اليوم 192: إيران توسّع حرب الممرات

news image

هرمز يدخل مسار تفاوض إقليمي، والحوثيون يصلون إلى ميون وباب المندب، ومسيرات من العراق تضرب «شرق–غرب»؛ فيما تضيق واشنطن مظلة حماية الناقلات وتظهر جبهة جديدة حول المعلومات الفضائية الصينية

 

12 سبتمبر 2026

متابعة وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
 

دخلت الحرب الأمريكية الإيرانية يومها الـ192 وقد تغيرت جغرافيتها.

لم تعد المواجهة تتركز بين واشنطن وطهران، ولا في مضيق هرمز وحده.

خلال ساعات، تعرض خط شرق–غرب السعودي لهجمات بطائرات مسيّرة انطلقت من العراق، وتقدم الحوثيون إلى جزيرة ميون عند باب المندب، فيما تستعد إيران للجلوس مع دول الخليج والعراق في سلطنة عُمان لمناقشة مستقبل الملاحة في هرمز.

ثلاثة مسارات للطاقة أصبحت في المشهد نفسه.

وهذه هي أهم دلالة في اليوم الجديد.

العراق يدخل الحرب

أكدت بغداد أن الطائرات المسيّرة التي استهدفت خط شرق–غرب انطلقت من الأراضي العراقية، وأمر رئيس الوزراء العراقي بفتح تحقيق وإعفاء قائد عسكري محلي، فيما أُغلقت معابر حدودية مع إيران بصورة احترازية.

السعودية اختارت عدم الرد في هذه المرحلة، ومنحت الحكومة العراقية فرصة لوقف الاعتداءات المنطلقة من أراضيها.

وهذا يعني أن الرياض فصلت حتى الآن بين الدولة العراقية والجهة التي نفذت الهجوم.

لكن هذا الفصل قد لا يستمر إذا تكرر الاستهداف، أو عجزت الحكومة العراقية عن ضبط الجماعات المسلحة الموالية لإيران.

الحوثيون عند الممر

في اليمن، حقق الحوثيون أخطر تقدم لهم منذ سنوات على الساحل الغربي، بالوصول إلى جزيرة ميون والسيطرة على مواقع عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر بعد تقدمهم في المخا وذباب.

ميون ليست مجرد جزيرة.

موقعها داخل باب المندب يجعل السيطرة عليها أداة ضغط مباشرة على السفن التي تعبر بين البحر الأحمر وخليج عدن.

وهكذا أصبحت إيران تملك ضغطًا مباشرًا في هرمز، بينما يملك حليفها الحوثي موقعًا متقدمًا عند الممر الآخر.

سرعة تقدم الحوثيين إلى تلك المناطق مثار دهشة؛ وقد تعكس ضعفًا في بعض خطوط الدفاع، أو إعادة تموضع متعمدة، أو حتى استدراجًا ميدانيًا لم تتضح صورته بعد.

هرمز إلى طاولة عُمان

وفي الاتجاه المعاكس للتصعيد، تستضيف سلطنة عُمان الاثنين اجتماعًا يضم إيران ودول الخليج الست والعراق لبحث ترتيبات مؤقتة للملاحة في مضيق هرمز.

طهران تقول إن الهدف هو تعزيز الأمن الإقليمي، فيما تدور المناقشات حول ممرات آمنة وآلية مؤقتة لإدارة حركة السفن.

وهنا تظهر مفارقة الحرب:

إيران تهدد على الممر، ثم تفاوض على كيفية استخدامه.

أي أن هرمز أصبح ورقة تفاوض.

أميركا تقلّص الحماية

وفي تطور مهم، عدّلت الولايات المتحدة آلية حماية السفن في هرمز، لتصبح المظلة الجوية متاحة خلال فترات عبور محددة بدل الحماية المستمرة.

وتقول واشنطن إن السبب عملياتي ومالي؛ فالحماية الجوية المتواصلة مكلفة وتستنزف الموارد، خصوصًا مع استمرار الهجمات الإيرانية الليلية.

لكن هذا التغيير يفتح سؤالًا أكبر:

هل يعني أن الولايات المتحدة بدأت تلمس حدود قدرتها على إخضاع إيران، أم أنه تكتيك جديد لإدارة المعركة وكبح اندفاع خصم جريح ما زال قادرًا على الإيذاء؟

الراجح أن الأمر يجمع الاثنين معًا؛ فواشنطن لم تتخلَّ عن حماية المضيق، لكنها انتقلت من الحماية المفتوحة إلى حماية محسوبة قابلة للاستمرار.

ومع حرب دخلت شهرها السابع، لم تعد القوة تُقاس فقط بحجم الضربات، بل بمن يستطيع الاستمرار أطول، وبأقل كلفة.

الصين تدخل الصورة

وفتح اليوم ملف آخر.وقال مسؤولون أمريكيون إن إيران حصلت على صور أقمار صناعية عالية الدقة من شركات صينية قبل ضربة يوليو التي استهدفت قاعدة أمريكية في الأردن وقتلت ثلاثة جنود، وربما استخدمت صورًا مماثلة لتحديد مواقع أخرى في المنطقة.

