من يشعل حروب العالم؟
كتب: عبدالله العميره
من يشعل الحروب في العالم، ومن يوقد نيرانها حتى لا تنطفئ؟ هل هم قادة بارعون في صناعة الأزمات وتصميم ساحات القتال، أم عاجزون عن البناء والإعمار وإدارة السياسة بالحكمة والكفاءة؟
ولماذا ينجح بعضهم في حشد الجيوش والموارد للحرب، بينما يعجزون عن حشد الإرادة نفسها لصناعة السلام؟
هذه ليست أسئلة عابرة أمام ما يشهده العالم من حروب، بل أسئلة عن طبيعة القيادة، وموازين المصالح، ومصير الإنسان الذي يدفع ثمن قرارات لا يشارك في صناعتها.
من يشعل ومن يوقد؟
ليس من يشعل الحرب بالضرورة هو وحده من يُبقيها مشتعلة.
هناك من يتخذ قرار الحرب، ومن يمد أطرافها بالسلاح والمال، ومن يجد في استمرارها فرصة سياسية أو اقتصادية، ومن يستخدمها لإعادة ترتيب موازين القوة.
لكن هؤلاء ليسوا طرفًا واحدًا، ولا يتحركون دائمًا وفق خطة مشتركة؛ فقد تتعارض مصالحهم، وقد يدعم أحدهم طرفًا في الحرب لردع عدوان أو حماية أمنه، بينما يسعى آخر إلى توسيع نفوذه.
وهنا ينبغي التمييز بين المسؤولية عن إشعال الحرب، والمصالح التي تنشأ عن استمرارها.
فليس كل مستفيد من الحرب صانعًا لها، لكن الاستفادة منها قد تجعل بعض الأطراف أقل استعجالًا لإنهائها.
لماذا الشرق الأوسط؟
لماذا يتكرر اشتعال الحروب في الشرق الأوسط، وكأن المنطقة ساحة مفتوحة للصراعات الدولية والإقليمية؟
تتداخل أسباب الصراعات بين الموقع الجغرافي، وموارد الطاقة، والممرات البحرية، والتنافس على النفوذ، والقضايا التاريخية التي لم تُحل، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، فضلًا عن محاولات تقييد تطوير الصناعات العسكرية وقدرات الردع المستقلة لدى بعض دول المنطقة، بما يؤثر في توازن القوى واستقلال القرار الدفاعي.
فالشرق الأوسط يربط قارات العالم، ويضم موارد إستراتيجية وممرات تؤثر في الاقتصاد الدولي، ولهذا تتجاوز تداعيات حروبه حدود الدول المتحاربة.
لكن الجغرافيا لا تشعل الحروب وحدها؛ فالقرارات السياسية، والتدخلات الخارجية، والتنافس الإقليمي، وضعف المؤسسات، واستمرار النزاعات دون حلول عادلة، كلها عوامل تحول الخلافات إلى مواجهات عسكرية.
والمفارقة أن بعض الدول التي تُصنّف قوى كبرى تسعى إلى توسيع نفوذها خارج حدودها، بينما تواجه أزمات داخلية متفاقمة لم تنجح في معالجتها، حتى يبدو التوسع الخارجي وكأنه بديل عن الإصلاح الداخلي، بدلًا من أن يكون امتدادًا لقوة الدولة واستقرارها.
فلماذا تنجح القوى المتنافسة في تحويل المنطقة إلى ساحة لاختبار نفوذها، بينما تتعثر جهود تحويلها إلى مساحة للتعاون والتنمية؟
أبطال المسرح والكواليس
لننظر إلى الحرب الروسية الأوكرانية.
على المسرح يظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ومعهما الجيوش والمعارك والضحايا والدمار.
لكن خلف المشهد توجد شبكة واسعة من المصالح والقرارات: الولايات المتحدة، والدول الأوروبية، وحلف شمال الأطلسي، وشركات السلاح والطاقة، والعقوبات الاقتصادية، وحسابات الأمن والنفوذ.
