خطاب الذات.. كلاكيت للمرة المئة

news image

كتب: عبدالله العميره

هناك فرق كبير بين أن تبث دعايةً عن نفسك، وأن تنتج عملًا إعلاميًا يقدّمك إلى العالم.

الدعاية تقول: نحن عظماء.

 الإعلام المحترف فيجعل العالم يرى أسباب العظمة، ويفهمها، ويقتنع بها، ثم يتحدث عنها بلغته هو.

وما يجب نقله عن المملكة إلى الخارج ليس تمجيدًا للذات، ولا مقالًا انطباعيًا يكتبه صاحبه وهو مأخوذ بما حوله، ثم يظن أن انفعاله الشخصي أصبح حجةً دولية.

العالم لا يعرفنا لأننا مدحنا أنفسنا، ولا يصدقنا لمجرد أننا رفعنا أصواتنا. إنه يحتاج إلى قصة موثقة، ولغة يفهمها، وصورة تحترم عقله، وأرقام يمكن التحقق منها، وإجابة عن سؤال يهمه هو: ماذا تعني هذه التحولات لي وللعالم؟

مرآة لا نافذة

ظل جانب كبير من إعلامنا، منذ نشأة الصحافة التقليدية، يخاطب الداخل عن الداخل، وباللغة التي اعتاد الداخل سماعها.

ثم دخلت التقنية، وانفتح الفضاء، وتغير المتلقي، وبقي الخطاب في مواضع كثيرة كما كان: رسالة تسير في اتجاه واحد، وتعود إلى صاحبها محملةً بإعجابه بنفسه.

تغيرت المنصة، ولم يتغير العقل.

انتقل النص من الورق إلى الشاشة، لكنه احتفظ بلغته القديمة، وطريقته في العرض، وتصوره للمتلقي. وكأن استخدام الهاتف لبث خطاب تقليدي يحوّله تلقائيًا إلى إعلام حديث.

نحن نضع المادة أمام العالم، لكنها لا تخاطبه. نترجم الكلمات، ولا نترجم المعنى. نبدل اللغة، ولا نبدل زاوية النظر.

والنتيجة أن كثيرًا مما يُقدّم بوصفه خطابًا دوليًا ليس إلا خطابًا محليًا مرتديًا ربطة عنق أجنبية.

إنه مرآة نرى فيها أنفسنا، وليس نافذة يرانا العالم من خلالها.

الجعجعة والمنجز

المثير للدهشة أننا نعيش عصرًا سعوديًا استثنائيًا، رغم قسوة الأحداث المحيطة بالمنطقة.

ليتخيل العالم دولةً تحيط بها الحروب، وتُهدد بالقرب منها الممرات والمنشآت والطاقة، وتضطرب حولها اقتصادات ودول، بينما تمضي هي في البناء والتنمية وإعادة تشكيل مدنها واقتصادها ومكانتها الدولية.

تقف المملكة شامخةً كجبال طويق؛ لا تتجاهل العاصفة، لكنها لا تسمح لها بأن توقف الطريق.

تزداد صلابةً مع الأحداث، وتصعد في التنمية والحضارة والسياسة والاقتصاد والتقنية، فيما تنمو على أرضها مشروعات ضخمة وتحولات اجتماعية وصناعية وثقافية قلّ أن تجتمع بهذا الحجم والسرعة في دولة واحدة.

هذه مادة إعلامية عالمية ثرية.

لكن بعض الإعلام لا يزال يدور حولها كما تدور الرحى: جعجعة كثيرة، وطحن قليل.

لدينا منجز يتقدم، وخطاب يتأخر عنه.

لدينا قصة عالمية، وطريقة عرض محلية.

لدينا حقائق قادرة على جذب العالم، ثم نقدمها بأسلوب باهت يجعل المتلقي يهرب منها، لا لأنه يرفض المملكة، بل لأننا لم نحسن دعوته إلى رؤيتها.

المشكلة ليست في قلة الإنجاز، بل في مرايا إعلامية متشظية لا تنقل صورته كاملة؛ فتختزل الرؤية في احتفال، والاقتصاد في رقم، والسياسة في تصريح، والقوة العسكرية في استعراض، والإدارة الحكيمة في عبارات مكررة فقدت أثرها من كثرة الاستخدام.

من يتحدث إلى من؟

قبل إنتاج أي مادة دولية، ينبغي أن يبدأ السؤال من المتلقي، لا من رغبة المؤسسة في الحديث.

