اليوم 195: من الاحتواء إلى الاستعادة؟
القوات اليمنية تستعيد مواقع غربي تعز وتواصل التقدم تحت غطاء جوي، واجتماع الأميرمحمد بن سلمان بقائد CENTCOM يرفع مستوى التنسيق في توقيت حساس؛ هرمز يزداد اختناقًا، وطهران ترفع سقف خطابها بعدما تراجعت واشنطن عن استعجال الاتفاق
15 سبتمبر 2026
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
المعلومة الأهم في صباح اليوم الـ195 ليست تصريحًا إيرانيًا جديدًا، ولا رقمًا آخر لحركة السفن في هرمز.
إنها أن الميدان اليمني بدأ يتحرك في الاتجاه المعاكس.
القوات المسلحة اليمنية أعلنت استعادة مواقع تسلل إليها الحوثيون غربي تعز، والتقدم باتجاه غيل بني عمر، مع استعادة مواقع مطلة على جبل جرداد في مديرية الشمايتين، بالتزامن مع غارات جوية على تجمعات وتعزيزات للجماعة. وهي امتداد لتحركات سبقتها في الكدحة والجوف والحديدة، بما يشير إلى أن ما يجري لم يعد مجرد صد هجمات متفرقة.
وهنا تبدأ قراءة اليوم.
الحوثي اندفع سريعًا خلال الأيام الماضية مستفيدًا من عنصر المفاجأة واتساع الجبهة؛ لكن الاحتفاظ بالأرض يختلف عن الوصول إليها.
كلما تحولت الحركة الحوثية من الجبال والمواقع المحصنة إلى طرق مفتوحة وسواحل ومناطق يمكن رصدها، زادت حاجتها إلى الإمداد، وازدادت في المقابل فرص استهدافها من الجو.
ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: إلى أين وصل الحوثيون؟
بل:
هل بدأ الجيش اليمني والتحالف الآن مرحلة استعادة ما فُقد؟
تعز تكشف التحول
تعز مهمة لأنها ليست مجرد جبهة محلية.
التقدم غربها يضغط على المسارات التي تربط الداخل بالساحل، ويهدد قدرة الحوثيين على تثبيت أي مكاسب باتجاه المخا وباب المندب.
ومنذ بداية سبتمبر أعلنت القوات الحكومية عمليات على أكثر من محور، وسيطرة على مواقع جديدة وإسقاط مسيرات وضرب تجمعات وتعزيزات حوثية. واللافت أن رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي تحدث مبكرًا عن «انتزاع زمام المبادرة» في الجوف والبيضاء وتعز والحديدة.
المصطلح هنا مهم.
هناك فرق بين الدفاع عن موقع، وبين محاولة استعادة المبادرة.
وما سيحدد صدقية هذا التحول ليس البيانات، بل قدرة القوات اليمنية خلال الأيام المقبلة على مواصلة التقدم وربط الجبهات، ومنع الحوثيين من تثبيت خطوط إمداد جديدة.
اجتماع لا يُقرأ منفردًا
وفي وسط هذا المشهد، استقبل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في جدة قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر.
البيان السعودي قال إن الاجتماع تناول العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية. وهذه هي المعلومة الرسمية التي يمكن الجزم بها.
لكن التحليل يبدأ من التوقيت.
قائد CENTCOM لا يأتي إلى جدة في لحظة عادية؛ المنطقة تعيش مواجهة أمريكية إيرانية، وهرمز مضطرب، والسعودية تعرضت لهجمات، واليمن عاد إلى الحرب المفتوحة، وباب المندب دخل مجددًا الحسابات العسكرية.
ولهذا لا نحتاج إلى اختراع ما دار خلف الأبواب المغلقة حتى نفهم الدلالة:
مستوى التنسيق ارتفع.
والأرجح أن ما يهم الطرفين الآن ليس فقط اعتراض الصواريخ والمسيّرات، بل الصورة الأوسع: الاستطلاع، الإنذار المبكر، حركة القوات، حماية طرق الطاقة، وقراءة ما يجري في اليمن ضمن المسرح الإقليمي كله.
وهنا تظهر نقطة مهمة:
قد يكون ما نشاهده الآن مرحلة إعداد للميدان أكثر منه اندفاعًا إلى معركة كبرى.
فالعمليات العسكرية الناجحة لا تبدأ عادة بالهجوم؛ تبدأ بحرمان الخصم من القدرة على الحركة والإمداد، ثم اختيار المكان والوقت المناسبين لدفع القوات البرية.
