اليوم 196: مكة تغيّر المعادلة

news image

الحرب تدخل شهرها السابع بلا نهاية؛ واشنطن تستعرض القوة وتلوّح بالتفاوض، وطهران ترفع شروطها وتضغط عبر الممرات والأذرع، فيما تنقل مسيّرة حوثية المواجهة إلى أخطر الخطوط الحمراء السعودية

 

16 سبتمبر 2026

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH

دخلت الحرب الأمريكية الإيرانية يومها الـ196، ولم تعد المواجهة محصورة بين واشنطن وطهران.

هرمز ما زال مضطربًا، والحوثيون حول باب المندب، وأسواق الطاقة تعيش فوق حاجز المئة دولار، بينما أضيف مساء الثلاثاء تطور بالغ الحساسية: اعتراض الدفاعات السعودية مسيّرة حوثية جنوب مكة المكرمة قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة.

أميركا: قوة ومخرج

تواصل واشنطن إظهار قدرتها العسكرية وفرض حصارها على الملاحة المرتبطة بإيران، فيما يؤكد دونالد ترمب أن مخزون الصواريخ والاعتراضات يسمح باستمرار العمليات.

لكن خلف الاستعراض تظهر فاتورة متصاعدة: تقول واشنطن إن الحرب كلّفتها نحو 38 مليار دولار حتى مطلع أغسطس، مع إضافة قد تصل إلى 3 مليارات شهريًا. والرقم ليس محاسبيًا فقط؛ فهو يفتح سؤال من سيدفع الفاتورة لاحقًا؟ عبر مساهمات الحلفاء وصفقات الدفاع وأمن الممرات، وربما ما هو أبعد من ذلك.

فترمب، الذي يقول إن واشنطن استردت كلفة عمليتها في فنزويلا من النفط، لمح أخيرًا إلى إمكانية البقاء في إيران والاستفادة من نفطها بالطريقة نفسها.

لكن فاتورة الحرب لا تقع على واشنطن وحدها؛ دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، تكبدت خسائر في الأمن والطاقة والتجارة والبنية التحتية، فيما دفع العالم جزءًا من الثمن عبر ارتفاع النفط وتعطل الملاحة وضغوط التضخم.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: من سيعوّض هذه الخسائر عندما تنتهي الحرب؟

وترمب يترك الباب الآخر مفتوحًا؛ يقول إن إيران تريد اتفاقًا، وإن الحرب قد تنتهي هذا العام.

سجال التفاوض

طهران لا تتصرف كطرف يبحث عن مخرج سريع؛ فهي تربط التفاوض بوقف العمليات العسكرية والعقوبات والحصار، وتُبقي هرمز ورقة ضغط مفتوحة.

وفي المقابل، تقدم إيران نفسها باعتبارها ما تزال قادرة على المواجهة، وتتحدث من موقع قوة لا من موقع المنهك الباحث عن تسوية.

وهكذا تبدو الحرب أقرب إلى سجال إرادات؛ واشنطن ترفع سقف القوة والخطاب، وطهران ترفض إظهار التراجع، رغم تصريحات ترمب الصاخبة بأن ميزان الحرب محسوم لمصلحته.

كل طرف يريد التفاوض، لكن بعد أن يعترف الآخر أولًا بأنه الأضعف.

وتكشف حركة هرمز حجم الأزمة؛ فقد هبط عبور السفن التجارية إلى أربع فقط، مقابل نحو 125 سفينة يوميًا قبل الحرب.

إيران لا تبدو مستعجلة على تقديم التنازل الذي ينتظره ترمب، وواشنطن لا تبدو مستعدة لإعطائها الثمن الذي تطلبه.

والنتيجة: حرب عالقة بين إرادتين تنتظر كل منهما تراجع الأخرى.

العالم يدفع

برنت ما زال قرب 108 دولارات، وحركة الطاقة مرتبكة بين هرمز والبحر الأحمر، فيما دفعت اضطرابات التصدير السعودية الرياض إلى زيادة شحنات النفط عبر عُمان.

وبذلك لم تعد الحرب تقاس بعدد الصواريخ؛ بل بسعر الوقود، والتضخم، وأمن التجارة، وقدرة العالم على إبقاء أهم ممرات الطاقة مفتوحة.

ثم جاءت مكة.

لماذا مكة؟

الرواية السعودية واضحة: المسيّرة أطلقها الحوثيون، وهي ثاني محاولة معلنة لاستهداف مكة بعد الصاروخ الباليستي عام 2017.

لكن السؤال الأهم ليس:

من أطلقها؟

بل:

لماذا اختير هذا الاتجاه؟

لو كان المطلوب هدفًا عسكريًا أو اقتصاديًا، فالأهداف كثيرة.

أما الاقتراب من مكة فيحمل معنى آخر.

مكة ليست هدفًا سعوديًا فقط؛ إنها خط ديني ونفسي وسياسي يتصل بأكثر من مليار مسلم.

وهنا تصبح قيمة الهجوم في أثره أكثر من قدرته التدميرية.