من نخاطب؟

ماذا يعرف عنا؟

ماذا يجهل؟

ما الصورة السابقة الموجودة في عقله؟

ما الذي قد يدفعه إلى الاهتمام؟

وما الدليل الذي سيجعله يعيد النظر في موقفه؟

لا يمكن تقديم القصة نفسها، بالطريقة نفسها، إلى قارئ في واشنطن وبكين ونيودلهي وباريس وكيب تاون.

المعلومة واحدة، لكن مدخلها يختلف.

فمشروع سعودي ضخم قد يكون للداخل علامةً على تحقيق مستهدفات الرؤية، لكنه بالنسبة إلى المستثمر الأجنبي فرصة وسوق وتشريع وعائد. وللصحافة الدولية تحول في الاقتصاد العالمي. وللباحث نموذج في إدارة التغيير. وللمواطن في دولة أخرى قصة عن أثر التنمية في حياة الإنسان.

الإعلام الدولي لا يعني ترجمة البيان إلى الإنجليزية، بل إعادة بناء القصة من زاوية تهم القارئ الدولي، دون تحريف الحقيقة أو تجميلها.

أما أن نكتب لأنفسنا، ثم نترجم ما كتبناه، ثم نحتفل بوصول رابط المادة إلى الخارج، فهذا تصدير للنص، لا وصول للرسالة.

وظائف بلا أثر

تسير الرسالة غالبًا في اتجاه واحد، دون رصد علمي، أو قياس للأثر والتأثير، أو معرفة بمن قرأ، وماذا فهم، وما الذي تغير في إدراكه.

ثم لا يحدث تطوير؛ لأن المؤسسة التي لا تقيس أثر خطابها تستطيع دائمًا أن تقنع نفسها بأنها نجحت.

تعد المواد المنشورة، وتجمع المشاهدات، وتقدم تقريرًا أنيقًا، لكنها لا تسأل السؤال المؤلم: هل غيّر ما نشرناه صورةً ذهنية؟ هل وصل إلى الجمهور المستهدف؟ هل التقطته وسائل مؤثرة؟ هل صنع نقاشًا؟ هل صحح معلومة؟ أم عبر الشاشة ثم اختفى؟

العدد ليس أثرًا.

والمشاهدة ليست اقتناعًا.

والوصول إلى الهاتف لا يعني الوصول إلى العقل.

والأكثر إيلامًا هو الإبقاء في مواقع صناعة المحتوى على من لا علاقة حقيقية له بالصحافة، أو على تقليدي شرب الدهر على أدواته وأكل، ثم يُطلب منه أن يخاطب عالمًا يتغير كل ساعة.

ليس العيب في العمر، بل في عقل توقف عن التعلم.

وليس المطلوب إبعاد أصحاب الخبرة، بل التمييز بين خبرة تتجدد، وعادة قديمة تكرر نفسها منذ ثلاثين عامًا وتطالبنا كل صباح بأن نسميها خبرة.

هذا هدر للأموال والفرص، وقتل بطيء للمبدعين المبعدين؛ وأقول المبعدين لا المبتعدين، لأن بعضهم لم يغادر بإرادته، بل دفعته إلى الهامش بيئات تخشى الفكرة الجديدة أكثر مما تخشى فشلها القديم.

هل يعكس الاعتماد على الوكالات والشركات الإعلامية الأجنبية غياب القدرات الوطنية، أم العجز عن اكتشافها وتمكينها، أم اختيار الطريق الأسهل الذي يعفي المسؤول من عناء البحث والمساءلة؟

تقارير لا تسمّن فكرة

البديل عن خطاب الذات ليس تقارير رصد مكتبية تجمع الروابط، وتعد الكلمات، وتصنف النبرة إلى إيجابية وسلبية ومحايدة، ثم تضع الأرقام في رسوم ملونة وتنتهي المهمة.

الرصد الذي لا ينتج تفسيرًا مجرد أرشيف.

والقياس الذي لا يقود إلى قرار تمرين حسابي.

والتقرير الذي لا يقدم فكرةً للتطوير لا يغني ولا يسمن عقلًا.

نحتاج إلى معرفة لماذا نجحت رواية وفشلت أخرى، وكيف تشكلت الصورة، ومن صنعها، وأين توجد الفجوة بين ما أنجزناه وما فهمه العالم عنا.

نحتاج إلى إعلاميين ممارسين يفهمون السياسة والاقتصاد وعلم النفس والثقافة، لا إلى موظفين يجيدون إرسال المواد واعتمادها.

