الميلاتونين

news image

هرمون الليل

 

كتب: عبدالله العميره

الميلاتونين هرمون تفرزه الغدة الصنوبرية في الدماغ مع حلول الظلام، ويساعد الجسم على تنظيم ساعته الداخلية والاستعداد للنوم.

مهمته ليست أن «يُنوّمنا» بالمعنى المباشر، بل أن يرسل إلى الجسد إشارة هادئة تقول:

انتهى النهار. حان وقت التخفف.

ولهذا يتأثر الميلاتونين بالضوء؛ كلما طال حضور الإضاءة والشاشات، تأخرت الرسالة، وكأن الجسد لم يفهم بعد أن الليل بدأ.

وربما هنا تكمن مفارقة الإنسان الحديث.

نحن نطفئ بعض الأنوار، لكننا لا نطفئ يومنا.

نضع الهاتف بجوار الوسادة، ونأخذ معنا إلى السرير الأخبار، والرسائل، والقلق، وما لم يُنجز، وما قيل، وما لم يُقل.

ثم نسأل: لماذا لا يأتي النوم؟

الجسد يحتاج إلى ظلام، لكن القلب أيضًا يحتاج إلى شيء يشبهه؛ مساحة لا يُطلب منه فيها جواب، ولا تفسير، ولا قرار.

وفي الحياة أضواء أخرى أكثر إزعاجًا من المصابيح.

أشخاص لا يفهموننا، وضجيج لا يتوقف، وآراء تدخل حياتنا من كل نافذة، وكأن علينا أن نستقبل كل ما يصل إلينا.

في زمن كثرت فيه منافذ الإزعاج، واتسعت نوافذ تدفق المعلومات بما تحمله من معرفة وشوائب، أصبح كل صوت قادرًا على الوصول إلينا؛ رسالة، موقع، شاشة، وسيلة إعلام، أو شخص يريد أن يملي علينا فهمه للحياة.

والمشكلة ليست في أن الناس يتكلمون.

بل في أن نسمح لكل ما يقولونه بأن يدخل إلى عقولنا من دون فحص.

ليس كل رأي يستحق أن نسكنه في الرأس.

وليس كل صوت مرتفع دليلًا على أنه يقول شيئًا مهمًا.

وبعض من يجرّوننا نحو الضوء لا يريدون لنا أن نرى؛ ربما يريدون فقط أن نراهم.

شهرة، حضور، جدل، أو محاولة لأن نعيش وفق تصورهم هم.

وهنا نحتاج إلى «ميلاتونين» من نوع آخر.

أن نعرف متى نخفض الإضاءة حول أرواحنا.

متى نغلق نافذة.

متى نتجاوز رسالة.

متى نتوقف عن تفسير شخص لا يريد أن يفهم.

ومتى نقول لضجيج الحياة كله:

لن تتحكم في هدوئي.

فالهدوء الذي ننتظر أن يمنحنا إياه الآخرون سيظل مهددًا بهم.

أما الهدوء الذي نصنعه نحن، فيبدأ من قرار بسيط: ألا نعطي كل شيء حق الدخول إلينا.

وربما يمكن اللعب على الكلمة قليلًا:

الميلاتونين يهيّئ الجسد لاستقبال الليل.
ونحن نحتاج أحيانًا ألا نميل إلى كل ما يُقال.

ألا نميل إلى كل رأي.

ولا إلى كل ضوء.

ولا إلى كل صوت مرتفع، قبل أن نسأل: ماذا يريد صاحبه منا، وماذا سيبقى فينا بعد أن يمضي، تاركًا وراءه كلامًا أثقل من فائدته؟

ليس كل ما نفكر فيه يستحق التعمق.

وليس كل ما يزعجنا يستحق السهر.

وليس كل سوء فهم يستحق أن نقضي الليل نحاول إصلاحه.

بيدنا أحيانًا أن نطفئ الأنوار.

لا أنوار الغرفة فقط، بل أنوارًا كثيرة أشعلها الآخرون داخلنا.

ثم نضع اليوم جانبًا، وننام.

فربما لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى شيء يساعده على النوم؛ بقدر ما يحتاج إلى أن يتعلم كيف يحمي هدوءه ممن يريدون أن يجعلوا من ضجيجهم جزءًا من حياته.

لقد انتهى اليوم.

وغدًا، حين يعود الضوء، نستطيع أن نقرر بهدوء:

أي الأشياء تستحق أن ندعها تدخل إلينا.