بدأ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، وتتحمل موسكو مسؤولية قرار الغزو. أما دعم الدول الغربية لأوكرانيا، فيرتبط بمساعدتها على الدفاع عن سيادتها، وبمصالح تلك الدول الأمنية والإستراتيجية.
وتؤثر هذه الأطراف في مسار الحرب وفرص استمرارها وشروط إنهائها، دون أن يعني ذلك أنها جميعًا تديرها من خلف الستار.
فالحرب ليست مسرحية بمخرج واحد، بل صراع تتداخل فيه قرارات ظاهرة ومصالح معلنة وأخرى لا تتضح إلا مع تطور الأحداث.
القيادة بين الحرب والبناء
هل يستطيع القائد الذي يخطط للحرب ببراعة أن يدير السلام بالكفاءة نفسها؟
ليس بالضرورة.
فالحرب تحتاج إلى حسابات القوة والتعبئة والردع، بينما يتطلب البناء رؤية اقتصادية، ومؤسسات فاعلة، وتعليمًا، وعدالة، وقدرة على تحقيق الاستقرار.
وقد يمتلك القائد قدرات عسكرية كبيرة، لكنه يفشل في إدارة الاقتصاد أو تحقيق رفاه شعبه. كما أن تجنب الحرب ليس دائمًا دليل ضعف؛ فقد يكون نتيجة حكمة سياسية وقدرة على حماية المصالح دون تدمير ما تحقق من إنجازات.
والقيادة لا تُقاس بما تستطيع تدميره، بل بما تستطيع حمايته وبنائه، وبقدرتها على تحقيق الأمن دون تحويل الأوطان إلى ساحات قتال.
العالم إلى أين؟
الأرقام تكشف حجم المشكلة. فقد سجل العالم 65 نزاعًا مسلحًا شاركت فيها دول خلال عام 2025، وهو أعلى عدد منذ بدء الإحصاء عام 1946، فيما بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.9 تريليون دولار.
إنها مفارقة مؤلمة: تتقدم العلوم والتقنيات، وتتسع قدرات الإنسان على الإنتاج، لكن الموارد المخصصة للاستعداد للحروب تواصل الارتفاع.
فهل تنتهي الحروب يومًا؟
يعلّمنا التاريخ أن الحروب ليست قدرًا ثابتًا في كل مكان وزمان، وأن المجتمعات استطاعت إنهاء صراعات طويلة وبناء علاقات سلمية بعد عداوات عميقة.
لكن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة معالجة أسبابها، كما أن غياب القتال لا يكفي وحده لصناعة سلام مستدام.
هل يمكن تغيير البوصلة؟
نعم، لكنه يتطلب تغييرًا في طريقة إدارة المصالح والخلافات، لا مجرد الدعوة إلى السلام.
يبدأ ذلك بقيادات تفضّل التسويات العادلة على المكاسب العسكرية المؤقتة، ومؤسسات دولية أكثر قدرة على تطبيق القانون، واقتصادات تجعل التعاون أكثر جدوى من الصراع، ومجتمعات تملك حق مساءلة من يقرر الحرب باسمها.
ولا يمكن تجاهل حق الدول في الدفاع عن نفسها، لكن الدفاع المشروع يختلف عن توظيف القوة لفرض الهيمنة أو إدامة النزاعات.
فالعالم لا يحتاج إلى قادة يجيدون إطفاء الحرائق التي أشعلوها فحسب، بل إلى قادة يمنعون اشتعالها، ويجعلون البناء والتنمية أساسًا للقوة والنفوذ.
ويبقى السؤال الأكبر:
إذا استطاع الإنسان أن يطوّر من الأسلحة ما يكفي لتدمير حضارته، فلماذا يعجز عن تطوير سياسة تكفي لحمايتها؟
ربما لا تختفي الحروب نهائيًا ما بقي البشر، لكن استمرارها ليس حكمًا أبديًا على الإنسانية.
فالسؤال ليس هل يستطيع العالم العيش دون حروب، بل متى تصبح صناعة السلام أعظم إنجازات قادته، بدلًا من أن تُقاس عظمتهم بما خاضوه من حروب