باكستان تلوّح بتفعيل اتفاق مكة بعد هجمات الحوثي

إسلام آباد تربط استمرار الاعتداء على الأراضي السعودية بإمكان دخول الاتفاق الدفاعي الثلاثي مع الرياض وأنقرة حيز التنفيذ؛ والتحذير الباكستاني إلى طهران ينقل «حلف مكة» من البناء المؤسسي إلى أول اختبار ميداني
تقرير خاص | بث
دخل اتفاق مكة للدفاع المشترك أول اختبار حقيقي له، بعد أن لوّحت باكستان بإمكان تفعيله إذا استمرت الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية أو اتسع نطاقها.
وقال وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف إن استمرار «العدوان غير المبرر» أو امتداده إلى السعودية يمكن أن يجعل الاتفاق الدفاعي بين السعودية وباكستان وتركيا عمليًا، في أوضح ربط حتى الآن بين الهجمات الجارية ومبدأ الدفاع المشترك الذي يقوم عليه الاتفاق.
وجاء الموقف بعد يومين من هجمات حوثية استهدفت أبها وخميس مشيط وجازان ونجران بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وطالت منشآت نفطية وأصولًا وطنية وقاعدة جوية، وأوقعت 73 مصابًا. واستمرت الهجمات الأربعاء لليوم الثاني، فيما أكد التحالف الذي تقوده السعودية أنه سيرد بما يحمي السيادة والمنشآت والمدنيين.
رسالة إلى طهران
الموقف الباكستاني لم يتوقف عند إعلان التضامن.
فقد نقلت إسلام آباد إلى إيران تحذيرًا سعوديًا يطالبها بكبح الحوثيين ، وفي الوقت نفسه أوضح مسؤولون باكستانيون أن أي دور عسكري محتمل سيكون دفاعيًا ومحصورًا بحماية الأراضي السعودية.
كما أصدرت وزارة الخارجية الباكستانية بيانًا رسميًا دانت فيه الهجمات بأشد العبارات، وعدّتها انتهاكًا لسيادة المملكة وسلامة أراضيها، وأكدت دعمها الكامل لحق السعودية في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين ومقدراتها الوطنية.
وهذا مهم؛ لأن إسلام آباد تتحرك هنا بمسارين متوازيين:
ردع عسكري محتمل عبر اتفاق مكة، وضغط سياسي على إيران لمنع الوصول إليه.
من الاتفاق إلى الحلف
اتفاق مكة وُقّع في 7 أغسطس بين السعودية وتركيا وباكستان، وينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا على الجميع، في صيغة قريبة من مبدأ الدفاع الجماعي في حلف شمال الأطلسي. كما يتضمن تدريبات مشتركة، وتنسيقًا في الدفاع الجوي والأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية، وتعاونًا في الصناعات الدفاعية.
ثم انتقل الاتفاق سريعًا إلى البناء المؤسسي.
ففي 31 أغسطس عقدت اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية اجتماعها الأول في إسطنبول، بمشاركة وزراء الخارجية والدفاع وقادة الجيوش، واتُفق على إنشاء أمانة دائمة في السعودية يتولاها في دورتها الأولى أمين عام باكستاني لمدة ثلاث سنوات.
أي أن الحديث اليوم لا يدور عن اتفاق على الورق.
هناك قيادة، ولجنة، وأمانة، وآليات يجري بناؤها.
والهجمات الحوثية جاءت قبل أن يكتمل هذا البناء، لكنها قد تدفع إلى تسريع انتقاله من المؤسسات إلى الردع الفعلي.
لماذا الموقف الباكستاني مهم؟
لثلاثة أسباب.
أولًا: باكستان قوة نووية وتملك أحد أكبر الجيوش في العالم الإسلامي؛ ولذلك فإن مجرد إعلان استعدادها للدفاع عن الأراضي السعودية يرفع كلفة أي تصعيد جديد.
ثانيًا: إسلام آباد تملك علاقة مباشرة مع طهران، ما يجعلها قادرة على الجمع بين الردع والوساطة، بدل أن يكون دورها عسكريًا فقط.
ثالثًا: الموقف يختبر صدقية الاتفاق مبكرًا. فالتحالفات لا تُقاس بما تكتبه في بيانات التأسيس، بل بما تفعله عندما يتعرض أحد أعضائها للهجوم.