فالصحفي البارع ليس ناقلًا سريعًا فقط؛ إنه سايكولوجي حاذق يعرف كيف يدخل إلى عقل المتلقي دون أن يهينه، وكيف يقدم الحقيقة دون أن يحولها إلى دعاية تفقدها صدقيتها.

العالم لا يكره الحقيقة

ليس صحيحًا أن العالم يرفض كل ما نقوله، أو أنه قرر مسبقًا ألا يرى منجزات المملكة.

قد توجد حملات ومصالح وصور نمطية، لكن تحميلها مسؤولية كل فشل إعلامي يمنحنا عذرًا مريحًا للاستمرار بالطريقة نفسها.

أحيانًا لا تصل الحقيقة لأن خصومنا حجبوها، وأحيانًا أخرى لأننا قدّمناها في غلاف لا يشجّع أحدًا على فتحه.

العالم لا يكره قصتنا؛ لكنه لن يبذل جهدًا لاكتشافها نيابةً عنا.

لدينا دولة تصنع حدثًا نادرًا في زمن شديد الاضطراب. وما ينقصها ليس المزيد من المديح، بل إعلام يوازي منجزها: يراه كاملًا، ويفهم قيمته، ويقدمه بذكاء، ثم يقيس أثره ويطور أدواته.

إلى متى نخاطب أنفسنا، ثم ننتظر من العالم أن يجيب؟

وإلى متى نضع الإنجاز أمام مرآة، بينما يحتاج إلى نافذة؟

المملكة تجاوزت خطاب الأمس. وعلى الإعلام الذي يتحدث عنها أن يلحق بها؛ لأن منجزًا يتجه إلى العالم لا يليق به خطاب لا يزال يدور حول ذاته.

خارج المقال.. داخل الدائرة

يمكن للقارئ ملاحظة ظاهرتين واضحتين:

الأولى، تشابه جانب كبير من التغطية المحلية؛ لاعتماد وسائل متعددة على أخبار الوكالة الرسمية دون إضافة صحفية تتجاوز إعادة الصياغة.

والثانية، وصول التشابه أحيانًا إلى حد التطابق بين وسائل إعلام عربية وعالمية؛ لاعتمادها على مادة تنتجها وكالة أجنبية واحدة أو اثنتان، فتتعدد المنصات ويبقى الخبر وزاويته وروايته واحدة.

المشكلة ليست في الاستفادة من الوكالات؛ فهي من مصادر العمل الصحفي، بل في تحولها إلى بديل عن الإنتاج المستقل والتحقق وإضافة السياق والتحليل. فكثرة وسائل الإعلام لا تعني تعدد الروايات، إذا كانت جميعها تنظر إلى الحدث بعين المصدر نفسه.

نبني بأموالنا منصة، ونضع في قلبها عدسة الآخر؛ وتكتمل المفارقة حين يدفع جانب من إعلامنا لمنصات أجنبية كي تقدمنا للعالم بعدستها. فهل يعجزنا تمكين وكالة سعودية لتبلغ العالمية، أم تعجزنا الثقة بها؟ وهنا نعود إلى جوهر المقال: ما الذي صنع أزمة الثقة؟

هل نكشف المستور؟

قد يقال إن مثل هذا النقد يكشف قصور إعلامنا أمام العالم. والحقيقة أننا لا نكشف سرًا؛ فمؤسسات الإعلام الكبرى ومراكز الأبحاث تمتلك أقسامًا متخصصة ترصد المحتوى وتحلله، وتعرف مستوى خطابنا ونقاط ضعفه أكثر مما نتصور.

وقد يتضايق بعض الإعلام العربي من هذا النقد؛ لأن جوانب القصور مشتركة، ولأن المرآة لا تزعج من يجهل صورته، بل من يعرفها ولا يريد مواجهتها.

نحن لا نعرّف العالم بضعفنا؛ بل نعرّف أنفسنا بما يعرفه العالم عنا. فالمنافس لا يضيره أن يبقى الخلل، وإنما يقلقه أن نراه ونصلحه. والصمت لا يحمي السمعة؛ بل يحمي القصور.

فهل آن للإعلام أن يغادر خطاب الذات، ويبدأ مخاطبة العالم؟

إذا تُرك أمر التغيير لأصحاب الكراسي أنفسهم، فقد يحوّلونه إلى فرصة لإبعاد الأفضل؛ ليضمنوا بقاءهم. فالتغيير عند بعضهم لا يعني استقدام الأكفأ، بل إعادة تدوير الأسوأ.