سر الرقم 7
كتب: عبدالله العميره
هناك أرقام نستخدمها للحساب.
وهناك أرقام نشعر أن لها حضورًا يتجاوز الحساب.
والرقم 7 واحد منها.
سبع سماوات.
سبعة أشواط حول الكعبة.
وسبعة بين الصفا والمروة.
والسجود على سبعة أعظم.
وسبعة أيام للأسبوع.
وفي جسد الإنسان سبع فقرات عنقية.
وفي الموسيقى اشتهر السلم بسبع نغمات، وفي الضوء شاع تقسيم الطيف إلى سبعة ألوان.
حتى عبارة «البحار السبعة» عبرت القرون، وإن تغيّر المقصود بها من زمن إلى آخر.
لكن السؤال:
لماذا 7 بالذات؟
العلم لا يقول إن في السبعة قوة خفية تدير الكون.
فبعض حضوره حقيقة طبيعية، وبعضه الآخر جاء من الطريقة التي صنّف بها الإنسان العالم من حوله.
فألوان الطيف مثلًا ليست سبعة حدود منفصلة في الطبيعة؛ الطيف متصل، لكن نيوتن قسّمه إلى سبعة ألوان.
والنغمات السبع تنتمي إلى السلم الموسيقي الشائع، وليست كل الأصوات التي يمكن أن يسمعها الإنسان.
حتى علم النفس أعطى السبعة لحظة شهيرة عندما اقترح جورج ميلر أن الذاكرة قصيرة المدى تستطيع التعامل تقريبًا مع سبع وحدات، تزيد أو تنقص اثنتين.
ثم جاءت دراسات لاحقة لتشير إلى أن السعة قد تكون أقرب، في كثير من الحالات، إلى أربع مجموعات.
ولعل ما يمنعنا من المبالغة في دلالة الرقم 7 أن القرآن الكريم يذكر خلق السماوات والأرض في ستة أيام، لا سبعة.
كما أن أركان الإسلام خمسة، والصلوات المفروضة خمس، وأشهر السنة اثنا عشر، وفي الطبيعة يقوم تركيب الـDNA على أربع قواعد نيتروجينية رئيسية.
وفي العلوم لا توجد قاعدة تقول إن الظواهر ينبغي أن تتكرر سبعًا.
وهذا يعيدنا إلى التوازن:
فالسبعة ليس قانونًا عامًا للكون؛ يحضر بقوة في مواضع، ويغيب تمامًا عن مواضع أخرى.
وربما لهذا يظل مثيرًا للتأمل؛ يتكرر بما يكفي ليلفتنا، ولا يتكرر بما يكفي لنحوّله إلى معادلة.
فلماذا رسخ في وعينا إلى هذا الحد؟
ربما لأن ثلاثة عوالم التقت عنده:
الوحي، والطبيعة، والثقافة.
في الدين، ورد الرقم سبعة في مواضع لا نعلم حكمتها كاملة؛ فنؤمن بها ونسلّم، ولا نحتاج إلى اختراع تفسير لها.
وقد تتكشف للإنسان مع الزمن بعض جوانب الحكمة في بعض ما يراه، كما اتسعت قدرته على الفهم مع تطور المعرفة ومنهجية التفكير
وفي الطبيعة ظهر أحيانًا بحكم التكوين.
وفي الثقافة، منحه الإنسان عبر القرون معنى قريبًا من الاكتمال.
وهنا أتذكر قصة يوسف عليه السلام.
سبع سنين من الخصب، ثم سبع شداد.
ليست القصة قانونًا يقول إن حياة كل إنسان تسير سبعًا فوق وسبعًا تحت.
لكنها تحمل درسًا أبقى من الأرقام:
السعة لا تدوم، والشدة لا تدوم.
فالسنوات السمان ليست وقتًا للمتعة فقط؛ إنها وقت للاستعداد.
ومن عرف كيف يغتنم زمن السعة، صنع منه زادًا لأيام الشدة.
أما من ظن أن الخير دائم، فقد يفاجئه تغير الأيام وهو بلا استعداد.
ولعل هنا شيئًا من معنى قوله تعالى:
«لقد خلقنا الإنسان في كبد».
فنحن نكابد الحياة.
نصعد ونهبط.
نكسب ونفقد.
نطمئن ونقلق.
نقترب ونبتعد.
لكننا لا نبقى في الحال نفسها دائمًا؛ فبقاء السعة أو زوالها، وبقاء الشدة أو تغيرها، يرتبط — بعد توفيق الله — بكيفية تعامل الإنسان مع ما يمر به، وبقدر ما يملك من حكمة وحسن تقدير.
حتى العلاقات لها سمانها وشدادها.
أيام يكون فيها القرب سهلًا، والكلام كثيرًا، والطمأنينة حاضرة.
ثم تأتي مسافة، أو صمت، أو اختلاف.
وليست الحكمة أن نحسب كم يومًا مضى، بل أن نعرف متى نحفظ الجميل، ومتى نصلح ما يمكن إصلاحه، ومتى نفهم أن شيئًا انتهى حتى يبدأ شيء آخر.
وكذلك الحروب.
لا تنتهي في اليوم السابع لأن الرقم يحمل وعدًا خفيًا.
لكن التاريخ يعلمنا أن الموازين تتغير، وأن أبوابًا تُغلق، ثم تفتح فجأة نافذة لم تكن في الحساب.
وكل شيء بقدر الله.
وقد تتبدل حياة كاملة في لحظة.
كن فيكون.
وربما هنا يكمن أجمل معنى للسبعة.
فالأسبوع يصل إلى يومه السابع..
ثم لا تتوقف الحياة.
يعود اليوم الأول.
وكأن الرقم لا يقول لنا:
انتهى كل شيء.
بل يقول:
اكتملت دورة، فاستعد لدورة أخرى.
بعد السعة قد تأتي الشدة.
وبعد الشدة قد يأتي الفرج.
وبعد الفقد قد تولد بداية لم نكن نراها.
فما سر الرقم 7؟
ربما لا يوجد سر واحد.
لكن الوحي والطبيعة والثقافة التقت عنده حتى أصبح في وعينا رمزًا للاكتمال.
والأجمل أن اكتماله لا يقود إلى النهاية.
فبعد السابع .. يبدأ الأول من جديد.