الحرب الذكية.. والنهايات القديمة

news image

وزارة الحرب الأمريكية تنشئ «قيادة الحرب المستقلة» لدمج الأنظمة الذاتية والروبوتية والذكاء الاصطناعي في العمليات؛ مشروع يَعِد بتسريع القتال، لكنه يعيد سؤالًا أقدم: هل تتغير طريقة الحرب أم تبقى مشكلة نهاياتها كما هي؟

 

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

 

أعلنت وزارة الحرب الأمريكية إنشاء قيادة الحرب المستقلة – Autonomous Warfare Command (AutoWarCom)، وهي قيادة جديدة تهدف إلى تسريع إدخال الأنظمة الذاتية والروبوتية والمسيّرات والذكاء الاصطناعي إلى مختلف فروع القوات الأمريكية، وربط التطوير والشراء بالاستخدام العملياتي مباشرة. 

ويأتي المشروع ضمن إعادة تنظيم أوسع لملف الأنظمة غير المأهولة، بعد أن أنشأت الوزارة هذا العام جهة موحدة لدمج برامج المسيّرات والأنظمة الذاتية، ورصدت في موازنة 2027 عشرات المليارات من الدولارات لهذه القدرات. 

ويقود المرحلة الانتقالية Project Agincourt، بهدف بناء نموذج يقرّب المشغلين والمهندسين والشركات من الوحدات الميدانية، ويختصر دورة التجربة والتعديل والشراء. كما تعمل الوزارة على إنشاء مسارات مهنية جديدة للعسكريين المتخصصين في تشغيل الأنظمة الذاتية. 

كيف ستبدو الحرب؟

التحول لا يعني اختفاء الإنسان من ساحة القتال، بل تراجعه في بعض نقاط الاحتكاك المباشر، مقابل توسع دور المنصات غير المأهولة في الاستطلاع والاستشعار والمراقبة والاستهداف والحماية والمناورة.

الهدف المعلن هو تقصير الزمن بين اكتشاف الهدف واتخاذ القرار وتنفيذ المهمة، مع ربط المستشعرات والمنصات والقيادة في شبكة أسرع وأكثر تكاملًا. وتجارب أمريكية حديثة في مكافحة المسيّرات تستخدم بالفعل برمجيات قيادة وتحكم ذاتية لربط المستشعرات بوسائل الاعتراض.

لكن هذا لا يعني أن القرار البشري يختفي.

كلما زادت سرعة المنظومة، أصبح السؤال أكثر حساسية:

من يقرر؟ ومن يراجع؟ وكم يبقى للإنسان من الوقت قبل أن تنتقل الآلة من الرصد إلى الفعل؟

من يدير الحرب؟

المشهد المتوقع ليس روبوتًا يقاتل وحده.

بل منظومة تضم قائدًا عسكريًا، وخوارزمية، ومستشعرات، ومشغلين، ومهندسين، وشركات تقنية تعمل داخل دورة واحدة أسرع من النمط التقليدي للشراء العسكري.

وهذا هو جوهر المشروع: الانتقال من منظومة ينتظر فيها المقاتل سنوات حتى تصل إليه التقنية، إلى منظومة يتغير فيها السلاح وفق ما يحدث في الميدان.

ماذا ستستهدف؟

في هذا النوع من الحروب، لا تقتصر الأولوية على تدمير الدبابات والطائرات.

تزداد أهمية العقد العصبية للحرب: القيادة والسيطرة، الاتصالات، الرادارات، الأقمار الصناعية، مراكز البيانات، الطاقة، الموانئ وسلاسل الإمداد.

الهدف يصبح شل قدرة الخصم على الرؤية والاتصال والفهم والرد، وليس فقط تدمير معداته.

لكن ماذا عن النهاية؟

هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.

فالولايات المتحدة لم تدخل حروبها السابقة بأدوات بدائية أو بعقيدة عسكرية جامدة. استخدمت في العراق وأفغانستان وسوريا وغيرها تفوقًا جويًا واستخباريًا وتقنيات استهداف وقيادة متقدمة، وحققت في مراحل كثيرة نجاحات تكتيكية واضحة.

لكن دراسات أمريكية نفسها فرّقت بين النجاح في المعركة والنجاح في الحرب.

في العراق، حققت القوات الأمريكية تفوقًا عسكريًا سريعًا، لكن تحليلًا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية وصف الحرب لاحقًا بأنها نجاحات تكتيكية لم تنتج نتيجة استراتيجية مستقرة، وأشار إلى ضعف الاستعداد لما بعد إسقاط النظام. 

وفي أفغانستان، تكررت المشكلة بصورة مختلفة: قدرة عالية على القتال، مقابل صعوبة في بناء صيغة سياسية وأمنية قابلة للاستمرار بعد الانسحاب. دراسات أمريكية لاحقة رأت أن الخلل لم يكن في القدرة على خوض المعارك فقط، بل في تحديد الهدف الاستراتيجي، وتقدير كلفة الاستمرار، وصناعة نهاية قابلة للحياة. 

والفكرة نفسها ظهرت في مراجعات العراق وسوريا وليبيا واليمن: الانتصار العسكري لا يكفي إذا لم يتبعه استقرار سياسي وحكم قادر واقتصاد قابل للحياة. 

المشكلة القديمة

لهذا، فإن «قيادة الحرب المستقلة» قد تعالج جزءًا مهمًا من مشكلة الحرب الحديثة:

كيف ترى أسرع؟ كيف تقرر أسرع؟ وكيف تضرب أسرع؟

لكنها لا تجيب وحدها عن الأسئلة التي أنهكت حروبًا أمريكية سابقة:

لماذا تبدأ الحرب؟
ما الهدف السياسي منها؟
متى تتوقف؟
ومن يدير اليوم التالي؟

قد تجعل الأنظمة الذاتية الولايات المتحدة أكثر كفاءة في إدارة المعركة.

لكن نجاحها في إدارة الحرب سيظل مرتبطًا بما لا تستطيع الخوارزمية أن تحسمه وحدها:

النهاية السياسية.

وهنا تكمن المفارقة:

قد تتغير أدوات الحرب بالكامل، وتصبح أسرع وأكثر استقلالًا وذكاءً.

لكن السؤال القديم يبقى كما هو:

هل تستطيع القوة التي تعرف كيف تبدأ الحرب أن تعرف أيضًا كيف تنهيها؟