الصين تموّل رقائقها.. وتمسك بالنحاس

news image

 

 الصين تموّل شركات المعالجات محليًا وتفاوض على موقعها في أكبر صفقات التعدين؛ بكين تبني استقلالها التقني من المادة الخام إلى الذكاء الاصطناعي

 

تقرير خاص | بث

في يوم واحد تقريبًا، ظهرت صورتان تبدوان منفصلتين.

الأولى في شنغهاي؛ حيث تستعد شركة Enflame الصينية المدعومة من Tencent للدخول إلى البورصة بعد طرح جمع نحو 912 مليون دولار، في واحدة من أبرز خطوات تمويل صناعة رقائق الذكاء الاصطناعي الصينية عبر السوق المالية.

والثانية في سوق المعادن؛ حيث لا يزال اندماج Anglo American وTeck Resources، البالغة قيمته نحو 54 مليار دولار، ينتظر موافقة الصين، فيما تجاوز النحاس 14,700 دولار للطن إلى مستوى قياسي.

بين الخبرين تمتد قصة أكبر:

الصين تحاول أن تملك السلسلة، لا المنتج الأخير فقط.

من المعدن إلى المعالج

رقائق الذكاء الاصطناعي لا تبدأ داخل المختبر.

قبل الشريحة توجد شبكة كهرباء.

وقبل شبكة الكهرباء توجد كابلات ومحولات ومراكز بيانات.

وقبل كل ذلك يوجد النحاس.

وهكذا تصبح المسافة بين منجم في أميركا الجنوبية ومعالج ذكاء اصطناعي في شنغهاي أقصر مما تبدو عليه.

فالطلب على النحاس يتصاعد مع توسع شبكات الكهرباء ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والمركبات الكهربائية، في وقت يعاني فيه المعروض العالمي ضغوطًا واضحة.

الصين تدرك هذه السلسلة جيدًا.

ولهذا تتحرك في طرفيها معًا:

تؤمّن المادة في الأسفل، وتموّل التقنية في الأعلى.

البورصة تدخل المعركة

Enflame ليست مجرد شركة تبحث عن تمويل.

إدراجها في سوق STAR ببورصة شنغهاي يعني أن معركة الاستقلال في الرقائق لم تعد تعتمد فقط على دعم الحكومة أو خزائن شركات التكنولوجيا الكبرى.

رأس المال المحلي نفسه أصبح يدخل السباق.

وهذه نقلة مهمة.

لأن بناء صناعة رقائق محلية لا يحتاج شركة ناجحة واحدة؛ بل يحتاج عشرات الشركات، ومليارات الدولارات، وسوقًا قادرة على تمويل التجربة والفشل والنجاح.

الصين هنا لا تراهن على بطل واحد.

إنها تبني البيئة التي قد تنتج عدة أبطال.

لماذا النحاس؟

في الطرف الآخر من السلسلة، تكشف صفقة Anglo-Teck عن وجه مختلف للقوة الصينية.

الاندماج سيخلق مجموعة تعدين كبرى تملك أصولًا مهمة في النحاس، وهو معدن أصبح أكثر قيمة مع تسارع كهربة الاقتصاد العالمي.

ومع أن الكيان المندمج لن يسيطر إلا على نحو 5% من الإنتاج العالمي للنحاس، بقيت الصين آخر جهة تنظيمية كبرى ينتظر الطرفان موافقتها، بعدما عُلقت ساعة المراجعة التنظيمية.

المغزى ليس في التأخير وحده.

بل في أن بكين تملك من خلال حجم سوقها وقدرتها التنظيمية ورقة تفاوض على مستقبل الإمدادات.

وقد فعلت ذلك سابقًا؛ فعندما استحوذت Glencore على Xstrata عام 2013، اشترطت الصين بيع منجم Las Bambas في بيرو ضمن شروط الموافقة.

المعدن أصبح سياسة

لم يعد النحاس مجرد سلعة تتحدد قيمتها داخل المصانع.

لقد دخل دائرة الأمن الاقتصادي.

الولايات المتحدة تبحث عن مصادر جديدة للمعادن في أفريقيا.

وأوروبا تقلق من انتقال مزيد من الأصول المعدنية إلى شركات مرتبطة بالصين.

والصين تريد ضمان أن تحول الطاقة والذكاء الاصطناعي لن يجعلاها رهينة لإمدادات يتحكم فيها الآخرون.

ولهذا تتغير معادلة التجارة العالمية.

كان المنتج النهائي هو مركز المنافسة.

اليوم أصبحت المنافسة تبدأ قبل ذلك بكثير:

من المنجم.

استقلال لا اكتفاء

لا يعني ذلك أن الصين أصبحت مستقلة تقنيًا بالكامل.

ما زالت تواجه فجوات في بعض الرقائق المتقدمة، وفي أدوات التصنيع، وفي البرمجيات التي تحيط بالمعالجات.

لكن استراتيجيتها تبدو أكثر وضوحًا:

لا تنتظر أن تصبح الأفضل في كل شيء.

يكفي أولًا أن تصبح أقل اعتمادًا على الآخرين في كل حلقة.

وهذه فلسفة مختلفة.

الاستقلال لا يعني أن تصنع كل شيء وحدك.

بل أن تمنع خصمك من امتلاك نقطة واحدة يستطيع إيقافك عندها.

الصورة الأكبر

حين تجمع الصين المال لشركة رقائق في شنغهاي، وتراجع في الوقت نفسه صفقة تعدين عالمية كبرى، فهي لا تتحرك في ملفين مختلفين.

إنها تتحرك داخل السلسلة نفسها.

النحاس يغذي الكهرباء.

والكهرباء تغذي مراكز البيانات.

ومراكز البيانات تشغل الرقائق.

والرقائق تشغل الذكاء الاصطناعي.

ولهذا فإن المعركة المقبلة قد لا تكون بين دولة تملك أفضل نموذج ذكاء اصطناعي وأخرى تملك نموذجًا أضعف.

بل بين من يملك السلسلة الأكثر قدرة على الاستمرار.

من المعدن إلى الطاقة.

ومن الطاقة إلى الشريحة.

ومن الشريحة إلى الذكاء.

الصين لا تريد فقط أن تصنع المستقبل؛ تريد أن تضمن وصول المواد التي سيُصنع منها.