واشنطن وطهران.. الحرب على خشبة المسرح !

news image

 

ترامب يهدد ثم يبشّر بالسلام، وإيران ترد على التهديد بتهديد مماثل. تصريحات تتصاعد وتهدأ، فيما يبقى السؤال: هل نحن أمام استراتيجية مدروسة، أم استعراض إعلامي بدأ يفقد تأثيره؟

 

كتب: عبدالله العميره

8 نوفمبر 2026

يبدو أن الحرب الأمريكية الإيرانية أضافت إلى أسلحتها سلاحًا جديدًا: الميكروفون!

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يلوّح بضربات عسكرية، ثم يتحدث عن تقدم المفاوضات واحتمال التوصل إلى اتفاق. وفي طهران، يقابل المسؤولون الإيرانيون التهديد بالوعيد، والحديث عن السلام بطرح شروط جديدة.

ويبدو أن تردد ترامب قد منح النظام الإيراني جرأة على مجاراة الاستعراض الأمريكي للقوة، وفرصة لتصوير نفسه قوة قادرة على ترهيب دول الجوار والشعب الإيراني، في محاولة لإخماد شعلة انتفاضته.

ووسط هذا المشهد، تبدو الرسالة الإيرانية إلى واشنطن أقرب إلى مطالبة ساخرة: استقروا على رأي، أتريدون الحرب أم السلام؟

لكن المفارقة أن طهران تمارس اللعبة ذاتها.

فكلما أعلنت واشنطن تفوقها العسكري، تحدثت إيران عن قدرتها على الرد. وحين تؤكد الولايات المتحدة إحكام حصارها البحري، يرد النظام الإيراني بالتلويح بالسيطرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز.

كل طرف يعلن أنه الأقوى، بينما لا يستطيع أي منهما إعلان نهاية الحرب بشروطه.

ترامب.. حين يفقد التهديد عنصر المفاجأة

في علم الاتصال السياسي، ترتبط قوة الرسالة بمصداقية مصدرها واتساق مضمونها مع الأفعال.

والتهديد العسكري يكون أكثر تأثيرًا عندما يكون محددًا وموثوقًا ويحمل عنصر المفاجأة. أما تكراره دون نتائج واضحة، فقد يؤدي إلى تراجع أثره النفسي.

وكأن ترامب يتعمد منح إيران مزيدًا من الوقت للعبث بمقدرات العالم، وإتاحة الفرصة أمام النظام الإيراني لمواصلة أنشطته عبر الحوثيين وأدواته المنتشرة في مناطق أخرى، بدلًا من وضعه أمام خيار مصيري: إما الحياة، أو الموت ونهاية نظام دام ما يقرب من نصف قرن، لم ينتج عنه إلا العبث.

وهنا تبرز إشكاليتان مترابطتان في الخطاب السياسي والإعلامي لترامب:

الأولى: تضخيم الدور الشخصي في إدارة الأزمات الدولية. إذ يبدو ترامب وكأنه احتكر الميكروفون السياسي، فأصبحت تصريحاته المتقلبة بين التهديد بالحرب والدعوة إلى السلام عاملًا مؤثرًا في توقعات الدول والأسواق والرأي العام، بما يثير تساؤلات حول حدود تأثير الخطاب الشخصي في إدارة قضايا دولية معقدة.

الثانية: تآكل التأثير النفسي للتهديدات المتكررة. فكلما اتسع الحضور الإعلامي للرئيس وتكررت تهديداته، ازدادت احتمالات تراجع تأثيرها، وتحول ما كان يُفترض أن يكون رسالة ردع إلى خطاب مألوف، يمنح المحللين والمسؤولين والمراقبين فرصة لفهم أنماط خطابه، واستباق مواقفه المحتملة، أو تأويل تصريحاته على نحو لم يقصده.

ومن الأمثال العربية:

«مَن كثُر هَذَرُه قلَّ قَدْرُه».

أي أن الإكثار من الكلام قد يُفقد صاحبه الهيبة والوقار.

وقالوا أيضًا:

«كثرة الكلام خصام».

فالإفراط في الحديث والجدال، خصوصًا حين يغيب عنهما الوضوح والجدوى، يفتح الباب لسوء الفهم وتباين التفسيرات وتصاعد الخلافات.

وإذا كان هذا ينطبق على أحاديث الناس، فإن أثره يصبح أشد خطورة عندما تصدر الكلمات عن رئيس دولة، تُراقَب تصريحاته وتُحلَّل كلماته وتُفسَّر مقاصده.

ومن أسوأ ما يغيب عن «المثرثر المتغطرس، أو المعتدّ بنفسه» إدراكُ أنه حين يحاول الاستذكاء على الأذكياء، إنما يكشف لهم مستوى تفكيره، وحدود إدراكه، ومدى انفصاله عن الواقع.

ونعود إلى الرئيس الأمريكي وإيران.

