أوروبا تفتح جبهة مع إسرائيل

بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية تنتقل من الاعتراض إلى العقوبات على المستوطنات؛ مواجهة ظاهرها حماية حل الدولتين، وفي خلفيتها سؤال أكبر: هل أصبحت سياسات إسرائيل عبئًا على المصالح والصدقية الأوروبية؟
تقرير خاص | بث
العلاقة بين أوروبا وإسرائيل لم تنقطع.
لكن شيئًا جوهريًا تغير فيها.
بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى انتقلت من بيانات الإدانة إلى قيود تجارية وعقوبات على المستوطنات والجهات المرتبطة بها، فيما ردت إسرائيل بإجراءات دبلوماسية مقابلة واتهامات بالتدخل في شؤونها الداخلية.
المواجهة ليست قطيعة.
لكنها ربما أخطر خلاف بين إسرائيل وعدد من حلفائها الأوروبيين منذ سنوات.
ما الذي فجّر المواجهة؟
ثلاثة عوامل اجتمعت:
التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وتصاعد عنف المستوطنين، والخشية الأوروبية من أن يؤدي مشروع E1 إلى قطع التواصل الجغرافي لأي دولة فلسطينية مستقبلية.
بريطانيا وفرنسا وكندا، ومعها دول أوروبية أخرى، تقول إن هذه السياسات تهدد حل الدولتين مباشرة، وقد أعلنت التحرك لفرض قيود على تجارة منتجات المستوطنات واتخاذ إجراءات ضد من يسهّل التوسع أو يستفيد منه.
والعامل الثاني هو تراكم آثار حرب غزة؛ فقد جعلت الكلفة الإنسانية والسياسية استمرار السياسة الأوروبية القديمة أكثر صعوبة.
أما الثالث فهو تراجع الثقة في أن حكومة إسرائيل الحالية ما زالت ترى حل الدولتين هدفًا قابلًا للحياة.
وهكذا تغيّر السؤال الأوروبي من:
كيف نقنع إسرائيل؟
إلى:
كيف نجعل تجاهلنا أكثر كلفة عليها؟
من وعد بلفور إلى العقوبات
لبريطانيا وفرنسا علاقة طويلة بتاريخ هذه المنطقة.
فمن بريطانيا خرج وعد بلفور عام 1917، ثم جاءت ترتيبات الانتداب الأوروبي وإعادة تشكيل الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى.
وبعد قيام إسرائيل، أصبحت الدول الغربية جزءًا أساسيًا من المظلة السياسية والأمنية التي ضمنت بقاءها وحمايتها في محيط مضطرب.
لكن التاريخ يطرح اليوم مفارقة قاسية:
هل أنتجت تلك الهندسة السياسية الاستقرار الذي وُعدت به المنطقة، أم تركت نزاعًا ما زال العالم يدفع كلفته بعد أكثر من قرن؟
المشكلة لم تعد في حق إسرائيل في الأمن؛ فأوروبا تؤكد هذا الحق حتى وهي تفرض العقوبات. المشكلة أن سياسات الاحتلال والتوسع والاستيطان دفعت بعض الدول التي ساهمت تاريخيًا في تمكين إسرائيل إلى محاولة كبحها اليوم.
وهنا تبدو المفارقة أوضح:
أوروبا التي ساهمت في توفير المظلة السياسية لقيام إسرائيل، تجد نفسها اليوم تحاول حماية الفلسطينيين من بعض نتائج القوة التي ساهمت في بنائها.
واليهود الذين عانوا في أوروبا قرونًا من الاضطهاد والكراهية يحمل تاريخهم درسًا أخلاقيًا لا ينبغي أن يُستخدم للمقارنة بين المآسي، بل لتأكيد قاعدة واحدة:
من عرف معنى الاضطهاد، يُنتظر منه أن يكون أكثر حساسية تجاه وقوعه على غيره.
هناك طبقة أقدم من السياسة نفسها.
فالقدس ليست للأوروبيين مجرد ملف حدود وسيادة؛ إنها أيضًا مركز ديني وتاريخي مسيحي ويهودي وإسلامي شديد الحساسية.. وكل تغيير في وضع مقدساتها أو إدارتها يوقظ ذاكرة تاريخية أعمق من الحسابات الدبلوماسية اليومية. لذلك فإن القلق الأوروبي من بعض السياسات الإسرائيلية لا يتعلق فقط بمستقبل الدولة الفلسطينية، بل أيضًا بالخوف من أن تتحول السيطرة السياسية إلى إعادة صياغة دائمة لتوازن ديني وتاريخي ظل العالم يحاول ضبطه منذ عقود.
ما الذي لا يريد السياسيون قوله؟
هنا ربما توجد الطبقة الأعمق في المواجهة.
المعلن هو المستوطنات وحل الدولتين.
لكن خلف ذلك تتشكل خشية أوروبية أكبر:
أن تتحول إسرائيل من حليف تحتاج أوروبا إلى حمايته، إلى حليف تضطر أوروبا إلى الدفاع عن سياساته أمام شعوبها ومحاكمها والعالم.
هذه هي المسألة التي يصعب على السياسي الأوروبي قولها صراحة.
