ما لا يُؤخذ منك

news image

كتب: عبدالله العميره

نعيش أعمارنا ونحن نتعلم كيف نحصل على الأشياء.

كيف نحصل على وظيفة أفضل.

على بيت أجمل.

على مكانة أكبر.

على شخص نحبه ويحبنا.

على فرصة انتظرناها طويلًا.

لكن أحدًا لا يعلمنا بالقدر نفسه كيف نعيش حين تأتي الأشياء التي تمنيناها طويلًا، ثم تبدأ في الرحيل؛ لأننا لم ننتبه إلى قيمتها في وقتها، ولم نمنحها ما تستحق من اهتمام.

الحياة، مهما بدت كريمة، ليست خزنة مغلقة.

تفتح لك أبوابًا.

ثم تغلق بعضها.

تعطيك أشياء.

ثم تسترد بعضها.

تضع أشخاصًا في طريقك.

ثم تجعل لكل واحد منهم طريقًا آخر.

ولهذا ربما لا تكون الحكمة في أن تحتفظ بكل شيء.

بل في أن تعرف:

ما الذي لا ينبغي أن تخسره، حتى لو خسرت كثيرًا؟

قد يُؤخذ منك منصب.

لكن المنصب لم يكن عقلك.

قد تضيع منك فرصة.

لكن الفرصة لم تكن خبرتك.

قد يغادر شخص.

لكن وجوده لم يكن حياتك كلها.

وقد تخسر مكانًا كنت تظنه نهاية الطريق، ثم تكتشف بعد سنوات أنه كان مجرد محطة ضيقة لا تتسع لما أصبحت عليه.

المشكلة أننا نربط قيمتنا طويلًا بما هو خارجنا.

بطاولة نجلس خلفها.

باسم مكتوب على باب.

برقم في حساب.

بشخص يقول لنا إننا مهمون.

ثم نفاجأ حين يختفي أحد هذه الأشياء، فنشعر كأن جزءًا منا اختفى معه.

مع أن الحقيقة أكثر هدوءًا:

ما صنعك ليس دائمًا ما كان حولك.

أحيانًا يكون ما صنعك هو ما مر بك.

التعب الذي لم يرك أحد فيه.

القرار الذي اتخذته وحدك.

المرة التي اضطررت فيها إلى البدء من جديد.

الخذلان الذي جعلك أكثر فهمًا للناس.

الخطأ الذي دفعته من عمرك، ثم خرجت منه أقل اندفاعًا وأكثر بصيرة.

هذه الأشياء لا يراها أحد.

لكنها تبقى.

ولهذا هناك فرق كبير بين ما نملكه، وما أصبح جزءًا منا.

المال نملكه.

البيت نملكه.

المنصب نملكه.

أما التجربة، فلا نملكها فقط.

هي التي تعيد تشكيلنا.

وكلما تقدم الإنسان قليلًا في العمر، بدأ يفهم أن بعض ما كان يخشاه لم يكن يستحق كل ذلك الخوف.

فقدان وظيفة لا يعني فقدان القدرة.

فقدان علاقة لا يعني فقدان القدرة على الحب.

انتهاء مرحلة لا يعني أن الحياة أعلنت نهايتها.

وأحيانًا لا تكون الخسارة في أن يذهب الشيء.

بل في أن نذهب نحن معه.

أن نغادر أنفسنا.

أن نسمح لحدث واحد أن يعيد تعريف حياتنا كلها.

أن نختصر سنواتنا في لحظة لم تنجح.

أو شخص لم يبق.

أو باب لم يُفتح.

وهنا تبدأ القوة الحقيقية.

ليست القوة أن تقول إنك لا تتألم.

ولا أن تتظاهر بأن شيئًا لم يحدث.

القوة أن تعرف حجم ما حدث، ثم ترفض أن تمنحه حجمك كله.

أن تحزن، لكن لا تتحول إلى حزن.

أن تتعب، لكن لا تجعل التعب هويتك.

أن تخسر، لكن لا تدخل على نفسك باعتبارك خاسرًا.

هناك أشياء كثيرة يستطيع الناس أن يأخذوها منك.

وقد تأخذها الظروف قبلهم.

لكن هناك أشياء لا تُؤخذ إلا إذا سلّمتها بنفسك:

نظرتك إلى نفسك.

كرامتك.

قدرتك على الوقوف.

قدرتك على التعلم.

قدرتك على أن تبدأ من نقطة لا تشبه النقطة الأولى.

وقدرتك، قبل كل ذلك، على ألا تصبح نسخة مشوهة من نفسك فقط لأن الحياة لم تسر كما أردت.

وهذا ربما أصعب أنواع الانتصار.

أن تمر بك الأشياء، ولا تحملك معها.

أن تعرف أن بعض الأبواب أغلقت، لكن البيت لم يسقط.

وأن بعض الناس رحلوا، لكن العالم لم يفرغ.

وأن بعض الأحلام تغير شكلها، لكنها لم تفقد معناها.

نحن نخاف الخسارة لأننا نظن أن ما يذهب يأخذ جزءًا منا.

لكن أحيانًا يحدث العكس.

يذهب الشيء، فنرى أنفسنا بوضوح أكبر.

تسقط الزوائد.

وتبقى الحقيقة.

ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم في الحياة:

ماذا أملك؟

بل:

ماذا يبقى مني لو فقدت ما أملك؟

إذا بقي عقلك.

وكرامتك.

وقدرتك على الحب.

وقدرتك على العمل.

وشهيتك للحياة.

وإيمانك بأن ما لم يحدث بعد قد يكون أجمل مما حدث.

فأنت لم تخسر كل شيء.

ربما خسرت أشياء.

لكن الأشياء ليست أنت.

وفي النهاية، نحن لا نخرج من الحياة بما جمعناه فقط.

نخرج أيضًا بما أصبحناه.

ولهذا فإن أثمن ما يمكن للإنسان أن يحرسه ليس منصبه، ولا صورته، ولا مكانه عند الآخرين.

بل ذلك الجزء الهادئ في داخله الذي يقول له بعد كل خسارة:

ما زلت أنا.

وربما هذه هي الثروة الوحيدة التي لا يستطيع أحد أن يأخذها منك.