صحافة العالم اليوم 15 سبتمبر | عيون BETH

news image

النفط والحرب يعيدان ترتيب أولويات الصحافة الدولية؛ لندن تقرأ السعودية من زاوية الضغط، باريس تواصل البناء على رواية التمدد الحوثي رغم تحرك الميدان في الاتجاه المقابل، واشنطن تدقق في رواية هرمز، وأوروبا تعود إلى أوكرانيا والطاقة، فيما تتقدم زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة على الأجندة الإقليمية

 

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

لم تعد حرب إيران ملفًا إقليميًا في الصحافة العالمية.

منذ صباح اليوم، أصبحت الطاقة، وأسعار الفائدة، والتضخم، والملاحة، واليمن، والسعودية أجزاء من قصة واحدة.

برنت عاد فوق 108 دولارات للبرميل، وعوائد السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات تجاوزت 5% للمرة الأولى منذ 2007، والأسواق العالمية تراجعت تحت ضغط الخوف من أن يتحول ارتفاع الطاقة إلى موجة تضخم جديدة تجبر البنوك المركزية على مزيد من التشدد.

لكن قراءة الصحافة نفسها تكشف شيئًا آخر:

ليس كل من يكتب عن الحرب يرى الميدان في اللحظة نفسها.

لندن | السعودية تحت العدسة

خصصت فايننشال تايمز اليوم مساحة واسعة للسعودية، لكنها بنت جزءًا كبيرًا من قراءتها على فكرة أن «حلفاء إيران يضغطون المملكة من كل الجبهات»، وربطت بين اليمن، وخط شرق–غرب، وهجمات العراق، وباب المندب. وفي مقال آخر رأت أن اتساع الحرب أصبح اختبارًا لكل من ترامب ومحمد بن سلمان.

المعلومة مهمة، لكن زاوية النظر تحتاج إلى تحديث.

فالصحيفة تركز على ما حققه الحوثيون خلال اندفاعتهم الأولى، بينما التطور الأحدث ميدانيًا هو أن القوات اليمنية بدأت استعادة مواقع غربي تعز، وأن الغارات الجوية تستهدف التعزيزات وخطوط الحركة، بالتوازي مع رفع مستوى التنسيق السعودي الأمريكي بعد اجتماع ولي العهد بقائد CENTCOM.

وهذا لا يلغي الضغط على السعودية، لكنه يغير السؤال:

ليس فقط كم تقدم الحوثي؟

بل:

هل يستطيع الاحتفاظ بما أخذه بعدما بدأ الطرف المقابل تنظيم الرد؟

هذه الفجوة بين «صورة التقدم» و«مرحلة تثبيت التقدم» لا تزال غائبة نسبيًا عن بعض التغطيات البريطانية.

باريس | الرواية تسبق الميدان

لوموند تواصل اليوم تقديم الحوثيين بوصفهم القوة التي عززت نفوذها على باب المندب والساحل والجزر، وتذهب إلى أن الجماعة تريد استخدام المضيق لتكريس شرعية ونفوذ يتجاوزان الحرب اليمنية.

هذه قراءة مفهومة من زاوية الأيام الماضية، لكنها تصبح أقل اكتمالًا حين تُقرأ وحدها.

فالميدان لم يتوقف عند الصورة التي اكتملت يوم 12 أو 13 سبتمبر.

القوات الحكومية أعلنت لاحقًا استعادة مواقع في تعز، والعمليات الجوية تتصاعد، وهناك محاولة واضحة لمنع الحوثيين من تحويل الاندفاعة إلى سيطرة مستقرة.

ولهذا فإن توصيف «السيطرة» على باب المندب أو بعض الجزر يجب أن يُقرأ بحذر أكبر؛ لأن هناك فارقًا بين الوصول، والانتشار، والقدرة على البقاء تحت تفوق جوي وبحري مضاد.

والأهم أن باب المندب نفسه لم يتحول حتى الآن إلى هرمز آخر؛ حركة الملاحة تراجعت، لكنها لم تُشل.

واشنطن | حرب الأرقام في هرمز

واشنطن بوست اختارت زاوية مختلفة وأكثر دقة: ليس من يسيطر على هرمز سياسيًا، بل كم سفينة تعبر فعلًا؟

الصحيفة قارنت تصريحات ترامب عن حجم الحركة بما ترصده شركات تتبع الملاحة، وأظهرت فجوة كبيرة بين الخطاب السياسي والأرقام المتاحة تجاريًا، مع الاعتراف في الوقت نفسه بأن بعض السفن تعبر من دون تشغيل أجهزة التعريف.

وهذه واحدة من أكثر زوايا التغطية الأمريكية ذكاء اليوم.

فهرمز أصبح حرب روايات بقدر ما هو أزمة ملاحة.

واشنطن تريد إظهار أن الممر يعمل.

