السعودية: كيف تُبنى القوة؟
اقتصاد يتجاوز 1.27 تريليون دولار، ثامن أكبر إنفاق عسكري عالمي، ثالث دول G20 في التنافسية، موقع يتحكم في مفترق الطاقة والتجارة؛ وفوق ذلك مكانة إسلامية وشبكة مساعدات وصلت إلى 175 دولة
تقرير خاص | بث
ليست قوة الدول رقمًا واحدًا.
قد تملك دولة جيشًا كبيرًا واقتصادًا ضعيفًا.
وقد تملك المال من دون تأثير سياسي.
وقد تملك موقعًا مهمًا، لكنها تفتقد الاستقرار الذي يسمح بتحويله إلى نفوذ.
ولهذا لا يوجد تصنيف دولي واحد يمكن أن يقول وحده: هذه الدولة «الأقوى».
لكن حين تُجمع مؤشرات الاقتصاد، والدفاع، والتنافسية، والاستثمار، والاستقرار المالي، والموقع، والنفوذ السياسي والإنساني، تظهر السعودية تمتلك عدة مصادر للقوة في الوقت نفسه.
وهنا تبدأ القصة.
اقتصاد التريليون
بلغ الناتج المحلي الإجمالي السعودي في 2025 نحو 1.277 تريليون دولار، ما يضع المملكة في المرتبة التاسعة عشرة تقريبًا عالميًا من حيث الناتج الاسمي وفق بيانات صندوق النقد والبنك الدولي. وهي الدولة العربية الوحيدة العضو في مجموعة العشرين التي تمثل دولها مجتمعة نحو 80% من الناتج الاقتصادي العالمي وثلاثة أرباع التجارة الدولية.
لكن الأهم من الحجم هو التحول داخل الاقتصاد.
صندوق النقد قال في مراجعته الأخيرة إن الاقتصاد دخل 2026 بزخم قوي بعد نمو بلغ 4.6% في 2025، مدعومًا بالنشاط غير النفطي والطلب المحلي، مع تضخم منخفض وقطاع مصرفي يتمتع باحتياطيات قوية. وحتى تحت ضغط حرب المنطقة واضطراب هرمز، وصف الصندوق الاقتصاد السعودي بأنه أظهر مرونة وقدرة على التكيف بفضل قوة الأساسيات وتعدد البنية النفطية واللوجستية.
وهذه نقطة أساسية:
قوة الاقتصاد السعودي لم تعد في النفط وحده؛ بل في قدرته على العمل عندما يتعرض النفط نفسه للضغط.
الثالثة بين G20 في التنافسية
في مؤشر IMD للتنافسية العالمية لعام 2026، تقدمت السعودية إلى المركز الثالث عشر عالميًا من بين 70 اقتصادًا، والثالث بين دول مجموعة العشرين.
ويُبنى المؤشر على أربعة محاور: الأداء الاقتصادي، وكفاءة الحكومة، وكفاءة الأعمال، والبنية التحتية.
وهذا يعطينا معنى أكثر دقة لكلمة الإدارة.
فالإدارة ليست عدد القرارات التي تصدرها الحكومة، وإنما قدرتها على تحويل الموارد إلى بنية تحتية، واستثمار، وتشريع، وخدمات، وبيئة تستطيع الشركات العمل داخلها.
وتظهر النتيجة أيضًا في الاستثمار الخارجي؛ فقد ارتفعت السعودية في تقرير UNCTAD إلى المرتبة الثالثة عشرة عالميًا في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال 2025، بعد وصول التدفقات إلى 32.6 مليار دولار، بزيادة تقارب 53% على العام السابق.
رأس المال لا يبحث عن الشعارات؛ يبحث عن فرصة واستقرار وقدرة على الخروج والدخول والعمل.
قوة المال الطويل
إلى جانب الاقتصاد الحكومي والخاص، توجد قوة مالية مختلفة: صندوق الاستثمارات العامة.
تجاوزت أصول الصندوق المدارة 900 مليار دولار بنهاية 2025، بعدما كانت نحو 150 مليارًا في 2015. ومنذ 2021 تجاوزت استثماراته في المشروعات الجديدة داخل المملكة 199 مليار دولار، فيما قدّر الصندوق مساهمته التراكمية في الناتج المحلي الحقيقي غير النفطي بأكثر من 342 مليار دولار بين 2021 و2025.
وهذه ليست قوة مالية محلية فقط.
حين يملك صندوق سيادي بهذا الحجم حصصًا وشراكات واستثمارات عبر قطاعات ودول وأسواق مختلفة، تتحول الأموال إلى شبكة علاقات اقتصادية دولية طويلة الأجل.
الثامن عالميًا عسكريًا في الإنفاق
في القوة العسكرية، تحتاج الأرقام أيضًا إلى تفسير.
معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «SIPRI» قدر الإنفاق العسكري السعودي في 2025 بنحو 83.2 مليار دولار، ليضع المملكة في المرتبة الثامنة عالميًا من حيث الإنفاق العسكري.
أما مؤشر Global Firepower، وهو مؤشر خاص وليس تقييمًا حكوميًا أو حكمًا نهائيًا على القدرة القتالية، فيضع السعودية في 2026 في المركز 25 من 145 دولة في القوة العسكرية التقليدية، والثانية خليجيًا وفق منهجيته. ويستخدم أكثر من 60 عاملًا تشمل الطيران والقوات البرية والبحرية والتمويل واللوجستيات والجغرافيا.