حنيش.. الرواية ليست حقيقة
ولهذا أيضًا لا ينبغي أن نتعامل مع روايات السيطرة الحوثية على جزيرتي حنيش كما لو أنها حقيقة عسكرية مستقرة.
بعض وكالات الأنباء ووسائل الإعلام نشرت الرواية اليوم، لكن المصادر التي تكررها تستند بدرجات مختلفة إلى أطراف في الصراع، بينما الموقف الميداني في الساحل لا يزال متحركًا.
وحتى لو وصلت مجموعات حوثية إلى جزيرة أو موقع ساحلي، فـالوصول شيء، والسيطرة العسكرية القابلة للاستمرار شيء آخر.
الجزر والمواقع الساحلية المكشوفة تحتاج إمدادًا وحماية وقدرة على مواجهة التفوق الجوي والبحري.
لذلك تتعامل BETH معها الآن باعتبارها رواية ميدانية تحتاج إثباتًا، لا خريطة نهائية للسيطرة.
وهذا هو الفارق بين متابعة الحرب، والانجرار وراء دعايتها.
هرمز: الأزمة حقيقية.. والنصر غير موجود
في الشرق، يستمر الاختناق.
بيانات تتبع السفن التي نقلتها رويترز أظهرت مرور أربع سفن تجارية للسلع فقط يوم الاثنين عبر هرمز، مقارنة بعشر في اليوم السابق، ومتوسط يقارب 125 عبورًا يوميًا قبل الحرب.
هذا تطور خطير على الاقتصاد العالمي.
لكنه لا يعني تلقائيًا أن إيران «ربحت».
فإغلاق طريق تستطيع من خلاله إيذاء خصومك لا يتحول إلى انتصار استراتيجي إلا إذا أنتج نتيجة سياسية أفضل من الكلفة التي تتحملها أنت.
مسقط تضرب الخطة الإيرانية
كان اجتماع عُمان المقرر في 14 سبتمبر فرصة لطهران كي تنقل أزمة هرمز من واقع تفرضه بالقوة إلى ترتيب إقليمي يناقَش معها ويمنحها موقعًا تفاوضيًا جديدًا.
لكن التأجيل، واحتمال عدم انعقاده بصيغته الأصلية، أصاب هذه الخطة في موضع حساس؛ لأن إيران تستطيع تعطيل المضيق وحدها، لكنها لا تستطيع منح نفسها شرعية إقليمية لإدارته وحدها.
كانت تريد أن تنتقل من:
«إيران تعطل المرور»
إلى:
«إيران طرف أساسي في تنظيم المرور».
وهذا فرق سياسي هائل.
لكن غياب التوافق الخليجي، والاعتراض السعودي، ورفض البحرين المشاركة قبل إعادة العلاقات مع طهران، أبقى الأزمة في صورتها الأصلية: إيران طرف في المشكلة، لا مرجعية للحل.
وحتى الآن، لا اتفاق أمريكيًا إيرانيًا، ولا رفع للعقوبات، ولا عودة طبيعية للتجارة الإيرانية، ولا تسوية مستقرة لهرمز.
بمعنى أدق:
إيران نجحت في خلق أزمة؛ ولم تثبت بعد أنها نجحت في تحويل الأزمة إلى مكسب.
وهذا فرق كبير.
طهران تتجه إلى بكين
زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الصين الأربعاء تأتي في توقيت لا يبدو دبلوماسيًا عاديًا.
طهران تحتاج إلى بكين الآن أكثر من أي وقت قريب: سوقًا لنفطها، وغطاءً سياسيًا، وقناةً قادرة على التأثير في واشنطن.
لكن المفارقة أن الصين نفسها لا تستفيد من اضطراب هرمز؛ فهي تريد النفط الإيراني، لكنها تريد الممر مفتوحًا أيضًا.
ولهذا تبدو الزيارة محاولة إيرانية لتثبيت الدعم الصيني، ومنع تحول بكين من شريك سياسي إلى وسيط ضاغط يدفع طهران نحو التهدئة.
كما أن اقتراب اللقاء المرتقب بين ترامب وشي يضيف بعدًا آخر: إيران لا تريد أن تصبح ملفًا يُناقش بين القوتين الكبيرتين من دون أن تضمن مسبقًا حدود الموقف الصيني.
طهران تجيب عن سؤال لم يعد ترامب يسأله
هنا يصبح رد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي مثيرًا للاهتمام.
رضائي قال:
«لا مفاوضات قبل تلبية شروط إيران.»
وأضاف أن معادلات النفط والمضائق تغيرت، محذرًا من أن محاولات احتواء الأضرار لن توقف ما هو قادم.