وطهران تريد إظهار أن المرور لا يحدث إلا تحت ضغطها وشروطها.

أما السوق فلا يهتم بمن يكسب الجملة الإعلامية؛ بل بعدد البراميل التي تصل في موعدها.

والرقم الأحدث المتاح يشير إلى مرور أربع سفن تجارية للسلع فقط الاثنين، مقابل عشر في اليوم السابق، وهو مستوى شديد الانخفاض مقارنة بما قبل الحرب.

ترامب | النفط يدخل الانتخابات

الحرب بدأت تدخل السياسة الأمريكية من باب لا يحتاج إلى شرح طويل:

سعر الوقود.

عائد السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات تجاوز 5%، والأسواق باتت تتوقع بدرجة كبيرة رفع الاحتياطي الفيدرالي للفائدة، بينما يطالب ترامب بالعكس تمامًا: أسعار فائدة أقل.

وهنا تظهر مفارقة جديدة.

ترامب يريد الضغط على إيران حتى تتراجع، لكنه لا يريد أن يتحول الضغط نفسه إلى نفط أغلى، وتضخم أعلى، وفائدة أعلى قبل انتخابات التجديد النصفي.

ولهذا بدأ يضغط أيضًا على أوكرانيا لوقف ضرب المصافي الروسية، رابطًا تلك الضربات بارتفاع الديزل الأمريكي، بينما تشير القراءة الاقتصادية الأوسع إلى أن أزمة الشرق الأوسط نفسها عامل أساسي في ارتفاع أسعار الطاقة.

الحرب الإيرانية إذن بدأت تدخل الصندوق الانتخابي الأمريكي عبر محطة الوقود.

أوروبا | هدنة الطاقة لا تصمد ساعات

أوروبا عادت صباح اليوم إلى أوكرانيا.

ترامب قال إن روسيا وأوكرانيا وافقتا على عدم ضرب منشآت الطاقة، وزيلينسكي أبدى استعدادًا لإجراءات متبادلة لخفض التصعيد إذا التزمت موسكو.

لكن صباح اليوم نفسه شهد ضربة روسية بطائرة مسيرة على محطة وقود في كييف، إضافة إلى منشآت تخزين.

وهنا تتكرر مشكلة أصبحت مألوفة في هذه الحرب:

الإعلان السياسي يسبق الاتفاق التنفيذي.

لا توجد حتى الآن آلية واضحة للرقابة، ولا تعريف متفق عليه للمنشآت التي يشملها وقف الهجمات، ولا ضمان بأن موسكو وكييف تفسران الالتزام بالطريقة نفسها.

وفي الخلفية، أوروبا نفسها تعاني انقسامًا حول العقوبات؛ الاتحاد الأوروبي لم يتمكن من الاتفاق على تمديد كامل لبعض الإجراءات ضد روسيا، واضطر إلى تمديدها أسبوعًا فقط بينما تستمر الخلافات الداخلية.

بكين | إيران قبل لقاء ترامب

الصين حاضرة اليوم في أكثر من ملف.

زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين الأربعاء تأتي قبل اللقاء المرتقب بين شي جين بينغ وترامب في 24 سبتمبر، وفي وقت تحتاج فيه طهران إلى الصين كسوق للنفط وغطاء سياسي وقناة لا يمكن تجاهلها في علاقتها مع واشنطن.

لكن بكين تواجه معادلة دقيقة:

تريد إيران شريكًا، ولا تريد هرمز مختنقًا.

ومن ناحية أخرى، خرجت الصين من قمة BRICS في نيودلهي بموقع أكثر قوة داخل المجموعة، بينما تستمر خلافاتها مع الهند حول أدوات الدفع والهيمنة الصينية المحتملة على البنية المالية الجديدة.

وقبل لقاء شي–ترامب، تبرز ثلاثة ملفات متداخلة:

التجارة.

إيران.

والذكاء الاصطناعي.

فالتوتر التكنولوجي تصاعد أيضًا بعد تبادل اتهامات جديدة بشأن تطوير الذكاء الاصطناعي والقيود الأمريكية على الرقائق، فيما يرفض ترامب الدعوات إلى تشديد تنظيم القطاع خشية منح الصين أفضلية.

السعودية في الصحافة العالمية

السعودية هي اليوم أكثر دولة خليجية حضورًا في الصحافة الدولية.

لكن طريقة تقديمها تنقسم إلى صورتين.

الأولى تصور المملكة باعتبارها تحت ضغط متزامن من هرمز واليمن وخط شرق–غرب وارتفاع أسعار النفط.

والثانية،  صورة الدولة التي بدأت إعادة ترتيب أدوات الرد والتحالفات.

اجتماع محمد بن سلمان مع قائد CENTCOM أمس لا يزال حاضرًا في التغطيات، واليوم يتوجه ولي العهد إلى مصر في زيارة عمل يلتقي خلالها الرئيس عبدالفتاح السيسي لبحث العلاقات والتطورات الإقليمية.

