حالة شعور
كتب: عبدالله العميره
هناك فكرة تتكرر كثيرًا بصيغ مختلفة:
أن بعض الناس «يجذبون» الآخرين إليهم.
وتُقال حول ذلك كلمات كبيرة؛ طاقة، ذبذبات، أسرار خفية، وأحيانًا وعود مبالغ فيها بأن الإنسان يستطيع أن يجعل شخصًا يتعلق به أو يحبه كما يشاء.
لكن بعيدًا عن هذه المبالغات، يوجد شيء حقيقي وأكثر جمالًا:
الإنسان يترك حالة شعور.
قد لا نتذكر كل ما قاله لنا شخص ما.
لكننا نتذكر كيف كنا ونحن معه.
هل كنا مطمئنين؟
هل شعرنا أننا مفهومون؟
هل احتجنا إلى أن نحذر من كل كلمة؟
هل خرجنا من لقائه أخف، أم أكثر تعبًا؟
هنا يبدأ ما يمكن أن نسميه «الجذب» الحقيقي.
ليس قوة خفية تسحب الآخرين إلينا.
بل أثرًا هادئًا تصنعه طريقتنا في الحضور.
نبرة الصوت.
طريقة الاستماع.
الاهتمام الذي لا يخنق.
القرب الذي لا يطالب.
والقدرة على أن نجعل الآخر يشعر بأنه لا يحتاج إلى الدفاع عن نفسه طوال الوقت.
وعلم النفس يعرف شيئًا قريبًا من هذا.
المشاعر تنتقل بين الناس أكثر مما نتصور.
القلق معدٍ.
والهدوء أيضًا.
الابتسامة الصادقة تنتقل.
والتوتر كذلك.
حتى طريقة جلوسنا، ونبرة أصواتنا، وسرعة حديثنا، ونظرتنا إلى من أمامنا، كلها تصنع جوًا نفسيًا يدخل إليه الآخر قبل أن يفهمه.
ولهذا أحيانًا نرتاح إلى شخص من أول لقاء.
يدخل شخص إلى المجلس، فلا يفعل شيئًا خارقًا.
لا يلقي خطابًا، ولا يستعرض نفسه، ولا يحاول أن يكون مركز المكان.
يجلس، يصغي، يضحك في موضعه، ويسأل حين ينبغي أن يسأل.
وبعد نصف ساعة تكتشف أن المجلس صار أخف.
ويدخل آخر.
يملك الحكايات نفسها تقريبًا، وربما ذكاءً أكبر، لكنه يترك الجميع يراجعون كلماتهم بعد أن يقولونها.
هذا أيضًا «جذب»؛ لكن من النوع الذي يجعلك تبحث عن أقرب مخرج.
وليس لأننا عرفنا عن الأول الكثير.
بل لأن أجسادنا وعقولنا التقطت شيئًا مريحًا في حضوره.
وربما هنا تأتي الفكرة الأهم:
قد ينسى الإنسان كثيرًا مما قلته له، لكنه لا ينسى بسهولة الحالة التي كان عليها حين كان معك.
بعض الناس يغادرون المكان، ويبقى التوتر جالسًا على الكرسي.
وبعضهم يرحلون، ويبقى شيء من الطمأنينة بعدهم.
بعضهم يجعلونك تحسب كلماتك.
وبعضهم يجعلك تتكلم دون أن تخشى أن تُفهم خطأ.
وهذا الفرق كبير.
فنحن كثيرًا ما نسأل:
كيف أجعل شخصًا يحبني؟
كيف أكون أكثر تأثيرًا؟
كيف أجعله يشتاق؟
وكأن القلب تطبيق في الهاتف، نبحث له عن زر «الإعدادات» ثم نختار: زيادة الاشتياق 70%.
