اليوم 193: إيران تحاصر الممرات

news image

ضربة جديدة قرب هرمز، الحوثيون يثبتون ضغطهم عند باب المندب،  فيما تتحول الملاحة والطاقة إلى الجبهة الأكثر تأثيرًا في قرار واشنطن وطهران

 

13 سبتمبر 2026

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH

لم تعد الحرب الأمريكية الإيرانية تُقرأ اليوم بعدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا بعدد المواقع التي ضُربت.

في اليوم 193 أصبح السؤال أكثر خطورة:

من يستطيع التحكم في الطرق التي يمر عبرها اقتصاد المنطقة والعالم؟

فخلال أيام قليلة اجتمعت ثلاث نقاط كانت تبدو منفصلة: هرمز شرقًا، وباب المندب غربًا، وخط «شرق–غرب» السعودي بينهما.

ومع هجوم جديد على سفينة في مضيق هرمز، لم يعد هذا الترابط مجرد احتمال استراتيجي؛ بل أصبح صورة الحرب نفسها.

ضربة جديدة في هرمز

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية صباح الأحد تلقيها تقريرًا عن إصابة سفينة بمقذوف أثناء عبورها مضيق هرمز، فيما لم تتضح فورًا طبيعة الأضرار أو وضع الطاقم.

وفي الوقت نفسه قالت وسائل إعلام إيرانية إن سفينة تجارية إيرانية تعرضت لهجوم قبالة الساحل الجنوبي لإيران، وأسفر الهجوم بحسب الرواية الإيرانية عن مقتل شخص وإصابة ثلاثة آخرين.

الهجوم يأتي عشية تحرك دبلوماسي في عُمان يُفترض أن يبحث مستقبل الملاحة في المضيق.

أي أن هرمز يدخل المفاوضات وهو ما يزال يتعرض للنار.

وهذه رسالة واضحة:

الطرف الذي يملك القدرة على تعطيل الطريق، يريد أن يدخل غرفة التفاوض وهو ممسك بالطريق نفسه.

إيران تريد ثمن العبور

تستضيف عُمان غدًا الاثنين اجتماعًا يُفترض أن يجمع إيران وعددًا من دول الخليج والعراق لمناقشة مستقبل مضيق هرمز، لكن طهران بدأت مسبقًا بخفض سقف التوقعات.

مسؤول إيراني قال إن الاجتماع لا يُتوقع أن ينتهي باتفاق موقع، فيما تفيد المعطيات الإيرانية بأن تفاهمًا أوليًا مع مسقط يضع أساسًا لترتيبات مستقبلية للعبور، لكنه لا يعني إعادة فتح المضيق فورًا.

الأكثر أهمية أن إيران تريد أن يتضمن أي ترتيب اعترافًا بدور لها في إدارة الملاحة وفرض رسوم على السفن العابرة، وهو ما ترفضه واشنطن وتتحفظ عليه عُمان.

وهنا تتجاوز المعركة قضية فتح المضيق.

السؤال أصبح:

هل تستطيع إيران تحويل القوة العسكرية التي استخدمتها لتعطيل هرمز إلى حق سياسي دائم في التحكم به؟

إذا حدث ذلك، فستكون طهران قد حاولت تحويل الحرب من خسائر عسكرية واقتصادية إلى نفوذ قانوني وسياسي على أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

باب المندب يضيق

على الجانب الآخر من الجزيرة العربية، يتقدم الحوثيون في المشهد بسرعة لا تقل أهمية عن تطورات هرمز.

فبعد السيطرة على جزيرة ميون «بريم» الواقعة في منتصف باب المندب، أصبحت الجماعة في موقع يسمح لها بزيادة الضغط على أحد أهم الممرات بين البحر الأحمر وخليج عدن.

وتزداد أهمية هذه الجبهة لأن باب المندب يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية ونحو 7% من إمدادات النفط ..

بذلك تصبح الصورة شديدة الوضوح:

هرمز مهدد من إيران.

باب المندب مهدد من الحوثيين التابعين لإيران.

وبينهما تقع المملكة، أكبر مصدر للنفط في العالم.

ولذلك لم يعد التقدم الحوثي شأنًا يمنيًا داخليًا.

لقد أصبح جزءًا مباشرًا من حسابات الحرب الأمريكية الإيرانية.

السعودية بين المضيقين

الهجوم على خط «شرق–غرب» السعودي منح هذه المعادلة بعدًا أخطر.

