عقل يؤمن بالخرافة !

news image

 

كتب: عبدالله العميره

كيف يمكن أن نثق بأحكام عقل يرفض الحقيقة ويصدق الخرافة؟ وكيف نطمئن إلى مواقفه من الإنسان والمجتمع والسياسة والمستقبل، وهو لا يميز بين الدليل والوهم؟

قد يكون الإنسان متعلمًا، يحمل أعلى الشهادات، ويستخدم أحدث التقنيات، ويتحدث عن العلم والتقدم، ثم يصدق حكاية لا تقبلها أبسط قواعد المنطق.

وهنا تبدأ المشكلة.

فالخطر ليس في الجهل وحده، بل في عقل يملك أدوات المعرفة، ولا يستخدمها عندما يحتاج إليها.

والأخطر أن من يصدق الخرافة قد لا يحتفظ بها لنفسه، بل ينقلها إلى الآخرين، ويدافع عنها، ويغضب ممن يشكك فيها، وربما يتهمه بالجهل أو سوء النية!

كيف أصبح الدليل موضع اتهام، بينما تحظى الخرافة بالتصديق؟

لا يولد الإنسان مؤمنًا بالخرافات، لكنه قد ينشأ في بيئة تعلّمه أن التسليم دون تفكير فضيلة، وأن السؤال خروج عن المألوف، وأن ما يقوله سادة الخرافة لا يحتاج إلى برهان.

ومع الزمن، يتحول الخوف من السؤال إلى عادة، وتصبح الخرافة جزءًا من طريقة التفكير.

ولا تقف المشكلة عند حدود الحكايات والأوهام.

فالعقل الذي اعتاد قبول الادعاءات دون دليل قد يستخدم المنهج نفسه في الحكم على الأحداث السياسية، وتقييم المسؤولين، وتفسير الأزمات، والنظر إلى تجارب الشعوب الأخرى.

وقد يصدق إشاعة تهدم سمعة إنسان، ويرفض حقيقة تثبت براءته، أو يؤمن بمؤامرة تفسر له كل إخفاق، بدلًا من البحث عن أسبابه الحقيقية.

وهنا تنتقل الخرافة من اعتقاد شخصي إلى مشكلة اجتماعية.

فالمجتمع الذي لا يسأل عن الدليل، يسهل أن تُصنع له رواية، ويصعب أن يصنع لنفسه مستقبلًا.

وليس غريبًا أن نجد من يستفيد من هذه الحالة؛ من يروّج الوهم طلبًا للمال أو النفوذ، ومن يستخدم الخرافة لإخافة الناس أو صرف انتباههم عن واقعهم، ومن يجد في تعطيل التفكير وسيلة لتجنب المساءلة.

لكن الإنصاف يقتضي ألا نخلط بين الإيمان الديني والخرافة، ولا بين احترام المعتقدات وقبول الادعاءات دون دليل.

فالإيمان الديني له مرجعياته ومناهجه في الفهم والاستدلال. وفي الإسلام، يشكل القرآن الكريم والسنة النبوية مرجعية للإيمان والتشريع، وللعقل دور أساسي في الفهم والتدبر والتمييز، بما يجمع بين الارتقاء الروحي والوعي العقلي.

أما الخرافة التي نناقشها، فهي ادعاء يُقدَّم بوصفه حقيقة، وقد يُلبس ثوب الدين، ويُطلب من الناس تصديقه دون برهان، بل ويُمنعون من مساءلته. وهذا إساءة إلى العقل وإلى الدين حين يُستغل لترويج الوهم.

والخرافة ليست مجرد حكاية يصدقها الإنسان، بل قد تتحول إلى وسيلة لاستلاب استقلال عقله، وتعطيل قدرته على التحليل والمقارنة، حتى يصبح أكثر استعدادًا للانقياد لمن يصنعها ويروّج لها.

وفي دراسة أجريتها عن المؤثرات الفكرية على عقلية المتلقي، تناولت أربعة أنماط للعقول وفق طريقة التفكير واستقبال المعلومات: العقل القائد، والعقل المتردد، والعقل المحايد، والعقل المستسلم للخرافة.

والأخير هو ما يعنينا هنا؛ عقل يتراجع فيه السؤال أمام التسليم، ويضعف فيه اختبار الدليل أمام سلطة الموروث أو من يروّج له.

والفارق كبير بين عقل يبحث عن الحقيقة وقد يقع في الخطأ، وعقل يتخلى عن أدوات البحث ويمنح غيره حق التفكير نيابة عنه.

لماذا يصعب تفكيك الخرافة؟

يُفسر علم النفس عددًا من الآليات التي قد تجعل الإنسان متمسكًا بمعتقداته الخرافية، حتى عندما يواجه أدلة تناقضها.

الارتداد العكسي: قد تدفع مواجهة المعتقد بأدلة مضادة بعض الأشخاص إلى التشبث به، خصوصًا عندما يشعرون بأن هويتهم أو مكانتهم مهددة.

الانحياز التأكيدي: الميل إلى البحث عما يؤيد المعتقد، وتجاهل الأدلة التي تناقضه أو التقليل من أهميتها.

وهم المعرفة: الاعتقاد بفهم ظواهر معقدة من خلال تفسيرات سهلة ومريحة، دون معرفة حقيقية بأسبابها.

الارتباط العاطفي والاجتماعي: ارتباط بعض الخرافات بالخوف والهوية والانتماء، حتى يبدو التخلي عنها فقدانًا للأمان أو خروجًا على الجماعة.

لكن صعوبة تفكيك الخرافة لا تعني استحالة التحرر منها.

فمواجهتها لا تكون بالسخرية من أصحابها، بل بالتعليم الذي ينمّي التفكير النقدي، والحوار القائم على الأدلة، وتدريب العقل على التحليل والمقارنة والاستنتاج، وتعليم الإنسان أن تغيير الرأي أمام الحقيقة قوة لا ضعف، وأن الاعتراف بالخطأ شجاعة لا هزيمة.

العقل والحضارة

كيف يمكن الوثوق بأحكام إنسان يتمسك بالخرافة، ويرفض مراجعتها رغم ما تسببه من ضرر لتفكيره وحاضره ومستقبله؟

الخرافة لا تصنع حضارة، ولا يمكن أن تكون منهجًا للإبداع؛ فالحضارات النافعة عبر التاريخ قامت على عقول تسأل وتبحث وتختبر وتكتشف.

والأمم لا تتقدم بعدد الشهادات وحدها، ولا بما تمتلكه من تقنيات ومبانٍ ومصانع، وإنما بقدرة عقول أبنائها على فهم الواقع، وتمييز الحقيقة، واتخاذ القرار.

وما أخشاه ليس مجرد وجود من يصدق الخرافة، بل أن تصبح أقوى من الحقيقة، وأن يخاف الإنسان من التفكير أكثر مما يخاف من الوقوع في الخطأ.

فإذا كان العقل قد سلّم للخرافة حق التفكير نيابة عنه، فكيف نثق به حين يقرر، أو بقدرته على صناعة المستقبل؟