الذكاء يصمم شريحته
OpenAI تستخدم نماذجها في تطوير أول معالج خاص بها وتختصر دورة التصميم إلى تسعة أشهر؛ الذكاء الاصطناعي ينتقل من مستهلك للرقائق إلى شريك في صناعتها
تقرير خاص | بث
حدث شيء صغير في ظاهره، لكنه قد يكون من أكثر التحولات التقنية دلالة في سباق الذكاء الاصطناعي:
الذكاء الاصطناعي بدأ يساعد في تصميم الشريحة التي تشغّله.
كشفت OpenAI أن نماذجها شاركت مباشرة في تطوير Jalapeño، أول معالج مخصص للاستدلال لدى الشركة، والذي طورته بالتعاون مع Broadcom، وانتقل من التصميم الأولي إلى مرحلة تسليم التصميم للتصنيع خلال تسعة أشهر فقط.
ولم يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على كتابة بعض التعليمات البرمجية؛ بل استخدم في استكشاف بدائل التصميم، وتسريع عمليات القياس والتحقق، وتحسين الدوائر الحسابية داخل الشريحة، وهو ما ساعد المهندسين على ضغط دورة تطوير عادة ما تكون طويلة ومعقدة.
الدائرة تغلق
حتى الآن كانت المعادلة تسير في اتجاه واحد:
شريحة أقوى → ذكاء اصطناعي أقوى.
لكنها بدأت تتحول إلى دائرة:
ذكاء أقوى → تصميم شريحة أفضل → ذكاء أسرع وأرخص → نموذج أقوى.
وهذه الدائرة أهم من الشريحة نفسها.
فكل جيل من الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تحسين البنية التحتية التي سيعمل عليها الجيل التالي، ثم يعود ذلك التحسن ليزيد قدرته على تصميم بنية أكثر تطورًا.
إنها للمرة الأولى تقريبًا علاقة يمكن أن يبدأ فيها البرنامج بتطوير الآلة التي تستضيفه.
ليست بديلًا للمهندس
هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي أصبح يصنع الرقائق وحده.
تصميم المعالجات المتقدمة ما زال يحتاج إلى مهندسي الدوائر والفيزياء والبرمجيات، وإلى شركات متخصصة في التصميم والتصنيع والتغليف والذاكرة.
لكن الذي تغير هو سرعة الحلقة.
فالمهندس لم يعد مضطرًا إلى اختبار كل احتمال يدويًا؛ يستطيع النموذج أن يستكشف أعدادًا ضخمة من البدائل، ويستبعد بعضها، ويقترح أخرى، بينما يبقى القرار النهائي والتحقق الهندسي بيد البشر.
وهنا قد تكون الثورة الحقيقية:
ليس اختفاء المهندس، بل اتساع مقدار ما يستطيع المهندس إنجازه.
شريحة تفهم الذكاء
«Jalapeño» صُممت أساسًا لتشغيل نماذج اللغة الكبيرة بكفاءة، مع التركيز على الاستدلال؛ أي المرحلة التي يستخدم فيها النموذج ما تعلمه ليجيب ويحلل وينفذ الطلبات.
وتقول OpenAI إن الاختبارات الأولى أظهرت تحسنًا في سرعة الاستجابة ومقدار العمل الذي يمكن إنجازه مقابل كل وحدة كهرباء، كما جرى تصميم المعالج بحيث يسهل على أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها تحسين توزيع الأحمال والعمليات داخله.
وهنا تظهر مفارقة جميلة:
صُممت الشريحة بمساعدة الذكاء، ثم صُممت بحيث يستطيع الذكاء مساعدتها على العمل بصورة أفضل.
المعركة الحقيقية
وراء الابتكار التقني توجد معركة اقتصادية ضخمة.
تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى كميات هائلة من الرقائق والطاقة ومراكز البيانات. وكل تحسين في أداء الشريحة مقابل الواط يعني مليارات الدولارات عندما ينتشر على مراكز بيانات بحجم جيجاواطات.
ولهذا لا تريد شركات الذكاء الاصطناعي أن تبقى مجرد مشترٍ لرقائق الآخرين.
امتلاك شريحة مصممة خصيصًا للنموذج يمنح الشركة ثلاثة أشياء:
سرعة أكبر، وكلفة أقل، وسيطرة أوسع على سلسلة التقنية.
وهذا يفسر أيضًا توسع OpenAI في التعاون مع شركات أشباه الموصلات؛ فقد أكدت اليوم تعميق تعاونها مع Samsung في تطوير رقائق الجيل المقبل، إلى جانب شراكتها السابقة مع Broadcom.
ماذا بعد؟
المرحلة التالية قد تكون أكثر إثارة.
إذا استطاع الذكاء الاصطناعي اختصار تصميم الرقائق، فقد يمتد الأمر إلى مواد جديدة، وبطاريات، وأدوية، ومحركات، ومكونات صناعية معقدة.
أي أن السؤال لن يبقى:
ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب؟
بل:
ماذا يستطيع أن يساعدنا على صنعه؟
وهذا هو التحول الذي يستحق الانتباه.
لقد بدأ الذكاء الاصطناعي حياته الحديثة داخل شريحة صممها الإنسان.
واليوم بدأ يشارك الإنسان في تصميم الشريحة التالية.
وحين تبدأ الأداة في تحسين الأداة التي تمنحها قوتها، يصبح التطور أسرع من مجرد إصدار جديد.