الخرافة والسياسة

news image

كتب: عبدالله العميره

الخرافة ليست أن يعتقد الإنسان أن وراء الباب شبحًا.

هذه حالة بسيطة؛ يمكنه أن يفتح الباب وينتهي الأمر.

الخرافة الأخطر هي أن يُقال للناس إن خلف الباب مكتبًا فخمًا، يجلس إليه زعيم خرافي شيطاني، يملك من القوة ما يهز العالم.

ثم يُفتح الباب، فلا يجد الناس شيئًا.

لا مكتبًا.

ولا زعيمًا.

ولا تلك القوة المزعومة.

فلا يبقى إلا صوت يبرر:

لقد هرب.

هنا تبدأ المشكلة.

لأننا لم نعد أمام معلومة خاطئة تتناقلها وسائل الإعلام، بل أمام منظومة كاملة تصنع الوهم، ثم تحميه من الحقيقة كلما انكشف.

والسياسة، في أبسط تعريفاتها، هي إدارة القوة والمصالح والقرار العام.

أما الخرافة، فهي تفسير للعالم لا يحتاج إلى دليل كي يعيش، بل يكفيه أن يجد عقلًا مستعدًا لحمايته.

ومن هنا يصبح السؤال :

ماذا يحدث عندما يدير السياسةَ عقلٌ يؤمن بالخرافة؟

العلم يبدأ بالشك.

الخرافة تبدأ باليقين.

العلم يقول: أرني الدليل.

الخرافة تقول: عدم وجود الدليل جزء من المؤامرة.

العلم يغير رأيه عندما تتغير الوقائع.

الخرافة تغير الوقائع حتى لا تضطر إلى تغيير رأيها.

ولهذا فإن العلاقة بين العلم والسياسة ليست سهلة، لكنها ضرورية.

العلم لا يحكم الدولة، ولا يقرر وحده ما هو الصواب أخلاقيًا أو سياسيًا، لكنه يمنح القرار شيئًا لا تستطيع الخرافة منحه:

واقعًا يمكن اختباره.

أما السياسة حين تستغني عن ذلك، فقد تستطيع اتخاذ القرار، لكنها لا تعود تعرف على أي أرض تقف.

ثم نصل إلى السؤال الأصعب:

هل يمكن الوثوق بسياسي يؤمن بالخرافة؟

المشكلة ليست في أن يحمل السياسي اعتقادًا شخصيًا غريبًا؛ فالبشر جميعًا يحملون تناقضاتهم.

المشكلة تبدأ عندما تتحول الخرافة من شأن شخصي إلى أداة لصنع القرار العام.

لكن الإشكالية الأخطر تقع على من يوظف أهل الخرافة لتحقيق أهدافه؛ فقد يظن أنه يحقق من خلالهم مكاسب مرحلية، من دون أن يدرك أن الأداة نفسها قد تنقلب عليه في لحظة يصبح تدارك آثارها بالغ الصعوبة.

وهنا يظهر فشل التخطيط الاستراتيجي: حين ينجح التكتيك مؤقتًا، ثم تأتي النتيجة النهائية بعكس الهدف الذي بدأ من أجله.

عندما تصبح الإشارة أهم من المعلومة، والإيحاء أهم من التقرير، والحدس أقوى من الأرقام، والرواية المريحة أقوى من الحقيقة المزعجة.

والرواية المريحة أقوى من الحقيقة المزعجة.

عندها لا يصبح السؤال:

ماذا يؤمن هذا السياسي؟

بل:

بأي شيء يتخذ قراره؟

وهنا يأتي السؤال الآخر:

هل يمكن أن نصدق عقلًا تستحوذ عليه الخرافة؟

ليس لأن هذا العقل فقد قدرته على التفكير بالكامل، بل لأنه أصبح يملك مشكلة أخطر:

لقد صنع لنفسه طريقة تفكير تنتصر دائمًا.

إذا صدقت النبوءة قال: ألم أقل لكم؟

وإذا لم تصدق قال: حدث ما منعها.

وإذا ظهرت حقيقة تناقضها قال: هذه الحقيقة مصنوعة.

وهكذا تصبح الخرافة نظامًا مغلقًا، لا تهزمه الوقائع؛ لأنه أعاد تعريف الوقائع أصلًا.