فبدلًا من أن يتساءل الجمهور: ماذا سيفعل ترامب؟

أصبح يتساءل: ماذا سيقول ترامب اليوم؟

وهنا تكمن المفارقة؛ فقد يظن صاحب التصريحات المتكررة أنه يُربك خصومه، بينما يكون قد منحهم فرصة لدراسة سلوكه والتكيّف معه.

وفي المواجهة الأمريكية الإيرانية، يطرح استمرار تبادل التهديدات سؤالًا يتجاوز التصريحات نفسها:

هل ما زالت الكلمات تُستخدم لإخافة الخصم، أم أصبحت تمنحه مزيدًا من الوقت والقدرة على المناورة؟

إن كثرة تصريحات ترامب وتناقضاتها قد تكون صنعت انطباعًا بأن الولايات المتحدة هي الطرف الأضعف في المواجهة، رغم تفوقها العسكري، ومنحت النظام الإيراني صورة قوة لا يمتلكها في الواقع، وجرأة سياسية وإعلامية تتجاوز قدراته الحقيقية.

إيران.. صدى الصوت الأمريكي

في المقابل، لا يقدم الخطاب الإيراني نموذجًا أكثر اتزانًا.

فالنظام الإيراني يبالغ في إظهار قوته، ويربط فتح مضيق هرمز بقبول شروطه، محاولًا الاحتفاظ بصورة الطرف القادر على فرض شروط التسوية.

والمفارقة أن الطرفين يمارسان ما يشبه لعبة المرايا:

واشنطن تعلن القوة، وطهران تعلن الصمود.

واشنطن تلوّح بالحرب، وطهران تهدد بتوسيعها.

واشنطن تتحدث عن السلام، وطهران تعلن استعدادها للتفاوض بشروطها.

وكأن كل طرف ينتظر تصريح الآخر، لا ليفهمه، بل ليصدر تصريحًا مضادًا!

هل التناقض جزء من لعبة الحرب؟

من الناحية الاستراتيجية، ليس بالضرورة أن تكون التصريحات المتناقضة دليل ارتباك.

فما يُعرف بـ«الغموض الاستراتيجي» يتيح للدول إبقاء الخصم أمام احتمالات متعددة، ورفع كلفة قراراته، وتحسين مواقع التفاوض.

وقد يستخدم ترامب الجمع بين التهديد والحديث عن السلام لإبقاء الخيار العسكري حاضرًا، مع ترك مساحة لاتفاق سياسي، فيما يستخدم النظام الإيراني التهديد والتمسك بشروطه لإظهار أنه لم يُجبر على تقديم تنازلات.

لكن لهذه الاستراتيجية حدودًا.

فالغموض المدروس يمنح صاحبه مساحة للمناورة، أما التناقض المتكرر فقد يُضعف الثقة في الرسالة نفسها.

ومن منظور علم النفس الإعلامي، قد يؤدي تكرار الرسالة المثيرة إلى انخفاض الاستجابة لها بمرور الوقت، وهي ظاهرة ترتبط بالتعوّد على المثيرات.

وعندما يصبح التهديد السياسي مألوفًا، بعد أن كان يثير القلق والترقب، فقد تتراجع قدرته على التأثير في المتلقي.

والأخطر أن هذا الاعتياد قد يجعل الجمهور يستهين بتهديد حقيقي، أو يدفع أحد الطرفين إلى إساءة تقدير نيات الآخر، بما يرفع احتمالات الخطأ في الحسابات السياسية والعسكرية.

أما استمرار المفاوضات بالتوازي مع التهديدات، فيشير إلى أن الطرفين ما زالا يستخدمان القوة والخطاب الإعلامي لتحسين شروط التسوية.

وهنا تتضح المفارقة الكبرى:

ترامب يريد من إيران أن تصدق تهديداته، وإيران تريد من ترامب أن يصدق تهديداتها، بينما يزداد شك الجمهور في تصريحات الطرفين.

فإذا كانت الحرب تُدار في الميدان، والمفاوضات تُدار خلف الأبواب المغلقة، فإن المسرح الإعلامي أصبح مفتوحًا طوال اليوم.

والجمهور يشاهد العرض نفسه: تهديد، ورد، ووعيد، وحديث عن السلام، ثم تهديد جديد.

ويبقى السؤال: هل يقود هذا الاستعراض إلى اتفاق، أم أن كثرة اللعب بأعصاب الجمهور قد تنتهي بخطأ لا يستطيع أحد السيطرة عليه؟

ففي المسرح يستطيع المخرج إسدال الستار متى شاء.

أما في الحرب، فقد يُسدل الستار على الجميع.

وقد تنقشع سحابة التصريحات المنبعثة من الميكروفونات، فتنسحب أمريكا من المشهد، وينكشف النظام الإيراني أمام انتفاضة شعبية، وتحضر الفوضى، بعد أن تتبدد هيبة القوة التي صنعها ضجيج الحرب.