صناعة الردع بالخوف والضجيج

news image

ليست كل قوة تعلن عن نفسها قوية، وليست كل قوة تصمت ضعيفة؛ بين القدرة على الإيذاء والقدرة على فرض الإرادة مساحة صنعت فيها إيران جزءًا مهمًا من نفوذها

 

كتب: عبدالله العميره

هناك خطأ يتكرر في قراءة الشرق الأوسط:

أن نساوي بين حجم التهديد وحجم القوة.

يخرج مسؤول إيراني، أو أحد حلفاء طهران، بتصريح ناري.

تهدد جماعة مسلحة دولة.

تطلق ميليشيا صاروخًا أو مسيّرة.

ثم تتحول العبارة، خلال ساعات، إلى عناوين دولية تتحدث عن «قدرة»، و«ردع»، و«توازن جديد».

لكن الحرب لا تُقاس بحجم الصوت.

بل بالسؤال الأبسط:

ماذا يستطيع هذا الطرف أن يفعل فعلًا؟ وكم يستطيع الاستمرار؟ وما الثمن الذي يستطيع تحمله؟

عقيدة تعرف حدودها

بنت إيران جانبًا مهمًا من عقيدتها العسكرية على الحرب غير المتكافئة والاستنزاف ورفع كلفة المواجهة على خصم أقوى منها تقنيًا وعسكريًا، بدل البحث عن مواجهة تقليدية مباشرة لا تناسب ميزان قدراتها. وتصف دراسات متخصصة هذه العقيدة بأنها تسعى أيضًا إلى التأثير في إرادة الخصم وإقناعه بأن كلفة المواجهة أكبر من فائدتها.

ومن هنا جاءت الأدوات:

صواريخ ومسيّرات.

تهديد للممرات البحرية.

قوى مسلحة تعمل خارج نموذج الجيوش النظامية.

وحضور دائم في المساحة الواقعة بين الحرب والسلم.

الفكرة ليست دائمًا أن تكون الأقوى.

بل أن تجعل الطرف الآخر يتردد كما لو أنك أقوى مما أنت عليه.

الإيذاء ليس انتصارًا

إيران قادرة على الإيذاء.

والحوثيون قادرون على الإيذاء.

وحزب الله قادر على الإيذاء.

لكن القدرة على الإيذاء شيء، والقدرة على فرض الإرادة شيء آخر.

فالجماعة المسلحة تستطيع إطلاق صاروخ أو مسيّرة على مدينة أو سفينة.

لكن إدارة حرب طويلة تحتاج إلى اقتصاد، وقوة جوية وبحرية، واستخبارات، وإمداد، وقدرة على حماية الأرض والسكان وتعويض الخسائر.

وهنا يصبح الخلط بين الميليشيا والدولة مضللًا.

الحوثي نموذجًا

لا ينبغي التقليل من أسلحة الحوثيين.

لكن لا ينبغي أيضًا تقديمهم كما لو كانوا قوة يستحيل دحرها.

لديهم قدرات صاروخية ومسيّرات وأسلحة تستطيع التهديد وإحداث الضرر، وقد وثقت القوات الأمريكية اعتراض شحنات كبيرة من الأسلحة والمكونات قالت إنها كانت متجهة من إيران إلى الحوثيين، من بينها شحنة تجاوزت 750 طنًا في 2025. كما استمرت عمليات اعتراض شحنات أخرى مرتبطة بتزويد الجماعة بالسلاح.

إذن الخطر حقيقي.

لكن الخطر لا يعني التكافؤ في القوة.

وهنا تبدأ المشكلة الإعلامية.

حين يصنع الإعلام حجمًا إضافيًا

الطرف الأضعف يحتاج إلى الصورة أكثر من الطرف الأقوى.

لأنه إذا لم يستطع صنع الحجم الذي يريده في الميدان، يحاول صنع جزء منه بالتهديد والتكرار والصورة الإعلامية.

الصاروخ يصبح رسالة.

والتصريح يصبح جزءًا من المعركة.

والعنوان الكبير قد يمنح صاحبه وزنًا سياسيًا أكبر من أثره العسكري الحقيقي.

وهذه ليست خصوصية إيرانية؛ لكنها أداة مركزية في الحرب غير المتكافئة.

المشكلة في الرأي العام العالمي

وهنا نصل إلى النقطة الأهم.

الرواية الإيرانية أو الحوثية لا تستهدف الداخل وحده.