من وراء الحوثي؟

علاقة الحوثيين بإيران ودعم طهران العسكري والتقني لهم موثقة منذ سنوات.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن قرار إطلاق هذه المسيّرة تحديدًا صدر من غرفة عمليات واحدة.

الأهم استراتيجيًا أن ننظر إلى النتيجة:

إيران تضغط في هرمز.

الحوثيون  يحاولون الإقتراب من باب المندب.

هجمات على السعودية.

ثم تصل المسيّرات إلى محيط مكة.

من يريد توسيع الحرب؟

المستفيد من اتساعها هو الطرف الذي يريد التشتيت ومحاولة نقل الضغط من ساحته إلى ساحات الآخرين. 

لكن توسيع الحرب يحمل مفارقة خطرة، تكشف ضعف قراءة المستقبل؛ حين يصبح هدف العملية الآني أهم من حساب ما قد تصنعه في اليوم التالي.

فالحروب كثيرًا ما تتسع بهذه الطريقة؛ يعتقد صاحب القرار أنه يرفع كلفة خصمه، ثم يكتشف أنه فتح جبهة لم يكن قادرًا على إغلاقها.

وهنا تصبح حادثة مكة أخطر على خصوم المملكة والعالم الإسلامي..

فالسعودية حاولت خلال الأشهر الماضية منع انتقال الحرب إلى أراضيها، والحفاظ على هامش يفصلها عن المواجهة الأمريكية الإيرانية المباشرة.

هل لواشنطن مصلحة؟

أما واشنطن، فصورتها أكثر تعقيدًا؛ فهي تريد حلفاء أكثر انخراطًا في أمن الشرق الأوسط، وترتيبات دفاعية أوسع، وتقاسمًا أكبر للكلفة، مع إبقاء اتساع الجبهات تحت سقف يخدم حساباتها.

وإيران، من جهتها، تستفيد من توسيع مساحة الضغط؛ فدخول السعودية بصورة أعمق في المواجهة يرفع كلفة الحرب ويزيد الضغط على واشنطن .

لكن بين ما تريده واشنطن وما تريده طهران، يبقى السؤال الأهم:

ماذا تريد السعودية؟

الرياض لم تبنِ موقفها طوال الحرب على رغبة في توسيعها، بل على حماية أمنها ومصالحها ومنع انتقال الفوضى إلى داخلها. لكنها أيضًا لا تستطيع أن تسمح بأن يتحول تجنب الحرب إلى مساحة مفتوحة لاختبار خطوطها الحمراء.

وهنا تصبح المعادلة السعودية أدق من مجرد الدخول أو البقاء خارجًا: كيف تردع من يقترب منها، من دون أن تمنحه الحرب التي يريدها؟

وهنا يبرز سؤال آخر:

هل من في الساحة اليوم خصوم فقط، أم بينهم حلفاء حقيقيون؟

المشهد أكثر تعقيدًا.

فبعض القوى تلتقي اليوم على خصم واحد، من دون أن تتطابق مصالحها أو أهدافها أو رؤيتها لما بعد الحرب. وما يبدو تحالفًا في الميدان قد يكون مجرد تقاطع مؤقت للمصالح.

وحدة الخصم لا تعني وحدة الحلفاء.

ولهذا يصبح السؤال الأبعد:

إذا تغيرت موازين الحرب، هل تبقى الاصطفافات كما هي؟

مكة تغيّر المعادلة

لا تكمن خطورة مسيّرة مكة في المسيّرة نفسها.

بل في السؤال الذي تتركه خلفها:

ماذا لو وصلت؟

إصابة هدف داخل محيط العاصمة المقدسة كانت ستخلق موجة إسلامية وشعبية هائلة، وترفع سقف الرد المطلوب من السعودية إلى مستوى مختلف تمامًا.

وهنا يمكن فهم اختيار مكة، إن ثبت أنها الهدف المقصود، بوصفه أكثر من عملية عسكرية:

استفزاز قادر على تغيير قواعد الحرب.

فالسعودية تستطيع التعامل مع هجوم على منشأة بمنطق عسكري محسوب.

لكن مكة ليست منشأة.

مكة أكبر من ذلك بكثير؛ والسعودية تحمل مسؤولية حماية الحرمين الشريفين وأمن ضيوف الرحمن.

ولهذا يبدو ما جرى أقرب إلى محاولة استفزاز غير محسوبة؛ صاحبها يختبر هذه المرة خطًا لا يشبه بقية الخطوط.

فالاقتراب من مكة يضع الرياض أمام مسؤولية دينية وسياسية وأمنية لا تسمح بالتعامل مع الحادثة بوصفها محاولة عابرة.

ومن هنا جاء التعبير السعودي الأدق:

الحرمين خط أحمر.

__________
الصورة :

الحرب تقف عند بوصلة مضطربة؛ كل الطرق مفتوحة، لكن أحدها يقترب من خط أحمر.

السفينة والدخان والطائرة ترمز إلى تعدد جبهات الضغط، أما البوصلة فتعكس السؤال الأهم في التقرير: إلى أين تتجه الحرب، ومن يغيّر اتجاهها؟