وهنا ينبغي ملاحظة التسلسل:

لقاء قائد القوات الأمريكية.

ثم القاهرة.

وفي الوقت نفسه عمليات يمنية مضادة واجتماع لمجلس الأمن حول باب المندب.

ليس لدينا ما يسمح بجمع هذه الوقائع في «خطة» معلنة، لكن التعامل معها كأحداث منفصلة تمامًا سيكون سطحيًا أيضًا.

هناك نشاط سياسي وعسكري متزامن حول السعودية واليمن والبحر الأحمر، والأيام المقبلة ستكشف إلى أي مدى يرتبط بعضه ببعض.

كما أن زيارة وزير الطاقة الأسترالي المرتقبة إلى السعودية لمناقشة أمن الإمدادات تعكس تحول الرياض مجددًا إلى مركز اتصالات عالمي حول أمن الطاقة، لا مجرد طرف متضرر من الأزمة.

موجز الصحافة العربية | من المحيط إلى الخليج

الصحافة العربية تنقسم اليوم بصورة واضحة.

صحف الخليج تركز على الهجمات ضد المدن السعودية، وإصابة 13 مدنيًا، وضرورة الرد وحماية البنية التحتية.

وسائل أخرى تركز على الاندفاعة الحوثية وباب المندب، وبعضها يكرر توصيفات «السيطرة» بصورة أسرع من تغيرات الميدان نفسها.

أما الصحافة القريبة من إيران فتدفع برواية أن طهران باتت صاحبة شروط، وأن الممرات منحتها موقعًا تفاوضيًا أعلى.

لكن تطورًا واحدًا يزعج هذه الرواية:

اجتماع مسقط لم ينعقد.

فلو كانت طهران قد نجحت بالفعل في تحويل هرمز إلى اعتراف إقليمي بدورها الجديد، لكان الاجتماع أحد أهم أدوات تثبيت ذلك.

تأجيله أظهر أن القدرة على تعطيل الممر شيء، والحصول على شرعية لإدارته شيء آخر.

داخل العواصم | لكل بلد همّه

في واشنطن: النفط، الفائدة، والانتخابات بدأت تتداخل.

في لندن وباريس: الخوف الأكبر هو انتقال صدمة النفط إلى التضخم والنمو قبل الشتاء.

في بكين: المطلوب حماية الإمدادات من دون خسارة إيران، والاستعداد في الوقت نفسه للقاء ترامب.

في موسكو وكييف: الطاقة نفسها أصبحت ورقة تفاوض وحرب.

في الرياض: المعركة لم تعد فقط منع الضرر؛ بل منع الهجوم الحوثي من أن يتحول إلى واقع عسكري دائم على الساحل.

وفي طهران: السؤال الأصعب هو كيف تتحول القدرة على الإزعاج إلى مكسب سياسي قبل أن تتحول كلفة الإزعاج إلى عبء داخلي.

عين BETH

اللافت اليوم ليس فقط اختلاف مواقف الصحف.

اللافت هو اختلاف سرعتها عن الميدان.

بعض التغطيات الغربية لا تزال تبني تحليلاتها على خريطة اليمن التي تشكلت خلال الاندفاعة الحوثية قبل أيام، بينما الأرض بدأت تتحرك بالفعل.

وبعضها يتعامل مع تعطل هرمز بوصفه دليل قوة إيرانية، من دون أن يسأل حتى الآن السؤال المقابل:

ماذا حصلت إيران مقابل كل هذا التعطيل؟

وبعض الإعلام الأمريكي يلاحق أرقام ترامب عن السفن، بينما القضية الأكبر هي أن أكبر قوة بحرية في العالم لم تستعد حتى الآن مرورًا طبيعيًا في واحد من أهم الممرات الدولية.

وهنا تتضح المشكلة:

الخبر قد يكون صحيحًا، لكن الصورة التي يُبنى عليها التحليل قد تكون قديمة.

وهذا أكثر ما ينبغي الحذر منه في حرب تتغير خرائطها أسرع من دورة نشر صحيفة.

رؤية BETH

إذا أردنا اختصار صحافة العالم هذا الصباح في جملة واحدة:

الحرب لم تعد تُقاس بعدد الصواريخ، بل بما تفعله بالطاقة والتجارة والسياسة والانتخابات.

إيران ما زالت قادرة على خلق أزمة.

والولايات المتحدة ما زالت تمتلك التفوق العسكري الأكبر.

لكن لا واحدًا من هذه المعطيات يكفي وحده لتحديد النتيجة.

الاختبار بدأ يتحول الآن من:

من يستطيع أن يعطل؟

إلى:

من يستطيع أن يحول ما فعله إلى واقع يستمر؟

وهنا ستظهر خلال الأيام المقبلة الفجوة بين قوة الحدث، وقوة النتيجة.