جيل الإنترنت يعيد الحياة إلى الرسائل الورقية

news image

 

شباب إسبان يؤسسون نوادي بريدية لنشر العلوم والفنون بعيدًا عن الشاشات، ويحوّلون انتظار الرسائل إلى تجربة تجمع المعرفة والهدوء والتواصل الإنساني.

 

متابعة | بث

6 نوفمبر 2026

في زمن تصل فيه الرسائل الإلكترونية خلال ثوانٍ، بدأ شباب إسبان العودة إلى وسيلة تواصل قديمة: الرسائل الورقية التي تصل عبر البريد التقليدي.

ورصدت صحيفة «إلباييس» الإسبانية انتشار نوادٍ بريدية بين شباب الجيل «زد»، تقدم محتوى علميًا وثقافيًا وفنيًا من خلال رسائل شهرية، في ظاهرة تعكس رغبة متزايدة في الابتعاد مؤقتًا عن الشاشات واستعادة متعة القراءة والانتظار.

كيف بدأت القصة؟

من بين أبرز التجارب نادي العلوم الذي أسسته الشابة الإسبانية كلوديا ريبولو، المولودة عام 2000، في مايو الماضي.

كانت ريبولو قد أطلقت برنامجًا صوتيًا للتعريف بالنساء العاملات في العلوم والهندسة والتكنولوجيا والرياضيات، قبل أن تختار وسيلة مختلفة لتشجيع الاهتمام بالعلوم.

أسست ناديًا يرسل شهريًا إلى المشتركين رسالة ورقية تتناول موضوعًا علميًا، مرفقة برسوم وألعاب وأسئلة وأنشطة تفاعلية.

وتناولت الرسائل موضوعات مثل الدماغ والمحيطات والخلايا النباتية والفضاء، بل تضمنت إحدى الرسائل بذور طماطم لتشجيع المشاركين على زراعتها.

ووصل عدد المشتركين في النادي إلى نحو 200، مقابل اشتراك شهري يبلغ 10 يوروهات، وامتدت الرسائل إلى دول أوروبية والأمريكتين وأستراليا.

العلم يصل إلى الفصول الدراسية

لم تقتصر التجربة على الشباب؛ فقد استخدمت معلمة إسبانية رسائل النادي في أنشطة تعليمية داخل فصلها الدراسي.

وتحوّلت المواد البريدية إلى وسيلة لتشجيع الأطفال على طرح الأسئلة وإجراء التجارب والتعرف على دور النساء في العلوم.

أما جولييتا ألونسو، البالغة 15 عامًا، فتقول إن مشاركتها ساعدتها على التعرف على تخصصات علمية جديدة واختيار بعض موادها الدراسية.

واللافت أنها أصبحت تراقب صندوق البريد يوميًا، منتظرة وصول رسالة موجهة إليها للمرة الأولى.

من العلوم إلى التصوير والنباتات

امتدت الفكرة إلى مجالات أخرى.

فقد أسس الشاب ألفارو غابارون، البالغ 22 عامًا، ناديًا بريديًا للتصوير والسينما، يشرح من خلاله تقنيات التصوير التقليدي وتحميض الأفلام.

وأسست إيرين راين ناديًا يقدم رسائل تتناول شخصيات نسائية بارزة في تاريخ العلوم، بينما اختارت ماريا دومينغيز تقديم دروس في علم النبات داخل إطار قصصي خيالي يشجع المشتركين على زراعة النباتات والتعرف على خصائصها.

وتتراوح الاشتراكات في هذه التجارب بين 10 و12 يورو شهريًا، وتتضمن الرسائل أحيانًا بطاقات ورسومًا وملصقات وهدايا بسيطة.

لماذا يعود الشباب إلى الورق؟

لا تعكس الظاهرة رفضًا للتكنولوجيا، بل محاولة لاستعادة جانب من الحياة تراجع مع الاتصال الرقمي المستمر.

فالرسالة الورقية تتطلب وقتًا لإعدادها وإرسالها واستلامها، وتمنح صاحبها فرصة للقراءة دون تنبيهات أو مقاطعات متواصلة.

كما يمكن الاحتفاظ بها وإعادة قراءتها، خلافًا لكثير من الرسائل الرقمية التي تختفي وسط تدفق المحتوى اليومي.

وتشير تجارب المشاركين إلى أن القيمة لا تكمن في المعلومات وحدها، بل في الشعور بأن شخصًا خصص وقتًا لإعداد رسالة موجهة إليهم.

قراءة بث | هل تعب جيل الإنترنت من السرعة؟

تكشف التجربة عن مفارقة لافتة: جيل نشأ مع الهواتف الذكية والاتصال الفوري، بدأ يكتشف متعة التواصل البطيء.

فالإنترنت جعل المعرفة متاحة للجميع، لكنه جعل الانتباه موزعًا بين عدد هائل من الرسائل والتنبيهات والمحتويات المتنافسة.

وفي المقابل، تقدم النوادي البريدية تجربة تجمع التعلم والتركيز والأنشطة اليدوية، دون أن تتطلب التخلي عن الوسائل الرقمية.

ولا يعني انتشار هذه المبادرات أن الرسائل الورقية ستعود بديلًا عن الاتصال الإلكتروني؛ فحجمها لا يزال محدودًا، لكنها تكشف حاجة إنسانية تستحق الانتباه.

وربما لا يبحث هؤلاء الشباب عن الماضي، بقدر ما يبحثون عن شيء افتقدوه في الحاضر: الوقت الكافي للاستمتاع بما يصل إليهم.

والسؤال: هل أصبحت السرعة التي منحتنا إياها التكنولوجيا سببًا في بحثنا عن وسائل أبطأ تمنح الأشياء قيمتها؟