فدعم إسرائيل لعقود كان يُقدَّم باعتباره جزءًا من الأمن الغربي والاستقرار الإقليمي.
أما إذا أصبحت سياساتها سببًا في توسيع الصراع، وتقويض القانون الدولي، وإضعاف صورة أوروبا في العالم العربي والجنوب العالمي، فإن المعادلة تتغير.
وعندها يصبح السؤال داخل العواصم الأوروبية:
هل حماية إسرائيل تعني حماية كل ما تفعله حكومتها؟
بريطانيا وفرنسا بدأتا عمليًا الإجابة: لا.
فالبيان المشترك نفسه وصف حماية حل الدولتين بأنها «مصلحة وطنية أساسية»، وليس مجرد موقف أخلاقي.
وهذه ربما العبارة الأهم في كل المواجهة.
لأن أوروبا لا تتحرك فقط من أجل الفلسطينيين.
إنها بدأت تتحرك أيضًا لحماية مصالحها من استمرار الصراع.
لماذا التجارة؟
لأن السوق هو أقوى سلاح أوروبي لا يحتاج إلى جيوش.
الاتحاد الأوروبي من أكبر الشركاء التجاريين لإسرائيل، ولذلك فإن نقل الخلاف من البيانات إلى التجارة يغير طبيعة الضغط.
حتى الآن، تتركز الإجراءات على المستوطنات وليس الاقتصاد الإسرائيلي كله؛ والهدف واضح:
الفصل بين دعم إسرائيل كدولة، وبين تمويل أو مكافأة التوسع في الأراضي الفلسطينية.
وقد سبق للاتحاد الأوروبي أن فرض عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بعنف المستوطنين والتهجير القسري للفلسطينيين.
التأثير الاقتصادي الحالي محدود.
لكن السابقة أهم من حجم التجارة.
ما يبدأ بمنع منتجات قد ينتهي بقيود على شركات وتمويل واستثمارات.
إسرائيل ترد
إسرائيل ترى الأمر بطريقة مختلفة.
الحكومة تعتبر العقوبات تدخلًا سياسيًا ومحاولة لفرض تسوية عليها من الخارج، وردت بإجراءات ضد التمثيل البريطاني ومنع شخصيات بريطانية من الدخول.
كما تحاول الحكومة الإسرائيلية تحويل الضغط الأوروبي إلى قضية داخلية:
الغرب يتدخل في انتخاباتنا وسيادتنا.
وهذا قد يفيد اليمين الإسرائيلي انتخابيًا بدل أن يضعفه.
لكن أوروبا نفسها منقسمة
لا توجد «أوروبا واحدة» في هذا الملف.
فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وإيرلندا ودول شمالية تدفع باتجاه إجراءات أقوى.
ألمانيا وإيطاليا أكثر تحفظًا، رغم ارتفاع لهجة الانتقاد حتى في برلين تجاه التوسع الاستيطاني وتصريحات وزراء إسرائيليين متشددين.
ولهذا تتحرك بعض الدول منفردة عندما يعجز الاتحاد الأوروبي عن الاتفاق.
أوروبا تضغط على إسرائيل، لكنها ما زالت تتفاوض مع نفسها أيضًا.
ماذا بعد؟
الأقرب هو اتساع القيود على تجارة المستوطنات والأشخاص والكيانات المرتبطة بها، مع محاولة نقل هذه الإجراءات من المستوى الوطني إلى مستوى أوروبي أوسع.
إسرائيل سترد دبلوماسيًا، لكنها على الأرجح لن تدفع العلاقة إلى قطيعة اقتصادية وأمنية كاملة؛ لأن الاعتماد متبادل.
أما نقطة التحول الحقيقية فستكون إذا انتقلت العقوبات من المستوطنات إلى أدوات أوسع تمس اتفاقية الشراكة أو شركات إسرائيلية كبرى.
عندها لن يكون الخلاف رمزيًا.
سيصبح مواجهة اقتصادية فعلية.
قراءة BETH
هذه ليست قصة أوروبا تنقلب على إسرائيل.
إنها قصة أوروبا التي بدأت إعادة تعريف معنى دعم إسرائيل.
لسنوات كان أمن إسرائيل يتقدم على الخلاف معها.
اليوم يظهر سؤال جديد:
ماذا لو أصبحت بعض سياسات إسرائيل نفسها مصدرًا لعدم الأمن؟
وهنا يعود التاريخ بطريقة ساخرة.
بريطانيا التي أصدرت وعد بلفور، وفرنسا التي كانت من أوائل القوى الداعمة لإسرائيل، تقفان بعد أكثر من قرن في مقدمة دول تحاول الآن وضع حدود لقوة ساهم الغرب نفسه في بنائها.
المواجهة ليست على بضائع المستوطنات.
إنها على حدود العلاقة بين الحليف وحليفه.
وعلى سؤال أكثر إحراجًا لأوروبا:
هل كان المطلوب حماية إسرائيل من الخطر، أم منح حكوماتها حصانة من نتائج سياساتها؟
الجواب الأوروبي بدأ يتغير.
وهذا ربما هو التطور الأهم من العقوبات نفسها.