وهذا ما يجعل التعامل معها بالغ الصعوبة.

السخرية منها وحدها لا تكفي.

والإغراق في الأدلة لا ينجح دائمًا؛ فتصحيح المعلومات المضللة قد يحسن الدقة، لكنه يصبح أكثر صعوبة حين ترتبط المعتقدات بالهوية السياسية أو بالقضايا شديدة الاستقطاب.

لذلك لا يبدأ تفكيك الخرافة بسؤال صاحبها:

كيف صدقت هذا؟

بل بسؤال أكثر إزعاجًا:

ما الشيء الذي لو حدث سيجعلك تقول إن اعتقادك كان خطأ؟

إذا قال: لا شيء.

فأنت لم تعد تناقش فكرة.

أنت تقف أمام قلعة.

وهنا ربما يكون الفرق الحقيقي بين الجهل والجهالة.

الجاهل لا يعرف.

ويمكن أن يتعلم.

أما من أغلق الباب على اعتقاده، ثم ابتلع المفتاح، فمشكلته لم تعد في نقص المعلومات.

بل في رفض احتمال أن يكون مخطئًا.

وأخطر الخرافات ليست التي يسخر منها الناس.

أخطرها تلك التي ترتدي بدلة رسمية، وتجلس خلف مكتب كبير، وتطلب من العالم أن يتعامل معها باعتبارها:

سياسة.

«العقل المتشبع بالخرافة لا يفتقر إلى المعلومات بقدر ما يفتقر إلى منفذ تدخل منه المعلومات المخالفة.»

لكن الخطر لا يتوقف عند الاعتقاد بالخرافة.

 وخطر - ربما أكبر مما سلف؛  أن تُصدَّر الخرافة إعلاميًا، وأن تُضخَّم قوتها وتأثيرها، حتى تتحول من وهم في عقل فرد إلى محاولة لاختراق عقول الملايين.

وهنا لا تعود المسألة مجرد تضليل.

إنها استهانة بذكاء الرأي العام.

لكن لهذه المحاولة وجهًا آخر قد ينقلب على صاحبها.

فالرأي العام، حين يشعر أن هناك من يتعامل معه باعتباره سهل الخداع، قد يرى في الرسالة نفسها إهانة لعقله، فيتحول ما يظنه ناقل الخرافة مكسبًا إلى خسارة في المصداقية والثقة والتأثير.

فالإنفاق على صناعة الوهم لا يجعل الوهم حقيقة.

وتكراره لا يحوله إلى معرفة.

وتضخيمه لا يمنحه قوة دائمة.

وقد يكون المصير، في النهاية، أقرب إلى ذلك المعنى القرآني العميق:

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}.

فالخرافة قد تملك المال والمنابر والصوت العالي.

لكنها تظل أمام مشكلة واحدة لا تستطيع شراءها:

الحقيقة.

 

حين تستفز الخرافة المقدسات

استهداف الرموز الدينية الإسلامية، وفي مقدمتها مكة المكرمة والمدينة المنورة، يكشف إلى أي مدى يمكن للخرافة حين تختلط بالسياسة أن تدفع أصحابها إلى قرارات تفقد الصلة بالحساب العقلاني للعواقب.

وخلال مراحل مختلفة من التاريخ، وبصورة أكثر وضوحًا خلال العقود الأخيرة، جرت محاولات لاستخدام الدين الإسلامي وإعادة تقديمه في صورة مشوهة، عبر خلطه بالخرافة وتوظيفه لخدمة أهداف سياسية لا تسيء إلى الإسلام فحسب، بل تلحق الضرر بالمسلمين أنفسهم، وتستهين بوعي العالم وقدرته على التمييز.

واستهداف المقدسات ليس مجرد عمل عدائي.

إنه استفزاز للعملاق المسالم.

وليس من مصلحة أي عاقل أن تُدفع المملكة إلى التحرك دفاعًا عن مقدساتها، أو أن يُستثار المسلمون في أنحاء العالم للدفاع عن مكة المكرمة والمدينة المنورة.

لكن العقل حين يصبح أسيرًا لخرافة الزمن، قد يفقد القدرة على قراءة حجم الخطر الذي يصنعه بنفسه.

وهنا تعود الخلاصة:

إنها الخرافة حين تختلط بالسياسة.