إنها تستهدف أيضًا الرأي العام العالمي وصانع القرار والإعلام الدولي.

فكلما تكررت صورة الخصم بوصفه قادرًا على إشعال المنطقة، وإغلاق الممرات، وضرب المدن، وفتح الجبهات، ارتفعت كلفة التفكير في مواجهته، حتى قبل أن يُختبر حجم قدرته الحقيقي.

وهنا قد يصبح الإعلام، من حيث لا يقصد، جزءًا من عملية الردع نفسها.

ليس حين ينقل التهديد.

بل حين ينقله بلا ميزان.

حين يعامل التصريح كما لو كان قدرة.

والتهديد كما لو كان نتيجة.

وإطلاق الصاروخ كما لو كان انتصارًا.

مسؤولية الإعلام الدولي

ليس المطلوب من الصحافة العالمية أن تقلل من الخطر.

ولا أن تنحاز إلى خصوم إيران.

بل أن تفعل أبسط ما تفرضه المهنة:

أن تفرق بين الرواية والواقعة.

أن تسأل:

ماذا قيل؟

وماذا حدث فعلًا؟

ما حجم القدرة؟

وما أثرها؟

وهل تغير ميزان القوة على الأرض، أم تغير فقط حجم العنوان؟

هنا يصبح الإعلام جزءًا من الوعي العالمي، لا جزءًا من الحرب النفسية.

فالرأي العام في لندن وواشنطن وباريس وطوكيو لا يرى الميدان بنفسه.

هو يراه عبر الصحافة.

وحين تختل الصورة في الإعلام، تختل معها قراءة العالم للواقع.

حين ينجح الضجيج

الضجيج لا يصنع القوة بمجرد ارتفاعه.

ينجح فقط حين يصدقه الآخرون ويبنون قراراتهم عليه.

فإذا دفعت تهديدات طرف أضعف العالم إلى تقدير قوته بأكبر من حجمها الحقيقي، فقد حصل على مكسب لا يحتاج إلى تحقيقه عسكريًا.

وهنا يصبح الخوف قوة إضافية.

والتصريح جزءًا من الترسانة.

والإعلام، إذا غابت عنه المقارنة والتحقق، وسيلة تضخيم مجانية.

لكن الاستهانة خطأ

في المقابل، الاستهانة بالطرف الأضعف لا تلغي خطورته.

فالحرب غير المتكافئة تقوم أصلًا على استغلال نقطة حساسة بأداة منخفضة الكلفة وفي توقيت مناسب.

لذلك لا تكون الحكمة في الخوف من التهديد، ولا في تجاهله.

بل في وضعه في حجمه الصحيح.

أن تعرف ما يستطيع خصمك فعله.

وما لا يستطيع فعله.

وأين يستطيع أن يؤذي.

وأين يبدأ الضجيج وينتهي الواقع.

حين يتكلم الصمت

أحيانًا يُترك الضجيج يأخذ مداه.

يهدد صاحبه، ويكرر روايته، وربما يصدق أنه فرض صورته على العالم.

ثم تأتي الضربة من الطرف الصامت؛ في توقيت لم يتوقعه، وبأثر أكبر من كل ما سبقه من تصريحات.

وهنا تنقلب الصورة سريعًا:

من ملأ المشهد ضجيجًا، يكتشف أن الصمت لم يكن ضعفًا؛ بل كان انتظارًا للحظة المناسبة.

صناعة الردع

الردع الحقيقي يقوم على قدرة يعرف الخصم أنك تستطيع استخدامها.

أما الردع المصنوع بالخوف والضجيج، فيحتاج إلى شيء آخر:

أن يصدق العالم أنك أكبر مما أنت عليه.

ولهذا فإن مواجهة هذا النوع من القوة لا تبدأ بالسلاح وحده.

بل تبدأ أيضًا بمنع التضخيم من التحول إلى حقيقة في الوعي العالمي.

نأخذ التهديد بجدية.

لكن لا نعطيه أكثر مما يستحق.

نرصد السلاح.

لكن لا ننخدع بالصوت.

ونقيس القدرة بالفعل، لا بالخطاب.

فالفرق كبير بين طرف يستطيع أن يؤذيك، وطرف يستطيع أن يفرض إرادته عليك.

وأخطر ما يمكن أن يمنحه العالم لطرف أضعف ليس أن يهزمه؛ بل أن يصدّق أنه أقوى مما هو عليه.