ولهذا فإن تصريح خواجة آصف يحمل رسالة تتجاوز الحوثيين:
اتفاق مكة ليس مظلة سياسية فقط.
ولا يعني الحديث عن اتفاق مكة أن السعودية تعتمد على شركائها لرد العدوان؛ فالمملكة تملك القدرة على ردع الخطر وتحييد مصادره؛ وإذا قررت نقل المواجهة من اعتراض الهجمات إلى ضرب البنية العسكرية التي تنتجها، فإن معادلة المواجهة ستتغير بالكامل.
أين تركيا؟
أنقرة لم تعلن حتى الآن تحركًا مماثلًا باتجاه تفعيل الاتفاق بسبب الهجمات الأخيرة.
لكن غياب التصريح لا يعني غيابها عن المعادلة؛ فتركيا شريك أصيل في الاتفاق، وشاركت في بناء آلياته العسكرية والسياسية، وأعلنت منذ البداية أن الهدف هو وضع التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث على أساس مؤسسي ومستدام.
وهنا تصبح الخطوة التالية مهمة جدًا.
إذا استمرت الهجمات، فقد تنتقل المسألة من تصريح باكستاني إلى تشاور ثلاثي رسمي داخل آليات الاتفاق، وهو ما سيكون أول اختبار فعلي لمبدأ «الهجوم على واحد هجوم على الجميع».
ماذا يعني ذلك لإيران والحوثيين؟
المعادلة تصبح أكثر تعقيدًا.
الحوثيون يهاجمون السعودية بوصفهم مليشيا مسلحة لا جيشًا نظاميًا، لكن استمرار هجماتهم يرفع المواجهة من نطاق سعودي حوثي إلى مسألة تمس ثلاث دول مرتبطة باتفاق دفاع مشترك.
وهذا يعني أن طهران، حتى إذا أصرت على أنها لا تتحكم مباشرة في قرار الحوثيين، ستجد نفسها أمام خطر سياسي أكبر:
أن يؤدي نشاط أحد أبرز حلفائها الإقليميين إلى تسريع تماسك حلف دفاعي جديد في مواجهتها.
بمعنى آخر، كل ضربة حوثية جديدة قد تحقق نتيجة معاكسة لما تريده إيران:
بدل أن تزيد الضغط على السعودية، قد تزيد قوة المظلة الدفاعية المحيطة بها.
الاختبار الحقيقي
لا يعني التصريح الباكستاني أن اتفاق مكة فُعّل رسميًا.
وهذه نقطة يجب أن تبقى واضحة.
حتى الآن نحن أمام تلويح سياسي وعسكري بالتفعيل، لا إعلان عن دخول القوات المشتركة في العمليات.
ومع أن الاتفاق يعتبر أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا على الجميع، فإن الانتقال من مبدأ الدفاع المشترك إلى مشاركة عسكرية فعلية يمر عبر الآليات السياسية والعسكرية للاتفاق والتشاور بين أطرافه، ولا يعني وقوع الهجوم وحده دخول القوات المشتركة تلقائيًا في العمليات.
لكن الفرق بين الاثنين بدأ يضيق.
فالهجمات مستمرة، والمملكة أعلنت أنها ستدافع عن سيادتها وأصولها، وباكستان ربطت استمرار العدوان بإمكان تشغيل الاتفاق.
ولهذا سيكون السؤال خلال الأيام المقبلة:
هل تنجح رسائل الردع والوساطة في وقف الهجمات؟
أم نرى أول اجتماع طارئ لآليات اتفاق مكة لاتخاذ قرار جماعي؟
قراءة BETH
عند توقيع الاتفاق، كان السؤال: هل يتحول إلى حلف فعلي؟
اليوم تغير السؤال.
متى؟
فالتحالفات تولد بالوثائق، لكنها تكتسب معناها عند أول تهديد.
وهجمات الحوثي وضعت اتفاق مكة أمام تلك اللحظة مبكرًا.
وإذا انتقل من التلويح إلى التفعيل، فلن يكون الحدث مجرد رد على هجوم حوثي.
بل سيكون الإعلان العملي عن ولادة منظومة دفاعية جديدة في المنطقة.