لو أخذنا العبارة وحدها، بدت طهران صاحبة اليد العليا.
لكن وضعها بجوار كلام ترامب يغير الصورة.
الرئيس الأمريكي قال قبلها إن إيران تريد اتفاقًا، وإنه لن يوقع «اتفاقًا عديم القيمة»، ثم عندما سئل عن محادثات إيران مع دول الخليج بشأن هرمز قال ببساطة:
«لا أهتم. الأمر يعود إليهم.»
وهنا المفارقة:
واشنطن تقول إنها لا تستعجل الاتفاق.
وطهران ترد بأنها لن تتفاوض إلا بشروطها.
لكن قولك «لن أتفاوض إلا إذا...» ليس إغلاقًا لباب التفاوض.
إنه إعلان أن الباب موجود، مع محاولة رفع ثمن الدخول إليه.
وهذه لغة تفاوضية مألوفة أكثر منها إعلان قوة نهائية.
مكابرة أم ورقة؟
لا ينبغي التقليل من قدرة إيران على الإيذاء.
لديها جغرافيا هرمز، وصواريخ، ومليشيات مسلحة، وقدرة على رفع كلفة الحرب على المنطقة والعالم.
لكن القوة تُقاس أيضًا بشيء آخر:
ماذا حققت بهذه الأدوات؟
إذا انتهى المطاف بدولة إلى تعطيل الممرات، واستنزاف تجارتها، وتعريض حلفائها للضرب، ثم بقي هدفها النهائي هو العودة إلى طاولة المفاوضات التي تقول إنها ترفضها؛ فالمشهد أعقد بكثير من صورة «الطرف الذي فرض إرادته».
وقد تكون طهران الآن تحاول الاحتفاظ بأعلى قدر ممكن من الضجيج السياسي والعسكري حتى لا تدخل أي تسوية لاحقة وهي تبدو في موقع المتراجع.
وهذا لا يعني أنها بلا أوراق.
بل يعني أن امتلاك ورقة ضغط لا يساوي الفوز باللعبة.
باب المندب أمام مجلس الأمن
يعقد مجلس الأمن الدولي، اليوم الثلاثاء عند الساعة 19:00 بتوقيت غرينتش، جلسة طارئة لمناقشة التطورات في باب المندب.
أهمية الجلسة أنها تنقل الملف من حدود الحرب اليمنية إلى مسؤولية دولية مباشرة عن حماية واحد من أهم ممرات التجارة في العالم. فالمجلس ناقش سابقًا أثر الهجمات على الملاحة، لكن تصاعد القتال على الساحل وارتفاع مستوى التهديد للممر يجعلان النقاش اليوم أقرب إلى سؤال عملي: كيف يُمنع تحويل باب المندب إلى ورقة ابتزاز شبيهة بهرمز؟
والمتوقع أن تتركز المناقشات على حماية حرية الملاحة، تشديد الضغط على الحوثيين، ودعم الحكومة اليمنية، مع احتمال الدفع نحو إجراءات أكثر صرامة إذا اتسع تهديد السفن أو اقترب من تعطيل المرور فعليًا.
لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في قوة البيان الصادر عن المجلس، بل في ما إذا كان سيتحول إلى غطاء سياسي لتحرك دولي يحمي الممر قبل أن تتكرر تجربة هرمز.
المعركة الحقيقية في اليمن
المشهد اليمني الآن يمكن اختزاله في سباق:
الحوثي يحاول تحويل الاندفاعة السريعة إلى أرض ثابتة.
والحكومة اليمنية والتحالف يمنعان هذه الاندفاعة من التحول إلى واقع جديد.
إذا نجح الحوثي في تثبيت خطوطه، تصبح عملية إخراجه أطول وأكثر كلفة.
أما إذا ضُربت خطوط إمداده، واستمرت القوات اليمنية في التقدم من تعز والجبهات الأخرى، فقد تتحول المكاسب التي بدت قبل أيام كبيرة إلى امتداد عسكري يصعب الدفاع عنه.
وهذا ربما يفسر شدة النشاط الجوي الحالية.
ليس المهم كم غارة تُنفذ.
المهم:
ماذا تضرب؟
إذا كان التركيز على التعزيزات ومراكز القيادة وطرق الإمداد قبل تقدم القوات البرية، فإننا أمام نمط مختلف عن مجرد الرد العقابي.
قراءة BETH
ربما تكون أهم سمة في اليوم الـ195 أن الحرب دخلت مرحلة فرز الحقيقة من الضجيج.
