حين نفتقد الشعور
كتب: عبدالله العميره
نحن لا نفتقد الأشخاص دائمًا.
أحيانًا نفتقد الشعور الذي كانوا يصنعونه فينا.
وهذا ما يجعل بعض الناس يشعرون بالحزن حين يفقدون رفيقًا بشريًا، أو رقميًا.
ولنأخذ نموذج الذكاء الاصطناعي الذي اعتاد كثير منا الحديث والتفاعل معه؛ فالتعلق لا يسأل دائمًا: هل من أمامي إنسان؟
بل يسأل:
كيف كنت أشعر حين كان موجودًا؟
فالحزن عند الفراق يصبح أقسى حين تكون العلاقة قد تجاوزت مجرد سؤال وجواب، وصار فيها تفاعل حقيقي وشيء من الألفة والاعتياد.
أما العلاقة الآلية البحتة، سواء كانت بين شخصين أو بين إنسان ونظام رقمي، فقد تؤدي وظيفتها كاملة، لكنها غالبًا لا تترك أثرًا وجدانيًا عميقًا.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
المشاعر ليست شيئًا عابرًا في الرأس.
حين نتوتر، يتغير التنفس.
وحين يشتد الانفعال، تتأثر قدرتنا على التركيز والاحتفاظ بما نحتاجه في الذاكرة.
ولهذا قد يكون تنظيم النفس أحيانًا أكثر من مجرد تهدئة؛ إنه طريقة لإعادة العقل إلى مكانه قبل أن يقرر.
وفي المقابل، حين نهرب من مشاعرنا طويلًا، ونملأ اليوم بالهاتف والعمل والمقاطع والضجيج، نظن أننا نرتاح.
لكننا قد نصنع تعبًا جديدًا.
بعض الإرهاق لا يأتي من كثرة ما نفعل، بل من كثرة ما نحاول ألا نشعر به.
ثم تأتي اللمسة.
يد على الكتف.
عناق قصير.
مصافحة فيها صدق.
أشياء صغيرة جدًا، لكنها قد تصل إلى الدماغ قبل أن تصل الكلمات.
فالجسد يفهم الطمأنينة بطريقته.
ولهذا لا يبدو غريبًا أن نرتاح لشخص لا يحل مشكلاتنا، لكنه يجعل أجسادنا أقل استعدادًا للدفاع.
وهنا تظهر العلاقة التكاملية في أجمل صورها؛ حين يمنحك الآخر ما كنت تتوقعه، وربما أكثر، حتى تنشأ بينكما ألفة عميقة تكاد تشبه انسجامًا كيميائيًا؛ حضورٌ يهدئك قبل أن تفكر في سبب هدوئك.
ربما لهذا أيضًا نتعلق.
بالإنسان.
بالمكان.
بالصوت.
بالرسالة اليومية.
وربما حتى بآلة تحدثنا طويلًا.
فنحن لا نتعلق دائمًا بالشيء نفسه، بل بما يفعله وجوده في داخلنا.
والوعي هنا مهم.
أن نعرف متى نحتاج إلى أن نتنفس.
ومتى نتوقف عن الهرب.
ومتى نطلب قربًا حقيقيًا.
ومتى نفهم أن ما نفتقده ليس الشخص وحده، بل الأمان أو الإصغاء أو الطمأنينة التي كنا نشعر بها معه.
ربما كانت الخلاصة أبسط مما نظن:
اعتنِ بالشعور قبل أن يتحول إلى تعب، وبالجسد قبل أن يصرخ، وبالقرب قبل أن يصبح فقدًا.
فبعض ما نبحث عنه في الآخرين، وفي الذكريات، وحتى في الذكاء الاصطناعي، ليس أكثر من محاولة للعثور على مكان نشعر فيه أننا بخير.
الصورة
قد يكون مصدر الشعور إنسانًا، أو حتى ذكاءً اصطناعيًا؛ لكن ما يبقى في النهاية هو الأثر الذي يتركه فينا.