فالخط الممتد لنحو 1200 كيلومتر كان ينقل خلال الحرب ما بين أربعة وخمسة ملايين برميل يوميًا من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر، بما يعادل نحو 4 إلى 5% من الإمدادات العالمية، وأصبح طريقًا حيويًا بعدما تعطلت الملاحة الطبيعية عبر هرمز.

لكن الطائرات المسيّرة التي أطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت الخط نقلت الحرب من محاولة تعطيل الممرات البحرية إلى استهداف الطريق البري البديل نفسه.

وهنا تكمن حساسية الهجوم.

فعندما يُضغط على هرمز، تستطيع السعودية التحول غربًا.

وعندما يُهدد باب المندب، تصبح صادرات البحر الأحمر أكثر صعوبة.

وعندما يُضرب «شرق–غرب» نفسه، فإن الضغط يصبح على شبكة الطاقة السعودية، لا على منفذ واحد.

الأحداث كشفت أن بعض دول الخليج، ومعها دول عربية أخرى، دخلت الأزمة بقدرة أقل من حجم المخاطر المحيطة بها؛ بعضها ظل مترددًا، وبعضها انتظر حماية الخارج، وبعضها لم يطور أدوات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية تتناسب مع موقعه.

العراق أمام الاختبار

بغداد تحركت سريعًا بعد تأكيد انطلاق المسيّرات من أراضيها.

أقالت قائدًا عسكريًا ومسؤولًا أمنيًا في محافظة ميسان قرب الحدود الإيرانية، وأغلقت المعبر الحدودي الرئيس هناك، في محاولة لإثبات أن الدولة العراقية لا تقبل استخدام أراضيها لضرب المملكة.

السعودية من جانبها اختارت عدم الرد في هذه المرحلة، استجابة لطلب رئيس الوزراء العراقي، لكنها أكدت احتفاظها بحق اتخاذ ما يلزم لحماية سيادتها وأمنها ومنشآتها الحيوية.

هذا القرار لا يبدو تراجعًا.

بل هو في حقيقته اختبار للدولة العراقية.

هل تستطيع بغداد منع الجماعات المسلحة من تحويل العراق إلى منصة حرب إيرانية خارج سيطرة الحكومة؟

فإن نجحت، تكون قد أغلقت إحدى أخطر جبهات التوسع.

وإن فشلت، فلن يبقى أمام الرياض سبب طويل للفصل بين الأرض التي ينطلق منها الهجوم والجهة التي تقف خلفه.

ترامب وإيران: من يشتري الوقت؟

قال ترامب إن إيران «على الأرجح» تقف خلف الهجوم على خط الأنابيب السعودي، لكنه لم ينتقل من الاتهام إلى قرار عسكري مباشر. كما قال إن الحوثيين أبلغوا إدارته أنهم لا يريدون دخول الولايات المتحدة في قتال معهم.

وهنا يظهر التناقض الذي يزداد وضوحًا منذ أيام.

ترامب يتحدث بثقة عن اقتراب الحل.

لكن الوقائع تتسع:

هرمز لم يُفتح.

الحوثيون تقدموا.

«شرق–غرب» تعرض للهجوم.

والنفط عاد فوق 100 دولار.

حتى الخطة الأمريكية القائمة على إبقاء الحرب منخفضة الكلفة بدأت تتعرض للاهتزاز؛ لأن إيران لم تعد تحتاج إلى ضرب الولايات المتحدة مباشرة في كل مرة، بل يكفي أن تجعل الاقتصاد الأمريكي يدفع ثمن استمرار الحرب.

وفي الداخل الإيراني يتقاسم المشهد دعاة السلام ودعاة الحرب؛ وربما لا يكون التناقض بينهما حقيقيًا بقدر ما هو توزيع للأدوار. فطهران تجيد المماطلة وكسب الوقت، مع إبقاء صورة القوة ، وباب التفاوض مواربًا.

النفط يدخل المعركة

وكالة الطاقة الدولية حذرت من اتساع فجوة الإمدادات العالمية، وقالت إن المخزونات تؤدي دورًا متزايدًا في موازنة السوق، لكنها تتآكل بسرعة.

وبحسب الوكالة، هبط إنتاج السعودية في أغسطس إلى نحو ستة ملايين برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من ثلاثة عقود، وسط اضطرابات المنشآت ومسارات الشحن.

وهذا يعني أن الحرب لم تعد ترفع سعر برميل النفط فقط.

إنها تضغط في الوقت نفسه على:

الإنتاج.

والنقل.

والتأمين.

والتكرير.