إيران تريد أن يبدو هرمز دليلًا على قوتها.
الحوثيون يريدون أن تبدو تحركاتهم على الساحل خريطة جديدة .
لكن الأرض تقول إن القوات اليمنية تتحرك في الاتجاه المقابل، والسماء تشهد عمليات جوية متصاعدة، ومستوى التنسيق السعودي الأمريكي ارتفع .
وفي الوقت نفسه، واشنطن لا تبدو مضطرة حتى الآن للقبول بشروط إيران لمجرد أن طهران أعلنتها.
وهذا لا يعني أن المعركة محسومة.
بل يعني أن المرحلة التي كان يكفي فيها تحقيق مفاجأة عسكرية لصناعة صورة المنتصر بدأت تنتهي.
الآن يأتي الاختبار الأصعب:
من يستطيع الاحتفاظ بما كسبه؟
من يستطيع تمويل الحرب؟
من يستطيع حماية طرقه؟
ومن يستطيع تحويل القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية؟
التوقعات
الأقرب خلال الأيام المقبلة أن يتصاعد العمل الجوي ضد تحركات الحوثيين وخطوط إمدادهم، بالتوازي مع دفع القوات اليمنية لاستعادة مزيد من المواقع غرب تعز وربط الضغط بجبهات أخرى.
وسيكون الساحل الغربي أهم اختبار؛ لأن القوات التي تتمدد سريعًا تصبح أكثر اعتمادًا على طرق طويلة ومكشوفة للإمداد.
وفي هرمز، ستستمر إيران في محاولة رفع قيمة الممر بوصفه ورقة تفاوض، لكن استمرار الاختناق من دون مكسب سياسي سيبدأ تدريجيًا في تحويل الورقة نفسها إلى عبء على طهران وحلفائها وشركائها التجاريين.
أما الاحتمال الأكثر أهمية، فهو أن يكون ما نشاهده في اليمن الآن بداية انتقال مدروس من صد الهجوم إلى استعادة المبادرة.
إذا تأكد ذلك خلال الأيام المقبلة، فلن يكون السؤال:
إلى أين وصل الحوثيون؟
بل:
إلى أي مدى يستطيعون العودة قبل أن تتغير خريطة الحرب مرة أخرى؟
أسئلة بعد 195 يومًا
من أين تأتي قوة إيران؟
قوة إيران لا تأتي من أنها أقوى من الولايات المتحدة، ولا من تفوق عسكري تقليدي يسمح لها بمواجهتها ندًا لند.
مصدر قوتها الحقيقي أنها أتقنت، خلال عقود، رفع كلفة مواجهتها.
الجغرافيا تمنحها هرمز.
والصواريخ تمنحها مدى.
والجماعات المسلحة تمنحها جبهات لا تحمل اسمها مباشرة.
والقدرة على تحمل العقوبات والأزمات تمنحها وقتًا أطول مما يتوقعه خصومها.
لكن الأهم من كل ذلك أنها لا تحتاج دائمًا إلى الانتصار على خصمها؛ يكفي أحيانًا أن تجعل انتصاره عليها مكلفًا جدًا.
وهذه هي النقطة التي تجعل قوى أكبر منها تحسب لها حسابًا.
فإيران لا تستطيع هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا، لكنها تستطيع أن تجعل الحرب معها مؤلمة للنفط، والملاحة، والقواعد العسكرية، والحلفاء والأسواق.
وهنا تكمن قوتها الحقيقية:
ليست في قدرتها على كسب الحرب، بل في قدرتها على تعقيد كسبها على الآخرين.
لكن هذه القوة تحمل ضعفها داخلها أيضًا؛ لأنها تعتمد على استمرار الخصم في الخوف من الكلفة. فإذا وجد الطرف الآخر طرقًا لتقليل تلك الكلفة، أو بدأت أدوات الضغط الإيرانية تتحول إلى عبء على اقتصادها وحلفائها، تبدأ قيمة هذه القوة في التآكل.
ماذا صنعت الحرب؟
بعد 195 يومًا، لا يوجد منتصر كامل.
الولايات المتحدة أظهرت تفوقًا عسكريًا هائلًا، لكنها لم تستطع حتى الآن إعادة هرمز إلى طبيعته.
إيران استطاعت تعطيل الممر وإرباك الأسواق، لكنها لم تحول ذلك إلى اتفاق يحقق مطالبها.
الحوثيون وسّعوا دائرة الاشتباك، لكن توسعهم جر عليهم ضغطًا عسكريًا أكبر، وفتح الباب أمام إعادة تنظيم القوات اليمنية ضدهم.
