استفزاز
كتب: عبدالله العميره
ليست كل كلمة تستفزنا سيئة.
بعض الكلمات تغضبنا، وبعضها يوقظنا.
في أصلها، تعني إثارة رد فعل؛ أن يخرجك شيء من هدوئك المعتاد إلى حركة، أو موقف، أو فكرة ما كانت لتظهر لولاه.
قد يكون الاستفزاز مؤذيًا حين يضغط على جرح، أو يهين كرامة، أو يستدعي غضبًا يستهلكنا. وفي هذه الحالة، تكون المواجهة الأذكى ألا نمنحه رد الفعل الذي يبحث عنه؛ بل نحفظ هدوءنا، ونمضي.
قد يرى البعض في ذلك انسحابًا أو استسلامًا، لكنه في كثير من الأحيان حكمة؛ فليس كل صمت ضعفًا، ولا كل تجاهل هروبًا. وأحيانًا تكون القوة في أن نعرف أي معركة تستحق أن ندخلها، وأي استفزاز يكفيه أن يبقى عند صاحبه، لا أن نحمله معنا.
علّمتني الحياة، ولا سيما الحياة الصحفية، ألّا أهمل سطرًا جميلًا يختبئ بين سطرين مستفزين؛ فكثيرًا ما يكون الجمال الخفي أقدر على البقاء من السوء الظاهر.
فالاستفزاز لا ينبغي أن يعمينا عمّا يستحق أن نراه؛ والجمال، متى وجد من يؤمن به ويعمل له، يجد طريقه إلى الظهور، إلا إذا أصر القبح على احتلال المشهد كله.
وقد يكون، في المقابل، شرارة إبداع.
كلمة تقول لك: لا تستطيع.
فلا تنشغل بصاحبها، بل تبدأ في اكتشاف ما تستطيع.
سؤال يربك يقينك.
فتعيد التفكير.
فكرة تخالفك.
فتبحث أكثر.
أو حتى ملاحظة صغيرة لا تعجبك، لكنها تجبرك على أن تعود إلى ما صنعت، فتراه بعين جديدة.
هنا يتحول الاستفزاز من اعتداء على الهدوء إلى تحريك للعقل.
ويشير علم النفس إلى أن الإنسان لا يقدم أفضل ما لديه دائمًا في الراحة الكاملة؛ فقدر من التحدي والضغط قد يرفع الانتباه ويستدعي قدرات كانت ساكنة، لكن حين يتجاوز الضغط حدّه، ينقلب من حافز إلى استنزاف.
إذن الفرق ليس في الاستفزاز وحده، بل في ما نفعله به.
هناك من يستفزك فيسحبك إلى مستواه.
وهناك من يستفزك، من حيث لا يدري، فيدفعك إلى مستوى أعلى.
الأول ينتصر إذا أغضبك.
وفي الثانية تخسر أنت إذا لم تستفد مما أيقظه فيك.
ولعل النضج يبدأ حين نتوقف عن سؤال:
لماذا قالها؟
ونسأل بدلًا منه:
ماذا أستطيع أن أفعل بما قاله؟
فبعض الإبداع لم يبدأ بإلهام جميل، بل بملاحظة مزعجة.
وبعض النجاحات لم تبدأ بتشجيع، بل بتقليل من القدرة.
وبعض الأفكار الكبيرة ولدت لأن أحدًا حرّك في داخلنا شيئًا لم نكن نعرف أنه ينتظر من يوقظه.
ليس المطلوب أن نحب الاستفزاز.
ولا أن نبحث عمن يسيء إلينا كي نبدع.
بل أن نمتلك تلك المسافة الصغيرة بين ما يصل إلينا وما نسمح له أن يصنعه فينا.
هناك تكمن الحرية.
فيمكن للكلمة نفسها أن تصبح جرحًا، أو وقودًا.
ويمكن للموقف نفسه أن يعطلك، أو يفتح لك بابًا لم تكن تفكر فيه.
الاستفزاز السلبي يريد منك رد فعل.
أما الاستفزاز الإيجابي، فيمنحك فكرة.
وربما أجمل انتصار على ما يستفزنا ألا نرد عليه بالغضب، بل أن نصنع بسببه شيئًا أفضل مما كنا سنصنعه من دونه.
فبعض من يستفزوننا لا يعرفون أنهم، من حيث لا يقصدون، يوقظون أجمل ما فينا.