العقل بين التوتر والاطمئنان
كتب: عبدالله العميره
العقل المتوتر يبحث عن مخرج، أما العقل المطمئن فيبحث عن فكرة.
هل المعاناة تصنع الإبداع؟
يقال إن الحاجة أم الاختراع، وإن المعاناة تحفّز الإبداع. وهذا صحيح في بعض الحالات، لكنه ليس قاعدة مطلقة.
فالدراسات النفسية تشير إلى أن قدرًا محدودًا من التحدي قد ينشّط التفكير ويدفع الإنسان إلى ابتكار الحلول، بينما قد يؤدي التوتر الشديد والمستمر إلى إضعاف التركيز والمرونة الذهنية.
فالحاجة قد تولّد السؤال، والمعاناة قد تدفع إلى البحث، لكن العقل المطمئن أقدر غالبًا على تحويل التحدي إلى فكرة ناضجة.
ليست المعاناة شرطًا للإبداع، ولا الطمأنينة مرادفًا للكسل؛ فأفضل الأفكار قد تولد تحت ضغط الحاجة، لكنها تحتاج إلى مساحة من الهدوء كي تنضج.
نعيش في عالم لا يتوقف عن القلق. حروب وأزمات وتهديدات وأخبار تتلاحق، حتى أصبح الإنسان يحمل هموم العالم في هاتفه، ويستقبل المخاوف قبل أن يبدأ يومه.
والمفارقة أن بعضنا يعيش في أمن واستقرار، لكنه يقلق من أحداث بعيدة، أو أزمات تتولى مواجهتها جهات قادرة ومؤهلة، حتى ينتهي به الأمر إلى حمل هموم العالم إلى غرفة نومه!
وهذا ليس غريبًا؛ فالدماغ يتعامل مع التهديدات المتكررة بوصفها إشارات تستدعي الانتباه، وقد يؤدي التعرض المستمر للأخبار المقلقة إلى إبقاء الإنسان في حالة تأهب، حتى عندما لا يواجه خطرًا مباشرًا.
وعندما يتوتر العقل، تضيق خياراته. نغضب من كلمة، ونخاف من احتمال، ونستعجل جوابًا، ثم نكتشف بعد أن نهدأ أن المشكلة لم تكن بالحجم الذي تصورناه.
فلماذا نسمح لأحداث لا نملك تغيير مسارها بأن تسلبنا طمأنينة الحاضر؟
ليس المطلوب تجاهل ما يجري في العالم، بل متابعته بوعي دون أن تستنزفنا مخاوفه. فالتوتر لن يحل أزمة بعيدة، لكنه قد يفسد علينا يومًا جميلًا قريبًا.
العقل المتوتر يشبه غرفة امتلأت بالضجيج؛ كل شيء فيها موجود، لكنك لا تستطيع العثور على ما تبحث عنه.
والأعجب أننا بينما نمنح المخاوف كل هذا الاهتمام، نمر بجوار أشياء جميلة دون أن نلاحظها.
لماذا نعتاد الجميل وننشغل بالمقلق؟
من مفارقات العقل البشري أننا نعتاد الأشياء الجميلة حتى يقل انتباهنا إليها، بينما تستوقفنا الأخبار المقلقة، وقد تشغل تفكيرنا طويلًا.
ويفسر علم النفس جانبًا من ذلك بظاهرتين: «التكيف مع المتعة»، حيث يتراجع شعورنا بجدة الأشياء الإيجابية مع تكرارها، و«الانحياز للسلبيات»، وهو ميل العقل إلى إعطاء التهديدات والأحداث السلبية اهتمامًا أكبر.
نعتاد البيت المريح، والصحة، والأمان، ووجود من نحب، حتى تصبح هذه النعم جزءًا مألوفًا من حياتنا، بينما قد يستحوذ خبر مقلق واحد على اهتمامنا، رغم أنه لا يمس حياتنا مباشرة.
والمشكلة ليست في أن الأشياء الجميلة فقدت قيمتها، بل في أننا اعتدنا وجودها، وسمحنا للمخاوف بأن تزاحم شعورنا بها.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: نقلق على أشياء لم تحدث، وننسى أن نفرح بأشياء جميلة نعيشها كل يوم.
الهدوء ليس غفلة
لا يعني الاطمئنان تجاهل الأزمات أو الهروب من المسؤوليات، وإنما أن نمنح العقل فرصة للتفكير دون أن تستنزفه الانفعالات.
فبعض أفضل أفكارنا تأتي ونحن نمشي، أو نتحدث مع صديق، أو نضحك من موقف طريف، لا ونحن نحاول إجبار عقولنا على الإنتاج.
وبعض الناس يظن أن العبوس دليل اهتمام، وأن التوتر علامة اجتهاد، وكأن الإنسان لا يكون جادًا إلا إذا بدا غاضبًا!
لكن العقل ليس خرقة جافة نعصرها كلما أردنا فكرة، ثم نغضب حين لا نجد قطرة ماء.
فلنمنحه شيئًا من الراحة، ولنستعد قدرتنا على رؤية الأشياء الجميلة، دون أن نفقد وعينا بما يجري حولنا.
ولنُبقِ أعصابنا مرتاحة وعيوننا يقظة.