي، ليست المعركة دائمًا على الحقيقة وحدها.. بل على من يصل أولًا إلى الذاكرة.