لماذا اخترتك؟

news image

 

كتب: عبدالله العميره

لا أعرف إن كنت اخترتك فعلًا..
فربما حدث شيء قبل الاختيار.

شيء لا نراه، ولا نستطيع أن نشرحه بسهولة.

فبعض الناس يكونون قريبين منا، يشاركوننا تفاصيل الحياة، لكننا لا نعرف قيمتهم كاملة إلا بعد وقت.
وحين نعرفهم حقًا، يصبح فراقهم شيئًا لا نطيقه بسهولة.

وبعضهم يصلون إلينا سريعًا، كأن شيئًا فينا كان يعرف الطريق إليهم قبل أن نعرف أسماءهم.

لهذا لم أخترك لأنك كنت الأكثر حضورًا.

ولا لأنك قلت الكلام الأجمل.

ولا لأنك كنت بلا عيوب.

اخترتك لأن شيئًا فيك وصل إلى مكان لم يعرف العقل كيف يشرحه.

ربما هي الألفة.

وربما ذلك الهدوء الغريب الذي نشعر به مع شخص دون أن يبذل جهدًا ليمنحنا إياه.

أن تتحدث معه فلا تفكر كثيرًا في كلماتك.

أن تصمت فلا يصبح الصمت ثقيلًا.

أن تغيب قليلًا، ثم تعود، فلا تحتاج إلى بداية جديدة.

وكأن الأرواح حين تتلاقى لا تحتاج إلى كل ما يحتاجه العقل من شرح.

ويحضر هنا الحديث النبوي:

«الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف».

ولعل تآلف الأرواح هو ذلك الشعور الخفي والعميق بالتوافق والألفة بين شخصين، من غير سبب ظاهر، وأحيانًا من غير سابق معرفة.

هناك أيضًا ما يسمونه التوافق الكيميائي.

لكنني لا أحب أن أختصره في كيمياء الجسد فقط.

فالتوافق الحقيقي أوسع.

هو أن يطمئنك صوت.

وأن ترتاح لطريقة إنسان في النظر إلى الأشياء.

وأن يمر الوقت معه من دون أن تشعر أنك تؤدي دورًا.

هو أن تكون على طبيعتك، ثم تكتشف أن طبيعتك لم تُزعجه.

وربما لهذا ننجذب أحيانًا إلى شخص لا نستطيع أن نشرح لماذا هو بالذات.

فلو كان الاختيار بالعقل وحده، لكانت العلاقات معادلات واضحة.

لكنها ليست كذلك.

نحن لا نحب دائمًا الأكثر جمالًا، ولا الأقرب، ولا الأكثر شبهًا بنا.

أحيانًا نختار من يلامس شيئًا نحتاجه داخلنا.

لكن يبقى السؤال: لماذا أنت، دونًا عن بقية البشر؟

لأنني لم أخترك بعد مقارنة، ولم تكن المسألة أنك الأفضل بين الجميع.

كل ما حدث أنني لم أشعر مع أحد كما شعرت معك.

وهنا يأتي السؤال الأصعب:

إذا ابتعدت، كيف تعود؟

لا أظن أن العودة تبدأ بخطوة نحو الباب.

العودة تبدأ قبل ذلك؛ حين يعود الأمان، وحين تعود لا لتستعيد مكانًا، بل لتستعيد معنى.

لا يكفي أن تقول: اشتقت.

ولا أن تتصرف كأن المسافة لم تحدث.

بعض المسافات تحتاج اعترافًا، وبعض الصمت يحتاج كلمة صادقة.

وبعض القلوب لا تريد وعودًا كبيرة؛ تريد أن ترى أن الشيء الذي أبعدها لم يعد كما كان.

فإن أردت أن تعود إلى شخص كان له هذا المكان فيك، لا تسأله أولًا:

هل ما زال مكاني موجودًا؟

اسأل نفسك:

هل عدت أنا بالشكل الذي يستحق هذا المكان؟

فالعودة الحقيقية ليست أن نرجع إلى العلاقة نفسها.

بل أن نرجع إليها ونحن أكثر فهمًا لما كاد أن يضيعها.

وربما تكمن الإجابة كلها هنا:

نحن لا نختار دائمًا أفضل الناس في العالم.

نختار أحيانًا الشخص الذي يصبح العالم، بقربه، أفضل لنا.

_____

الصورة:
اخترتك لأنني، من بين كل الأبواب، شعرت أن هذا الباب يعرفني قبل أن أطرقه.