لكن السؤال الأجمل ربما يكون:
أي شعور يخرج به الإنسان بعد أن يلتقيني؟
هل خرج وهو يشعر أنه كان مسموعًا؟
أم أنه كان تحت الاختبار؟
هل شعر أن حضوري أضاف إليه شيئًا؟
أم حمل معه عبئًا جديدًا؟
في العلاقات لا يكفي أن نكون محبين.
المهم أيضًا أن يعرف الآخر كيف يشعر بهذا الحب.
ولا يكفي أن نكون طيبين.
المهم ألا تتحول طيبتنا إلى ضغط، ولا اهتمامنا إلى مراقبة، ولا قربنا إلى اقتحام.
فالحب الذي يحتاج الآخر أن يدافع عن نفسه أمامه، يصبح مرهقًا مهما كانت نواياه جميلة.
والجذب الذي يصنعه القلق لا يصنع علاقة.
قد يصنع تعلقًا.
والتعلق ليس دائمًا حبًا.
أحيانًا يكون خوفًا من الفقد.
أو انتظارًا.
أو ارتباكًا.
أو محاولة مستمرة لفهم شيء لا يستقر.
ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان في قلب آخر ليس الحيرة.
بل الأمان.
أن يشعر الآخر أن وجودك لا يستهلكه.
أن قربك لا يجعله متوترًا.
أن غيابك لا يتحول إلى عقوبة.
وأن محبتك لا تحتاج كل يوم إلى امتحان جديد.
ربما هذا هو «التوافق» الحقيقي.
ليس اهتزازًا غامضًا بين الأرواح.
بل انسجامًا بسيطًا بين إنسانين يعرف كل منهما أن حضوره لا يهدد الآخر.
وهنا تصبح المسألة أكثر إنصافًا أيضًا.
فنحن لا نملك قلوب الناس.
ولا نستطيع أن نجبر أحدًا على الميل إلينا.
وحين يعجز بعض الناس عن فهم القلوب، يذهبون إلى أقصر الطرق وأكثرها ظلمة؛ فيبحثون عن سحرٍ يجذب، أو عملٍ ينفّر، كأن الإنسان يمكن أن يُختصر إلى إرادة تُسلب أو شعور يُصنع قسرًا. لكن ما يُبنى على الإكراه والخوف لا يصنع قربًا؛ بل يكشف عجز صاحبه عن قبول أن للآخر قلبًا واختيارًا.
وفي القرآن الكريم يأتي الحكم قاطعًا ومطمئنًا: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾. فمهما تعددت الحيل، لا يصنع السحر فلاحًا، ولا يبني حبًا، ولا يمنح صاحبه طمأنينة حقيقية.
لكننا نملك شيئًا آخر:
أن نختار الحالة التي نصنعها حين نكون معهم.
أن نكون هدوءًا لا ضجيجًا.
أمانًا لا اختبارًا.
قبولًا لا محاكمة.
وحضورًا لا يطلب من الآخر أن يفقد نفسه كي يبقى قريبًا منا.
وربما أجمل أنواع الجذب هو ذلك الذي لا يحاول أن يجذب أصلًا.
فبعض الناس لا يطالبونك بالبقاء.
لكن شيئًا فيك يطمئن حين يكونون قريبين.
ولا يعدونك بشيء كبير.
لكن وجودهم نفسه يصبح مكانًا ترغب في العودة إليه.
ليس لأنهم سحروك.
بل لأنك، حين كنت معهم، أحببت النسخة التي كنت عليها.
لا تستطيع أن تأمر قلبًا أن يميل إليك.
لكن تستطيع أن تكون حضورًا لا يحتاج القلب إلى الدفاع عن نفسه أمامه.
حكاية الصورة:
ليس الجذب قوة خفية، بل حالة شعورية تنتقل بين الناس؛ فالهدوء يمنح الأمان، والقبول يخفف الدفاعات. وأحيانًا يكون أجمل ما يجذبنا إلى شخص هو الشعور الذي نعيشه في حضوره.