العالم يصمد.. والفاتورة ترتفع

news image

 

صندوق النقد يتوقع نمو الاقتصاد العالمي بنحو 3% في 2026 رغم صدمة الطاقة والحرب؛ لكن النفط المرتفع والدين العام والفائدة يكشفون أن الصمود العالمي أصبح أكثر كلفة وأقل راحة

 

تقرير خاص | بث

رغم أكثر من ستة أشهر من الحرب في الشرق الأوسط، واضطراب هرمز، وارتفاع النفط والغاز، ما زال الاقتصاد العالمي واقفًا.

صندوق النقد الدولي قال اليوم إن النمو العالمي يسير نحو نحو 3% في 2026، في إشارة إلى قدرة الاقتصاد على امتصاص صدمات كان يُخشى قبل أشهر أن تدفعه إلى ركود أوسع. لكن الصندوق حذر في الوقت نفسه من أن المخاطر لا تزال مرتفعة، خصوصًا مع استمرار صدمة الطاقة، وتباطؤ تراجع التضخم، وتصاعد الدين العام العالمي.

هذه هي المفارقة:

العالم يصمد، لكنه يدفع ثمن الصمود.

من أين جاء الصمود؟

لم يكن الاقتصاد العالمي محصنًا ضد الصدمة.

لكنه استفاد من أدوات لم تكن متاحة بالدرجة نفسها في أزمات سابقة: استخدام الاحتياطيات النفطية والغازية، وتسريع التحول إلى مصادر بديلة، وقدرة الشركات والأسواق على إعادة توجيه التجارة والإمدادات، إلى جانب استمرار الاستثمار التقني، خصوصًا في الذكاء الاصطناعي.

أي أن العالم لم يمنع الصدمة.

بل تعلم كيف يوزعها.

جزء حملته الحكومات.

وجزء تحملته الشركات.

وجزء انتقل إلى المستهلك عبر الأسعار.

وجزء أُجل إلى المستقبل في صورة ديون أكبر.

وهنا تبدأ الفاتورة الحقيقية.

النفط لا يبقى في المضيق

كل ارتفاع في النفط يبدأ في مكان، لكنه لا يبقى هناك.

ينتقل إلى النقل.

ثم الغذاء.

ثم الصناعة.

ثم التضخم.

ثم الفائدة.

واليوم رفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة إلى 2.5% لمواجهة عودة الضغوط التضخمية المرتبطة بالطاقة، بينما تجاوز برنت 105 دولارات في جلسات اليوم، وقفزت عوائد السندات الأوروبية إلى أعلى مستويات منذ سنوات.

وهكذا أصبحت الحرب ترسل فواتيرها إلى أسر وشركات لم ترَ صاروخًا واحدًا.

قد يقع الانفجار في الخليج، لكن القسط يرتفع في أوروبا.

الدين يمول النجاة

المؤشر الأكثر قلقًا ربما لا يكون النفط.

إنه الدين.

صندوق النقد يحذر من أن الدين العام العالمي يقترب من 100% من الناتج العالمي، وهي مستويات لم يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية.

هذا يعني أن كثيرًا من الحكومات تواجه الأزمة وهي تحمل أصلًا حقائب ثقيلة.

تحتاج إلى دعم الطاقة.

وزيادة الإنفاق الدفاعي.

وحماية الأسر.

وتمويل التحول الصناعي.

لكنها تفعل ذلك فيما أصبحت كلفة الاقتراض نفسها أعلى.

وهنا يصبح الصمود معادلة خطرة:

كلما أنفقت الدولة أكثر لتحمي الحاضر، اقتطعت أكثر من قدرة المستقبل.

الذكاء الاصطناعي يدفع من الجهة الأخرى

لكن الصورة ليست سوداء بالكامل.

في مقابل صدمة العرض التي تصنعها الطاقة، هناك دفعة جديدة من الطلب والاستثمار يقودها الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.

وصندوق النقد يرى أن هذه الاستثمارات تساعد في دعم النشاط العالمي، حتى بينما تضغط الحرب على الأسعار.

وهذه مفارقة العصر:

في جانب من الاقتصاد، تدمر الصواريخ القدرة على نقل الطاقة.

وفي الجانب الآخر، تُبنى مراكز بيانات بمئات المليارات لتحويل الكهرباء إلى ذكاء.

العالم يخسر في مكان، ويستثمر بشراهة في مكان آخر.

الدول الغنية تتألم.. والفقيرة تختنق

ولا تتوزع الفاتورة بالتساوي.

الاقتصادات الكبرى تستطيع الاقتراض، واستخدام الاحتياطيات، وتقديم الدعم، وإعادة ترتيب مصادر الطاقة.

أما الاقتصادات النامية، فتواجه المشكلة نفسها بأدوات أقل، في وقت يشير صندوق النقد إلى ضغوط تمويل وسيولة متزايدة مع تراجع بعض المساعدات الثنائية.

لذلك فإن «صمود الاقتصاد العالمي» قد يخفي تفاوتًا كبيرًا:

العالم ككل لا يسقط، لكن بعض أجزائه قد تدفع ثمن بقائه واقفًا أكثر من غيرها.

أوروبا تقدم المثال

قرار البنك المركزي الأوروبي اليوم يقدم صورة واضحة لهذه المعضلة.

رفع الفائدة يحاول حماية قيمة العملة وكبح التضخم.

لكنه في الوقت نفسه يرفع كلفة القروض الحكومية والرهون العقارية وتمويل الشركات.

ووصل عائد السندات الألمانية لعشر سنوات إلى أعلى مستوى منذ 2011، بينما بلغت عوائد السندات الفرنسية الطويلة مستويات لم تُر منذ 2003.

أي أن الدواء نفسه له آثار جانبية.

خفض التضخم اليوم قد يعني نموًا أضعف غدًا.

ماذا يعني 3%؟

رقم النمو مهم، لكنه لا ينبغي أن يُقرأ وحده.

فـ3% نموًا في عالم منخفض الفائدة ورخيص الطاقة يختلف تمامًا عن 3% في عالم نفطه فوق 100 دولار، وسنداته مرتفعة العائد، وحكوماته مثقلة بالديون.

النمو موجود.

لكن نوعيته أصبحت أغلى.

وهذا ربما هو التحول الذي لا يظهر في الرقم:

الاقتصاد العالمي لم يفقد قدرته على الحركة؛ لكنه يحتاج إلى وقود أكثر لقطع المسافة نفسها.

قراءة BETH

كان السؤال مع بداية الحرب:

هل يسقط الاقتصاد العالمي؟

بعد ستة أشهر تقريبًا، يبدو أن الجواب:

لا.

لكن السؤال الأفضل الآن هو:

بأي ثمن يبقى واقفًا؟

الاحتياطيات تُستهلك.

الدين يرتفع.

الفائدة تعود إلى الصعود.

والأسر تدفع أكثر للطاقة والغذاء والقروض.

وفي المقابل، يستمر الاستثمار، وتتغير طرق التجارة، وتبني الدول بدائلها.

إنها مرونة حقيقية.

لكن المرونة ليست مجانية.

العالم لم ينكسر تحت الصدمة؛ لكنه بدأ يكتشف أن مجرد البقاء واقفًا له فاتورة أيضًا.