حين يصبح اليوم ذكرى

news image

كتب: عبدالله العميره

شيء من النوستالجيا

النوستالجيا هي الشوق والحنين إلى الماضي؛ إلى زمن أو مكان أو أشخاص ارتبطوا في الذاكرة بلحظات جميلة.

وأصل الكلمة يوناني، ويحمل معنى قريبًا من «ألم العودة إلى الوطن»؛ ذلك الوجع الذي يصاحب الاشتياق إلى مكان، أو زمن، أو إنسان لم يعد قريبًا كما كان.

لكن المسألة لا تتوقف عند المصطلح.

السؤال الأهم هو:

ماذا يفعل الغياب بنا؟ ولماذا يزداد جمال الأشياء والأشخاص في ذاكرتنا كلما ابتعدوا؟

فالحنين قد يكون إلى زمن، لكنه في جوهره كثيرًا ما يكون حنينًا إلى من كانوا فيه.

والنوستالجيا ليست دائمًا شوقًا إلى شيء انتهى؛ قد تكون أيضًا شوقًا إلى غائب ننتظر عودته.

ومن هنا تبدأ مفارقة الأجيال.

الكبار ينظرون إلى شبابهم، فيرون وجوهًا وأماكن وأحبة ودفئًا افتقدوه، فيسمونه الزمن الجميل.

والشباب يرون في ذلك مبالغة في تقديس الماضي، وينسون أنهم هم أيضًا يصنعون الآن ذكريات سيشتاقون إليها يومًا.

وبين الجيلين حقيقة بسيطة:

كل جيل يحب زمنه، لكنه لا يدرك قيمته كاملة إلا بعد أن يبتعد عنه.

تستوقفني كثيرًا عبارة تُكتب فوق الصور القديمة:

جيل الطيبين.

وكلما قرأتها أسأل:

إذا كان أولئك هم جيل الطيبين، فماذا نكون نحن؟

جيل الخائبين؟

ثم ماذا عن الذين سيأتون بعدنا؟

هل نصبح نحن يومًا «جيل الطيبين» في عيونهم، وهم بدورهم يشكون من جيل آخر؟

ربما لا تسكن الطيبة جيلًا بعينه؛ بل تسكن المسافة التي تفصلنا عنه.

فنحن لا نتذكر كل شيء.

ننسى حر الصيف، وصعوبة الطريق، وقلة الخيارات، وطول الانتظار، ونحتفظ بصورة أب، وصوت أم، وبيت لم يعد موجودًا، وأصدقاء فرقتهم الحياة.

ثم نقول:

كان الزمن أجمل.

مع أن الزمن نفسه لم يكن أجمل دائمًا.

الذين كانوا فيه هم الذين كانوا أجمل لنا.

وربما لهذا لا نشتاق إلى الماضي بقدر ما نشتاق إلى أنفسنا فيه.

إلى ضحكات لم نكن نعرف أنها ستصبح ذكرى.

إلى ليالٍ مضت سريعًا، ولم ننتبه إلى قيمتها إلا بعدما انتهت.

ولهذا فإن «جيل الطيبين» قد يكون في حقيقته اسمًا آخر لـ جيل الأحبة.

المشكلة تبدأ حين يتحول الحنين إلى حكم.

حين نعطي الماضي كل الجمال، ونمنح الحاضر أقل مما يستحق.

فنظلم زمننا مرتين:

مرة حين لا نراه كما هو.

ومرة حين نكتشف بعد سنوات أننا كنا نعيش أيامًا جميلة، ولم ننتبه إليها لأنها لم تصبح بعدُ ماضيًا.

الحاضر هو ماضي المستقبل.

فلماذا لا نمنحه شيئًا من الإنصاف الذي سنمنحه له بعد أن يصبح بعيدًا؟

قد يكون الحاضر أكثر راحة، وأكثر معرفة، وأكثر فرصة مما كان عليه الأمس.

لكن الماضي يملك ميزة لا يملكها الحاضر:

أنه انتهى.

والأشياء حين تنتهي، يسقط منها ضجيجها، وتبقى خلاصتها.

ننسى التعب، ونحتفظ باللحظة الجميلة.

ولهذا يبدو الأمس ألين.

ليس لأنه كان كذلك دائمًا، بل لأننا حررناه من كثير من ألمه بعد أن عبرناه.

لكن الغياب يفعل شيئًا آخر.

الفراق مؤلم، لكنه لا يصنع الجمال؛ بل يكشفه.

حين يغيب شخص نحبه، تبدأ الذاكرة في إعادة ترتيب حضوره.

موقف صغير يصبح كبيرًا.

كلمة عادية تكتسب قيمة.

وصوت كان مألوفًا يصبح عزيزًا.

ولهذا يحمل انتظار العودة لذة غريبة؛ فنحن لا ننتظر شخصًا فقط، بل ننتظر لحظة يعود فيها شيء من عالمنا إلى مكانه.

لو لم نفترق، لما عرفنا قيمة العودة.

ويحضر هنا ذلك البيت الجميل:

وقد يجمع الله الشتيتين بعدما
يظنّان كلّ الظن أن لا تلاقيا.

فهو لا يتحدث عن اللقاء وحده، بل عن اللحظة التي سبقته؛ حين ظن الإنسان أن الغياب أصبح نهاية، ثم اكتشف أنه كان فصلًا.

ربما يكون الخطأ أن نتعامل مع الماضي بوصفه مكانًا نعود إليه.

الماضي لا يعود.

لكننا نستطيع أن نعيد معناه إلى الحاضر.

نأخذ منه الامتنان، لا الحسرة.

والدفء، لا الندم.

والتجربة، لا الإقامة.

وننظر إلى الصورة القديمة، لا لكي نقول:

يا ليتنا نعود.

بل:

ما أجمل أننا عشنا هذا.

وكذلك تفعل الشعوب بذكرياتها.

لا تستعيدها لكي تعيش فيها، بل لكي تعرف من أين جاءت، وما الذي عبرته، وإلى أين تريد أن تمضي.

فالذكرى الوطنية، مثل الذكرى الشخصية، لا ينبغي أن تكون إقامة في الماضي؛ بل امتنانًا لما تحقق، وحافزًا لما لم يتحقق بعد.

جيل يتذكر ما بناه من سبقه، ثم يضيف إليه شيئًا يليق بمن سيأتي بعده.

وهكذا لا تصبح الذكرى حنينًا فقط، بل مسؤولية:

ماذا سنترك نحن ليشتاق إليه الجيل القادم، ويفخر بأنه كان امتدادًا له؟

من ليس له أمس، ليس له اليوم ولا المستقبل.

ومن يعيش في الأمس وحده، قد يفقد الاثنين.

فالحنين دليل أن شيئًا في حياتنا كان يستحق أن يُفتقد.

لكن الحكمة ألا نجعل الذكرى أجمل من الحياة نفسها.

فقد يكون بين أيدينا اليوم أشخاص، وأماكن، وضحكات، ولحظات سنسميها بعد عشرين عامًا:

الزمن الجميل.

فلماذا لا نراها الآن؟

والزمن الأجمل ليس الذي مضى، ولا الذي سيأتي؛ بل الزمن الذي نعرف كيف نعيشه قبل أن يتحول إلى ذكرى.