اليوم 190: النووي يعود إلى الحرب
ترامب يهدد بضرب «جبل الفأس» قرب نطنز بعد رصد نشاط جديد، وطائرات أمريكية تتضرر في الأردن، وهرمز يتراجع إلى سبع سفن؛ فيما يربط الرئيس الأمريكي نهاية الحرب بانتخابات نوفمبر ويتسع الضغط من الخليج إلى باب المندب
10 سبتمبر 2026
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
دخلت الحرب الأمريكية الإيرانية يومها الـ190 بتحول جديد:
الملف النووي عاد إلى مقدمة المواجهة.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أن واشنطن ترصد «نشاطًا» في جبل الفأس، الموقع المحصن القريب من منشأة نطنز النووية، وحذر إيران من أن الولايات المتحدة قد تضربه «بقوة شديدة» إذا استمر النشاط.
الموقع يقع على بعد نحو كيلومترين من مجمع نطنز ويضم مجمعين عميقين من الأنفاق تحت الجبل. ورغم تعرض نطنز لضربات سابقة، لم يُستهدف هذا المجمع نفسه حتى الآن.
وهذا يجعل التهديد مختلفًا عن الضربات الأخيرة على الناقلات والملاحة.
واشنطن تقول لإيران عمليًا:
إذا حاولت إعادة بناء قدرتك النووية في العمق، فقد تعود الحرب إلى داخل المنشآت الإيرانية.
ترامب يحدد موعدًا
لكن التصريح الأخطر سياسيًا لم يكن التهديد بالقصف وحده.
ترامب قال إنه يتوقع أن تنتهي الحرب فورًا بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر، واتهم إيران بمحاولة إطالة الصراع والتأثير في نتيجة الانتخابات التي ستحدد ما إذا كان الجمهوريون سيحتفظون بالكونغرس.
هذه المرة أصبح للخطاب العسكري تقويم انتخابي معلن.
فالنفط فوق 100 دولار، وأسعار الوقود والضغط التضخمي أصبحت عبئًا سياسيًا داخليًا على الرئيس والجمهوريين، فيما تشير تقارير إلى أن كبار مستشاري البيت الأبيض لا يشاركون ترامب ثقته بقرب نهاية الحرب، ويحذر بعضهم من إمكانية استمرارها فترة أطول بكثير.
وهنا تظهر معادلة جديدة:
ترامب يريد إيران أضعف عسكريًا قبل نوفمبر، وأسعار طاقة أقل قبل صناديق الاقتراع.
وليس مؤكدًا أن الهدفين يمكن تحقيقهما معًا.
5000 دولار للناخب
وفي المؤتمر الجمهوري نفسه في دالاس، أضاف ترامب عنصرًا اقتصاديًا شديد الوضوح إلى حملته.
تعهد بمنح كل مواطن أمريكي بالغ 5000 دولار إذا احتفظ الجمهوريون بمجلسي النواب والشيوخ في انتخابات نوفمبر، مشترطًا إنفاق المبلغ داخل الولايات المتحدة. ولم يعلن تفاصيل التمويل أو آلية التنفيذ.
ربط هذا الوعد بخطاب الحرب ليس تفصيلًا.
ترامب يحاول في ليلة واحدة أن يقدم للناخب صورتين:
الرئيس الذي يهدد إيران في الخارج، والرئيس الذي يعد الأمريكيين بالمال في الداخل.
وهذا يؤكد أن الحرب أصبحت جزءًا مباشرًا من معركة التجديد النصفي.
هرمز | سبع سفن
في مضيق هرمز؛ الأرقام تكشف حجم التراجع.
البيانات الأولية لتتبع السفن أظهرت مرور سبع سفن فقط يوم الأربعاء؛ أربع غادرت المضيق وثلاث دخلته، مقارنة بـ12 سفينة في اليوم السابق ومتوسط عشرة أيام يبلغ 14 سفينة. ولم تغادر أي ناقلة غاز طبيعي مسال.
وهذا يعني أن هرمز لم يُغلق.
لكنه يعمل الآن بجزء صغير من طاقته الطبيعية.
وفي الوقت نفسه، بدأت أسواق الشحن تتكيف جزئيًا مع الأزمة؛ نقص وقود السفن الذي ظهر في الأشهر الأولى خفّ، لكن تكلفته في سنغافورة ما تزال أعلى بأكثر من 60% من مستويات ما قبل الحرب.
السوق إذن تتعلم كيف تعيش مع الحرب.
لكنها تدفع ثمن ذلك.
النفط فوق 100
استقر خام برنت صباح الخميس قرب 100.5 دولار للبرميل بعد تجاوزه الحاجز النفسي في اليوم السابق، بينما ارتفع بنحو 30% منذ مطلع أغسطس.
والأخطر من السعر نفسه أن هامش الأمان العالمي يتقلص.
المرور في هرمز متراجع، والطرق البديلة تحت ضغط، والمخزونات الاستراتيجية الأمريكية محدودة مقارنة بمراحل سابقة، بينما أصبحت الأسواق تضع علاوة خطر دائمة في السعر بدل أن تتعامل مع الأزمة كصدمة مؤقتة.
