العقل يملأ الفراغ

news image

كتب: عبدالله العميره

نحن لا نرى الأشياء دائمًا كما هي؛ نراها كما رتّبها عقلنا.

كم مرة نظن أن شخصًا تغيّر، أو أن علاقة انتهت، أو أن موقفًا كان واضحًا، ثم تظهر معلومة صغيرة فتعيد ترتيب الصورة كلها؟

المشكلة أحيانًا ليست في الحقيقة نفسها، بل في المكان الذي وضعنا فيه كل جزء منها داخل عقولنا.

في المشهد البسيط الذي أمامنا تتحرك الأشياء، فنشعر للحظة أن العدد تغيّر، أو أن شيئًا ظهر من مكان لم يكن فيه.

لكن الأشياء لم تتكاثر.

الذي تغيّر هو الترتيب.

وعقولنا، التي تحب النظام أكثر مما نعترف، أسرعت إلى بناء صورة كاملة مما رأته.

وهنا تبدأ الحكاية الأهم.

العقل لا يحب الفراغ.

إذا نقصت معلومة، حاول أن يكملها.

إذا غاب تفسير، صنع تفسيرًا.

وإذا لم يعرف ماذا حدث، لا يقول دائمًا بهدوء:

لا أعرف.

بل يبدأ في تأليف بقية المشهد.

أرسل رسالة إلى شخص تحبه.

يقرأها.

ولا يجيب.

تمر عشر دقائق.

ثم نصف ساعة.

ثم ساعة.

في البداية تقول:

ربما مشغول.

وبعد قليل تبدأ الاحتمالات الأخرى:

هل غضب؟

هل تغيّر؟

هل تعمّد تجاهلي؟

هل قلت شيئًا لم يعجبه؟

وبعد ساعتين، أو ربما في اليوم التالي، يصل الرد:

«عذرًا، كنت مشغولًا، أو في اجتماع»؛ أو يأتيك بأي عذر يراه مقبولًا لديك.

وقد يبتسم الإنسان وتنتهي القضية.

وقد لا يأتي الرد أصلًا، فيستمر الصمت، وتستمر معه الاحتمالات.

لكن أين ذهبت الرواية التي عشناها خلال ساعات الانتظار؟

معظمها لم يكن موجودًا أصلًا.

نحن كتبناها.

الحقيقة الوحيدة كانت:

رسالة لم يُرد عليها بعد.

أما الغضب، والتجاهل، والتغير، والعتب، فكانت إضافات صنعها العقل ليملأ مكان المعلومة الناقصة.

وهذه ليست مشكلة في العلاقات فقط.

نمارسها كل يوم.

زميل لم يسلم علينا كعادته.

نقول: تغيّر.

شخصان كانا يتحدثان، ثم سكتا حين اقتربنا.

نقول: كانا يتحدثان عنا.

تأخر اتصال.

نقول: تجاهل.

تغيّرت نبرة صوت.

نقول: هناك شيء ما.

نحن لا نتحمل المساحات البيضاء طويلًا.

نملؤها.

والأخطر أننا بعد أن نملأها ننسى أحيانًا أن المادة التي استخدمناها كانت من عندنا.

العقل لا يستقبل العالم كآلة تصوير.

يرتب، ويقارن، ويربط بما عاشه من قبل، ثم يكمل ما ينقصه.

ولهذا قد يرى شخصان الموقف نفسه بطريقتين مختلفتين؛ أحدهما يملأ الفراغ بالخوف، والآخر بالطمأنينة.

الحدث واحد.

لكن ما وُضع في الفراغ مختلف.

وهنا ربما نفهم شيئًا مهمًا:

نحن لا نتألم دائمًا مما حدث.

أحيانًا نتألم مما افترضنا أنه حدث.

وقد نخسر إنسانًا لأننا حاكمناه على قصة كتبنا نصفها بأنفسنا.

وقد نخاف من موقف لأننا استبقنا نهايته.

وقد نكره شخصًا لأن أحدهم أعطانا جزءًا من الصورة، فأكملنا نحن بقيتها.

ولهذا يصبح السؤال الأهم:

ما الذي أعرفه فعلًا، وما الذي أضفته أنا؟

سؤال صغير.

لكنه قد ينقذ علاقة.

ويمنع خصومة.

ويوقف خوفًا لم يكن له سبب.

وربما يريح قلبًا أمضى الليل كله في حل مشكلة لم تكن موجودة.

ولعل أخطر ما في الأمر أن العقل لا يفعل ذلك دائمًا بسوء نية.

هو يريد أن يحمينا.

يريد أن يمنحنا تفسيرًا.

يريد أن يجعل العالم أقل غموضًا.

لكنه أحيانًا، وهو يحاول حمايتنا، يخيفنا بقصة اخترعها هو نفسه.

وهنا يصبح النضج شيئًا بسيطًا وصعبًا في الوقت نفسه:

أن نترك بعض الفراغات فارغة.

أن نقول:

لا أعرف لماذا تأخر.

لا أعرف ماذا قصد.

لا أعرف ما الذي حدث.

وسأنتظر حتى أعرف.

هذه الجملة وحدها قد توفر علينا ساعات من القلق، وأيامًا من سوء الفهم، وربما علاقات كاملة ضاعت بسبب تفسير لم يكن صحيحًا.

ليست كل مساحة فارغة بحاجة إلى حكاية.

وليس كل صمت رسالة.

ولا كل تأخر موقفًا.

ولا كل تغيير نهاية.

أحيانًا تكون الحقيقة أبسط بكثير من السيناريو الذي صنعناه حولها.

المشهد الذي بدأ ببضع قطع تتحرك أمامنا لا يتحدث عن الحساب فقط.

إنه يكشف شيئًا أعمق:

نحن نحب أن تكتمل الصورة، حتى لو اضطررنا أحيانًا إلى رسم الجزء الناقص بأنفسنا.

لكن الحكمة ليست في أن نكمل كل صورة.

الحكمة أحيانًا أن نعرف متى نتوقف عن الرسم.

فأخطر ما يفعله العقل ليس أن يخطئ في الحساب؛ بل أن يملأ مكان ما لا يعرفه بشيء من عنده، ثم ينسى أنه هو الذي وضعه هناك.