والمخزونات.

ولهذا يصبح كل هجوم صغير على سفينة أو خط أنابيب قادرًا على إنتاج أثر اقتصادي أكبر بكثير من حجمه العسكري.

إيران تغيّر مفهوم الحصار

الحصار عادة يُفرض على الدولة.

لكن إيران تحاول قلب المعادلة:

إذا لم تستطع كسر الحصار الأمريكي المفروض عليها، فهي تستطيع أن تجعل المنطقة كلها تشعر بشيء من أثره.

تضرب الاقتصاد من البحر.

وتضغط عبر الحوثيين غربًا.

وتستفيد من جماعات مسلحة داخل العراق.

ثم تدخل المفاوضات وتقول:

إذا أردتم عودة الطرق، فهناك ثمن.

وهذه ليست قوة بلا حدود.

إيران نفسها تعاني اقتصاديًا وعسكريًا، وضُربت منشآتها وقواتها وشبكاتها، لكن طهران تحاول تعويض اختلال ميزان القوة التقليدي بما تجيده أكثر:

توزيع الألم.

قراءة BETH | الحرب على الخريطة

قبل أشهر كان من الممكن رسم الحرب على خريطة إيران.

اليوم لم يعد ذلك ممكنًا.

الخريطة أصبحت تبدأ من الخليج العربي، وتمتد عبر السعودية والعراق واليمن، وتنتهي عند البحر الأحمر.

وهذا التحول قد يكون في الوقت نفسه أقوى أوراق إيران وأخطر أخطائها.

فكلما وسعت طهران مساحة الضغط، زادت قدرتها على إيذاء خصومها.

لكنها في الوقت ذاته توسع عدد الدول التي يصبح لها مصلحة مباشرة في إنهاء قدرتها على فعل ذلك.

السعودية تدخل أكثر في المعركة.

العراق يصبح مطالبًا بحسم موقفه من السلاح خارج الدولة.

دول الخليج تجد نفسها أمام سؤال هرمز.

واشنطن تجد نفسها أمام باب المندب.

والعالم يدفع الفاتورة عند محطة الوقود.

أي أن استراتيجية توسيع الضغط قد تمنح إيران نفوذًا تفاوضيًا قصير الأجل، لكنها قد تبني ضدها تحالف مصالح أوسع مما كانت تواجهه في بداية الحرب.

ماذا نراقب؟

الساعات المقبلة تحمل خمسة مؤشرات حاسمة:

أولًا: حجم الأضرار الناتجة عن الهجوم الجديد في هرمز، وما إذا كان بداية موجة جديدة ضد السفن.

ثانيًا: ما إذا كان خط «شرق–غرب» سيعود سريعًا إلى كامل طاقته، أم أن الهجوم أحدث أثرًا تشغيليًا أطول.

ثالثًا: الخطوة السعودية التالية إذا تكرر إطلاق المسيّرات من العراق.

رابعًا: وضع جزيرة ميون وباب المندب، وهل يبدأ تحرك عسكري لاستعادتها.

خامسًا: اجتماع عُمان غدًا؛ ليس لأنه سيُنهي الحرب، بل لأنه سيكشف لأول مرة بصورة أوضح الثمن الذي تطلبه إيران لإعادة هرمز إلى العالم.

والأهم من كل ذلك:

إذا استطاعت طهران ربط فتح هرمز بقبول شروط سياسية أمريكية، فإن المضيق يتحول من ممر دولي إلى ورقة مساومة.

وإذا فشلت، واستمرت الهجمات، فقد تنتقل الحرب إلى مستوى جديد تكون فيه حماية طرق الطاقة هدفًا عسكريًا مستقلًا عن الحرب على إيران نفسها.

اليوم 193

أمريكا ما تزال أقوى عسكريًا.

وإيران ما تزال أضعف.

لكن الحرب لا تُحسم دائمًا بالسؤال:

من الأقوى؟

أحيانًا تُحسم بسؤال آخر:

من يستطيع أن يجعل استمرارها أكثر إيلامًا للطرف الآخر؟

وفي اليوم 193، تبدو إيران وكأنها تراهن على أن الممرات تستطيع أن تفعل ما لم تفعله الصواريخ:

أن تنقل ضغط الحرب من ساحتها إلى اقتصاد خصومها.

ويبقى السؤال:

هل تضطر واشنطن إلى دفع ثمن فتح الطرق، أم تقرر أن الطريق إلى إنهاء الحصار يمر هذه المرة عبر توسيع الحرب؟