وهكذا يصبح النفط أحد مفاتيح الحرب السياسية أيضًا.
كلما ارتفع، زاد الضغط على ترامب.
وكلما زاد الضغط عليه، ارتفعت رغبته في تغيير مسار الحرب سريعًا.
باب المندب | الجبهة الثانية
الجبهة الأخرى التي تستحق مراقبة شديدة اليوم ليست داخل إيران.
إنها اليمن.
مصادر عسكرية يمنية حكومية قالت إن الحوثيين يقتربون من تعزيز سيطرتهم على مناطق ساحلية استراتيجية قرب المخا وذباب المطلتين مباشرة على باب المندب، في وقت تتصاعد فيه المعارك مع القوات اليمنية المدعومة من السعودية.
إذا ثبت هذا الاتجاه واستمر، فإن إيران وحلفاءها قد يملكون ضغطًا متزامنًا على مسارين:
هرمز في الشرق.
وباب المندب في الغرب.
وهذه أخطر معادلة ممكنة لتجارة الطاقة العالمية؛ لأن البديل الطبيعي لهرمز يواجه عندها خطرًا آخر قبل الوصول إلى قناة السويس.
السعودية | الضغط مستمر
وفي جنوب المملكة، أصدرت السلطات السعودية إنذارات طارئة جديدة في خميس مشيط، للمرة الرابعة خلال 24 ساعة، قبل إعلان زوال الخطر لاحقًا، وسط استمرار المواجهة مع الحوثيين.
وهنا يرتبط اليوم 190 مباشرة بتطور الأمس حول اتفاق مكة للدفاع المشترك.
فاستمرار الهجمات الحوثية لا يضع السعودية وحدها أمام قرار الرد؛ بل يرفع احتمالات دخول آليات التشاور السعودية الباكستانية التركية مرحلة أكثر عملية إذا استمر التصعيد. وكانت باكستان قد نقلت بالفعل تحذيرًا سعوديًا إلى إيران تطالبها فيه بكبح الحوثيين.
السعودية تملك القدرة العسكرية على ردع الخطر وتحييد مصادره؛ وإذا قررت نقل المواجهة من اعتراض الهجمات إلى ضرب البنية العسكرية التي تنتجها، فإن معادلة الجبهة اليمنية ستتغير بالكامل.
ماذا يريد ترامب من «جبل الفأس»؟
التهديد بضرب الجبل لا يعني بالضرورة أن قرار الهجوم اتخذ.
لكنه يؤدي ثلاث وظائف في وقت واحد.
أولًا: تحذير إيران من استغلال انشغال واشنطن بهرمز لإعادة بناء قدرات نووية عميقة.
ثانيًا: إعادة المبادرة العسكرية إلى واشنطن بعد سلسلة ضربات إيرانية على السفن والقواعد.
ثالثًا: إرسال رسالة انتخابية إلى الداخل الأمريكي بأن الرئيس ما زال يحدد سقف التصعيد، وليس طهران.
لكن الضربة، إذا وقعت، تحمل مخاطرة واضحة:
قد تعيد الحرب من مرحلة خنق النفط الإيراني إلى مرحلة استهداف مباشر للبنية النووية؛ أي إلى مستوى أعلى بكثير من التصعيد.
ما المتوقع؟
الأرجح أن الأيام القليلة المقبلة ستكشف ثلاثة اتجاهات.
الأول: مراقبة أمريكية مكثفة لجبل الفأس، مع احتمال ضربة إذا رأت واشنطن أن النشاط يرتبط بإعادة بناء قدرة التخصيب أو حماية مواد ومعدات نووية.
الثاني: استمرار إيران في استخدام الصواريخ والهجمات البحرية لإثبات أن كلفة الضغط الأمريكي ليست أحادية الاتجاه، مع تجنب ضربة ضخمة قد تمنح ترامب مبررًا لتوسيع الحرب.
الثالث: تصاعد أهمية الجبهة اليمنية؛ لأن اقتراب الحوثيين من باب المندب واستمرار هجماتهم على السعودية قد يحول الملف من جبهة مساندة لإيران إلى مركز مستقل في الحرب.
قراءة BETH
اليوم 189 أدخل النفط نفسه إلى الحرب.
أما اليوم 190 فأعاد النووي إليها.
وبين الاثنين ظهر عامل ثالث لم يكن بهذه الصراحة من قبل:
الانتخابات الأمريكية.
ترامب يريد أن تنتهي الحرب بعد نوفمبر، ويهدد في الوقت نفسه بضربة جديدة قد توسعها قبل نوفمبر.
وهذه هي مفارقة اليوم.
فالرئيس الأمريكي يريد رفع الضغط إلى الحد الذي يجبر إيران على التراجع، لكن كل درجة إضافية من الضغط تحمل معها احتمال أن تتسع الحرب بدل أن تنتهي.
ولهذا لم يعد السؤال فقط:
هل تضرب واشنطن جبل الفأس؟
بل:
هل يستطيع ترامب استخدام التصعيد لإنهاء الحرب، من دون أن يصبح التصعيد نفسه سببًا لاستمرارها؟