واشنطن تفاوض الحوثي
لقاء أمريكي مع ممثلين للميليشيا الحوثية في مسقط وسط تصاعد جبهة اليمن؛ التوقيت يفتح سؤالًا أكبر من الحوار نفسه: هل بدأت واشنطن إدارة الحرب بالتفاوض على جبهاتها واحدةً واحدة؟
تقرير خاص | بث
التقى مسؤولون أمريكيون ممثلين للحوثيين في مسقط خلال عطلة نهاية الأسبوع، في تطور يأتي بينما تتسع المواجهة في اليمن وتزداد حساسية باب المندب والملاحة في البحر الأحمر. وتناولت وسائل إعلام أمريكية اللقاء الذي ساعدت عُمان في ترتيبه.
وبحسب المعلومات، أكد الحوثيون خلال المحادثات التزامهم بعدم استهداف السفن الأمريكية، امتدادًا لتفاهم وقف المواجهة بين الطرفين عام 2025.
لكن هذا الالتزام يبقى محدودًا في نطاقه؛ فالجماعة لم توقف تهديد الملاحة في البحر الأحمر، ولم يُعلن عن تعهد منها بعدم تطلعاتها باتجاه باب المندب.
أي أن التفاهم مع واشنطن لا يعني تهدئة الجبهة البحرية كلها.
وهنا يبرز سؤال أبعد:
هل تتجه واشنطن إلى تكرار المسار الذي جربته مع إيران؛ تفاوض ثنائي يركز على المصالح الأمريكية المباشرة، بينما تبقى ملفات المنطقة معلقة؟
إذا حدث ذلك مع الحوثيين، فقد تنجح واشنطن في تحييد سفنها أو خفض مستوى المواجهة معها، لكن ذلك لا يحسم أمن البحر الأحمر، ولا باب المندب، ولا التهديدات المرتبطة بالسعودية واليمن.
وعندها لن يكون السؤال: هل نجح التفاوض الأمريكي؟ بل: ماذا حلّ فعلًا، وماذا ترك خلفه؟
الخبر يندرج ضمن سلسلة التطورات التي تناولها تقرير بث عن اليوم 196 من الحرب؛ لكنه يفتح هذه المرة بابًا مختلفًا:
لماذا تفاوض واشنطن الحوثيين الآن؟
تكتيك لا تسوية
القراءة الأقرب أن اللقاء لا يمثل تحولًا أمريكيًا تجاه الحوثيين بقدر ما يمثل محاولة لإدارة جبهة يصعب تركها مفتوحة.
فواشنطن تواجه في وقت واحد إيران، وأزمة هرمز، وارتفاع كلفة الحرب، واضطراب البحر الأحمر؛ ومن مصلحتها تقليص عدد الجبهات التي يمكن أن تستنزف قوتها أو تربك الملاحة.
التفاوض هنا لا يعني المصالحة.
قد يعني ببساطة محاولة تحييد مشكلة، بينما تستمر المشكلة الأكبر.
توقيت لافت
الأهم من اللقاء نفسه هو ما جرى حوله.
ففي الفترة ذاتها، استقبل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر في جدة، وبحث الجانبان العلاقات الثنائية و«مستجدات الأحداث في المنطقة».
كما أن التنسيق الأمريكي السعودي في الملف الأمني يشمل تبادل المعلومات والمساندة في التخطيط، بالتزامن مع تطورات اليمن والبحر الأحمر.
ثم جاءت مباحثات ولي العهد والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، التي ركزت على أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
لا تكشف المعلومات المنشورة ما إذا كان لقاء مسقط جزءًا من ترتيب متفق عليه بين واشنطن وحلفائها، لكن تقارب هذه التحركات يجعل الفصل الكامل بينها قراءة ناقصة أيضًا.
هل تتوزع الأدوار؟
قد تكون واشنطن تختبر إمكانية فصل الحوثيين عن جزء من المواجهة، أو على الأقل تحديد حدود اشتباك جديدة معهم.
وفي الوقت نفسه، تبقى السعودية معنية بأمن أراضيها واليمن وباب المندب، وهي حسابات أوسع من مجرد حماية السفن الأمريكية.
وهنا يصبح السؤال:
هل يجري التعامل مع الحوثي بمسارين؛ الردع من جهة، وفتح باب يمكن استخدامه عند الحاجة من جهة أخرى؟
الإجابة لم تظهر بعد.
لكن الحروب الطويلة لا تُدار بالسلاح وحده؛ كثيرًا ما يتحرك التفاوض بينما تستمر العمليات، ويستخدم كل طرف إحدى الأداتين لتحسين موقعه في الأخرى.
ماذا بعد؟
إذا نجحت محادثات مسقط في تثبيت عدم استهداف المصالح الأمريكية، فقد تحاول واشنطن توسيع التفاهم تدريجيًا نحو أمن الملاحة.
أما إذا حاول الحوثيون تحويل الحوار إلى اعتراف بنفوذهم الجديد أو الاحتفاظ بحق تهديد أطراف أخرى، فستتحول المفاوضات نفسها إلى اختبار لحدود ما يمكن أن تقبله واشنطن وحلفاؤها.
ويبقى إيران في الخلفية.
فالحوثيون جزء من شبكة نفوذ إيرانية، لكن لهم أيضًا حساباتهم اليمنية الخاصة. وكلما استطاعت واشنطن فتح قناة مستقلة معهم، ظهر سؤال أكثر حساسية:
هل تستطيع طهران الاحتفاظ بجميع أوراقها إذا بدأ خصومها التفاوض مع كل ورقة على حدة؟
لهذا قد يكون لقاء مسقط أكبر من جلسة تفاوض.
ليس لأنه صنع اتفاقًا حتى الآن، بل لأنه يكشف أن الحرب دخلت مرحلة تجربة المفاتيح المختلفة لإغلاق الجبهات المفتوحة.
ويبقى السؤال الذي يستحق المتابعة:
من يستخدم التفاوض لكسب الوقت، ومن يستخدمه لتغيير شكل المعركة؟
ويبقى السؤال الأوسع:
ماذا ستفعل واشنطن لكبح إيران وأذرعها في المنطقة إذا لم يعد التفاوض وحده كافيًا؟
وإذا طال الجمع بين الردع والمساومة، فهل تصل دول المنطقة إلى قناعة بأن أمنها لا يمكن أن يبقى معلقًا على إيقاع التفاوض الأمريكي؟
وهل تكون النهاية في النهاية أمريكية، أم أن دول المنطقة نفسها ستضطر إلى رسمها إذا طال الانتظار؟