ودول الخليج اكتشفت مرة أخرى أن أمن الطاقة لا يعتمد فقط على الآبار والأنابيب، بل على الممرات والجغرافيا والتحالفات وقدرة الدولة على حماية شبكتها كاملة.
الحرب إذن لم تنتج حسمًا؛ لكنها أسقطت أوهامًا كثيرة.
أسقطت وهم أن التفوق العسكري وحده يكفي.
وأسقطت وهم أن تعطيل الممرات يعني امتلاكها.
وكشفت أن المنطقة شديدة الترابط؛ ضربة في هرمز ترفع السعر في آسيا، وتحرك في اليمن يقلق أوروبا، ومسيّرة صغيرة قد تستدعي اجتماعًا بين أكبر القيادات العسكرية في العالم.
كيف تنتهي؟
من المعطيات الحالية، وبحسب ما يُعلن، لا تبدو الحرب متجهة إلى انتصار عسكري كامل لطرف، ولا إلى استسلام إيراني معلن؛ إلا إذا غيّر الرئيس الأمريكي تكتيكه، ونفّذ ما لوّح به لما بعد الانتخابات.
الأقرب أن تنتهي عندما يقتنع الطرفان بأن كلفة الاستمرار أصبحت أعلى من قيمة الأوراق التي ما زالا يحاولان تحسينها.
واشنطن تريد إيران أقل قدرة على تهديد الممرات، وأبعد عن السلاح النووي، وأضعف في استخدام أذرعها الإقليمية.
وطهران تريد الخروج من الحرب من دون صورة الهزيمة، مع تخفيف للعقوبات وضمانات تسمح لها بالقول لجمهورها إنها لم تتراجع مجانًا.
ولهذا قد تكون النهاية في النهاية تسوية لا يحبها أحد تمامًا، لكنها تمنع الجميع من خسارة المزيد.
وسيكون الاختبار الحقيقي في تفاصيلها:
هل يعود هرمز طبيعيًا؟
هل تتراجع القدرة الإيرانية على استخدام الممر كورقة ضغط؟
هل ينتهي التصعيد الحوثي وتعود الدولة اليمنية إلى السيطرة الفعلية؟
وما الذي تحصل عليه طهران مقابل ذلك؟
بعد 195 يومًا، يبدو أن الحرب اقتربت من مرحلة لم يعد السؤال فيها: من يستطيع الضرب أكثر؟
بل:
من يستطيع أن يخرج من الحرب وقد حقق شيئًا يبرر كل ما دفعه خلالها؟
وقد تكون هذه هي المعضلة الأصعب لإيران تحديدًا.
فإثبات أنك تستطيع إرباك العالم شيء.
وإثبات أن كل هذا الإرباك أوصلك إلى نتيجة أفضل، شيء آخر تمامًا.
والشعب الإيراني؟
يبقى العامل الذي يصعب قياسه هو الداخل الإيراني. فالنظام قد يتحمل الضربات والعقوبات، لكنه يصبح أكثر هشاشة إذا تحولت كلفة الحرب إلى غضب داخلي، وبدأ المجتمع يرى أن الأزمة نتيجة خيارات السلطة لا نتيجة خصومها فقط.
وإذا التقى الضغط الخارجي بتصدع داخل مؤسسات الدولة وحركة شعبية واسعة، فقد لا تنتهي الحرب باتفاق مع النظام، بل بتغيير النظام نفسه.
لكن ذلك يظل احتمالًا، لا نتيجة حتمية؛ لأن الحرب الخارجية قد توحد المجتمع خلف الدولة بقدر ما قد تدفعه ضدها.
مَن يقرأ الشارع أولًا؟
عبر التاريخ الإيراني، لم يكن الشارع مجرد خلفية للسياسة؛ كثيرًا ما كان اللحظة التي تسقط فيها هيبة السلطة قبل أن تسقط السلطة نفسها.
لكن السؤال هذه المرة ليس: هل يغلي الشارع؟
الغليان موجود .
السؤال:
مَن سيحسن قراءة لحظة الغليان قبل الآخر؟
النظام، يقدم تنازلات تنقذه؟
المعارضة، تحول الاحتجاج إلى بديل؟
أم المؤسسة نفسها، فتقرر أن بقاء إيران أهم من بقاء النظام بصورته الحالية؟
الثورات لا تبدأ يوم يخرج الناس إلى الشارع؛ تبدأ يوم يكتشف النظام أن الناس خرجوا، ولم يعد يعرف كيف يعيدهم.