ما يتركه الغياب

news image

كتب: عبدالله العميره

ليس الغياب دائمًا طريقًا إلى النسيان.

أحيانًا يفعل العكس تمامًا.

كلما ابتعد شخص، ازداد حضوره في الذاكرة؛ لأن العقل لا يتعامل مع الغياب كفراغ فقط، بل يبدأ بملئه بالصور والكلمات والمواقف.

نستعيد ما قيل، وما لم يُقل، وما كان يمكن أن يحدث؛ وكأن الغياب يوقظ في الذاكرة كلامًا لم يُكتب له أن يُقال.

ولعل الشعر عبّر عن هذا المعنى :

ولي فيك ما لم يقل قائلٌ
وما لم يسر قمرٌ حيث سارا

فلو خُلق الناس من دهرهم
لكانوا الظلام وكنت النهارا.

قد يصبح الغائب، في بعض المراحل، أكثر حضورًا من الحاضر.

لكن الزمن يعمل في الاتجاه الآخر أيضًا.

ما لا نراه طويلًا، ولا نسمعه، ولا نعيشه من جديد، يبدأ بالتراجع داخلنا. تخف التفاصيل، ثم تتغير المشاعر، حتى نكتشف أن ما كان يؤلمنا كل يوم أصبح ذكرى تمر من بعيد.

فماذا يفعل الغياب إذن؟

يعزز الاشتياق حين يكون الرابط حيًا، ويساعد على النسيان حين يتوقف ذلك الرابط عن التجدد.

وهنا تصبح العودة بعد الفراق أكثر اللحظات صدقًا.

فنحن لا نعود إلى الشخص وحده؛ نعود أيضًا إلى الصورة التي احتفظنا بها عنه طوال غيابه.

وقد تكون المفاجأة أن الصورة بقيت، بينما الإنسان تغيّر.

أو أن الإنسان بقي كما هو، بينما نحن الذين تغيرنا.

ولهذا ليست كل عودة استئنافًا لما انقطع.

بعض العائدين يعيدون إلى القلب شعوره القديم في لحظة.

وبعضهم يجعلنا ندرك أن الغياب لم يكن انتظارًا، بل كان شفاءً بطيئًا لم ننتبه إليه.

ربما لهذا لا تكون المسافة الحقيقية بين شخصين بعدد الأيام التي افترقا فيها.

بل بمقدار ما تغيّر كل واحد منهما أثناء الغياب.

فالاشتياق يقول إن شيئًا ما زال حيًا.
والنسيان يقول إن الحياة استطاعت أن تمضي.
أما العودة، فهي التي تكشف أيهما كان أقوى.

وفي هذه المشاعر ما يجدد فينا القدرة على المضي، ويمنح الأمل مساحة جديدة:

أُعَلِّلُ النَّفْسَ بِالآمَالِ أَرْقُبُهَا
مَا أَضْيَقَ العَيْشَ لَوْلا فُسْحَةُ الأَمَلِ.

فبالأمل تتعافى الروح من بعض آلامها، وتستعيد رغبتها في الحياة والعمل والإبداع.

وبين ما يتركه الغياب من أسى، وما يعيده الحضور من دفء، يبقى العقل الواعي قادرًا على أن يوازن بين الحنين والواقع؛ فلا يقتل الاشتياق، ولا يسمح له أن يوقف الحياة.

_____

الصورة: ليس كل بابٍ مفتوح يعني أننا مستعدون للمغادرة؛ أحيانًا يبقى القلب متمسكًا بمكانه، بينما يفكر العقل في الرحيل.