لا تتهم واشنطن الحكومة الصينية بالمشاركة المباشرة، لكنها ترى أن الصور ساعدت إيران على اختيار الأهداف وتقييم نتائج الضربات.

وإذا توسع هذا الملف، فقد تنتقل الحرب من المواجهة الأمريكية الإيرانية إلى اختبار جديد للعلاقة الأمريكية الصينية قبل لقاء ترامب وشي جين بينغ المقرر لاحقًا هذا الشهر.

كلفة البحر ترتفع

أسعار النفط بقيت فوق مستوى 100 دولار، لكن الخطر الجديد يظهر أيضًا في كلفة النقل.

أسعار استئجار ناقلات النفط العملاقة من خليج عُمان إلى آسيا قفزت إلى مستويات قياسية، ووصلت الكلفة الإضافية في بعض المسارات إلى ما يعادل نحو 11.5 دولارًا للبرميل.

أي أن الحرب لم تعد ترفع سعر النفط فقط.

إنها ترفع سعر نقله أيضًا.

وهذه الكلفة تنتقل في النهاية إلى الوقود والتضخم والفائدة والسلع في مختلف أنحاء العالم.

قراءة BETH

ما تفعله إيران الآن يبدو أكثر اتساعًا من محاولة إغلاق هرمز.

الصورة الجديدة تقوم على الضغط على شبكة البدائل كلها:

هرمز في الشرق.

باب المندب في الغرب.

وخط شرق–غرب بينهما.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل خطرًا على طهران نفسها؛ فكلما توسعت دائرة الضغط، توسعت معها دائرة الدول التي تصبح لها مصلحة مباشرة في إنهائه.

السعودية دخلت المشهد من العراق واليمن.

دول الخليج تدخل مفاوضات هرمز.

العراق يواجه للمرة الأولى بصورة مباشرة سؤال الميليشيات التي تستخدم أراضيه لضرب دولة مجاورة.

والولايات المتحدة تجد نفسها أمام حرب بحرية واقتصادية يصعب اختصارها بضربة عسكرية واحدة.

ماذا نراقب؟

خلال الساعات المقبلة، تبرز خمسة مؤشرات حاسمة: نتيجة التحقيق العراقي ومن يقف خلف إطلاق المسيّرات، موعد عودة خط شرق–غرب إلى التشغيل الكامل، اتجاه المعركة حول ميون وباب المندب، مخرجات اجتماع عُمان الاثنين، ثم نتائج اجتماع اللجان السياسية والعسكرية للدول المشاركة في اتفاق مكة: السعودية وتركيا وباكستان، والمقرر انعقاده في اليوم نفسه.

فإذا نجح اجتماع عُمان في فتح ممر مستقر عبر هرمز، تكون الدبلوماسية قد بدأت تنتزع جزءًا من الحرب من البحر.

وفي المقابل، قد تكشف اجتماعات اتفاق مكة كيف ستترجم الدول الثلاث تفاهماتها السياسية والدفاعية إلى تنسيق عملي في مواجهة اتساع التهديدات الإقليمية.

أما إذا فشلت المسارات الدبلوماسية، واستمر الضغط على باب المندب وخطوط الطاقة السعودية، فقد يدخل اليوم الـ192 التاريخ بوصفه اللحظة التي خرجت فيها الحرب من مضيق واحد، وبدأت تمتد إلى شبكة الطاقة كلها.

وربما تكشف هذه المرحلة أيضًا عن دول أو جهات تساهم في الحرب بدرجات مختلفة؛ عبر دعم إيران بالسلاح أو الإسناد اللوجستي، أو بالتساهل مع تحركات الحوثيين والأذرع الإيرانية الأخرى.

ويبقى السؤال الأخير: هل تستطيع واشنطن وحلفاؤها جرّ إيران حتى نهاية موسم الانتخابات الأمريكية، أم تستغل طهران فترة المهادنة لرفع كلفة الحرب وتحسين موقعها ؟

الراجح أن الطرفين يفعلان الأمر نفسه: أمريكا تشتري الوقت، وإيران تحاول تسعيره.

ترامب يبالغ في الثقة

قول ترامب إن «الحوثيين لا يريدون خوض قتال ضدنا» يحمل نبرة ثقة قد تتجاوز ما يسمح به الميدان.

فالسؤال ليس فقط: هل يريد الحوثيون قتال أمريكا؟
بل: من الذي يفرض على الآخر ساحة المعركة وشروطها؟

واشنطن لم تُنهِ بعد أزمة هرمز، بينما تمتد الضغوط الإيرانية إلى باب المندب والعراق وخطوط الطاقة.

وهنا تصبح بعض تصريحات ترامب عبئًا على قراءته للحرب؛ لأنها تختصر مشهدًا معقدًا في جملة متعالية، وقد تكشف من الضعف في التقدير أكثر مما تمنح من القوة.