المغزى هنا ليس رقم الترتيب وحده.
السعودية تجمع بين قدرة مالية عالية، وتسليح متقدم، وقوة جوية، ومساحة جغرافية كبيرة، وتحالفات دفاعية، وقدرة متزايدة على توطين الصناعات العسكرية.
أي أن المال ليس منفصلًا عن الدفاع؛ بل يمول قدرة طويلة المدى على التحديث.
الجغرافيا التي لا يمكن نقلها
هناك مصادر قوة تستطيع الدول بناءها.
وهناك قوة لا يمكن شراؤها: الموقع.
السعودية تطل على البحر الأحمر غربًا والخليج شرقًا، وتقع بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. وتشير المنصة الوطنية للنقل إلى أن نحو 13% من التجارة الدولية تمر عبر البحر الأحمر، فيما يمنح موقع المملكة إمكان الوصول إلى أسواق تضم أكثر من ستة مليارات نسمة.
وهذا يفسر لماذا يتحول أي اضطراب في السعودية أو حولها سريعًا إلى خبر عالمي.
فالسؤال لا يتعلق فقط بدولة مساحتها كبيرة.
إنه يتعلق بدولة تقع بين:
هرمز.
البحر الأحمر.
باب المندب.
أسواق آسيا.
أوروبا.
وأفريقيا.
وعندما تضيف إلى الموقع إنتاج الطاقة والموانئ والسكك والطرق والمطارات والاستثمار في الخدمات اللوجستية، تتحول الجغرافيا من خريطة إلى قوة اقتصادية وسياسية.
الموثوقية: القوة التي لا تُرى
الدولة القوية تحتاج شيئًا غير ظهور السلاح والنفط: الثقة.
وتظهر الثقة اقتصاديًا في تقييم المخاطر. ففي 2025 كانت التصنيفات السيادية للسعودية عند درجات استثمارية مرتفعة: A+ من S&P، وA+ من Fitch، وAa3 من Moody’s، جميعها بنظرة مستقرة بحسب مركز إدارة الدين الوطني.
وتظهر سياسيًا في قدرة الدولة على الاحتفاظ بعلاقات استراتيجية مع قوى تختلف فيما بينها: الولايات المتحدة، الصين، أوروبا، روسيا، الهند، باكستان، تركيا ودول العالم الإسلامي.
ليست القوة هنا في أن تتفق السعودية مع الجميع.
بل في أن يكون للجميع سبب للحفاظ على العلاقة معها.
طاقة مع طرف.
استثمار مع آخر.
أمن مع ثالث.
تجارة مع رابع.
وعلاقة سياسية ودينية وإنسانية مع آخرين.
وهذه المرونة ترفع كلفة تجاهل السعودية في أي ترتيب إقليمي كبير.
المكانة التي لا يصنعها الاقتصاد
ثم هناك مصدر قوة مختلف تمامًا.
مكة والمدينة.
المملكة ليست دولة إسلامية كبيرة فقط؛ هي الدولة التي تحتضن الحرمين الشريفين، والمقصد السنوي لملايين المسلمين في الحج والعمرة. . ويقع مقر منظمة التعاون الإسلامي، التي تضم 57 دولة، في جدة.
وهذه المكانة لا يمكن تحويلها ببساطة إلى رقم في جدول للقوة الناعمة.
إنها علاقة وجدانية ودينية يومية مع شعوب تمتد من إندونيسيا إلى المغرب، ومن أفريقيا إلى آسيا وأوروبا.
وهي تمنح السعودية وزنًا لا تحصل عليه دولة أخرى بمجرد ارتفاع ناتجها المحلي أو إنفاقها العسكري.
لماذا يهتم العالم بالسعودية؟
لهذا كله تظهر السعودية بصورة مستمرة في الصحافة العالمية.
حين تتخذ قرارًا في النفط، يتحرك السوق.
حين تُعلن استثمارًا، تتابعه الشركات.
حين تتغير سياستها في ملف إقليمي، تتغير حسابات عواصم أخرى.
حين تتعرض طرقها البحرية للتهديد، تتحرك أسعار الطاقة والشحن.
وحين تستضيف قمة أو وساطة أو اجتماعًا دوليًا، فإنها تجمع أطرافًا ربما لا تجلس بسهولة على الطاولة نفسها.
الخبر السعودي لم يعد محليًا في كثير من الحالات؛ لأن أثر القرار السعودي يتجاوز الحدود.
وهذا هو أحد التعريفات العملية للقوة.
الحكمة ليست ضعفًا؛ لكنها قوة لا يراها على حقيقتها إلا الحكيم.
أما ما يوصف في السياسة السعودية بـ«الحكمة»، فلا يحتاج إلى عبارة إنشائية.
يمكن قياسه بطريقة أبسط:
هل تستطيع الدولة الاحتفاظ بالخيارات؟
الدولة التي تستطيع التحدث مع واشنطن وبكين، والعمل مع الغرب والشرق، والحفاظ على علاقاتها العربية والإسلامية، وحماية مصالحها من دون أن تحصر نفسها في محور واحد، تمتلك مساحة قرار أكبر.
والقوة في السياسة ليست استخدام كل ما تملك.
أحيانًا تكون معرفة متى تستخدمه، ومتى تحتفظ به.
وهذه النقطة تحديدًا تفسر لماذا يراقب العالم أحيانًا الصمت السعودي مثلما يراقب القرار السعودي.
القوة التي تعطي
وهنا نصل إلى الجانب الأكثر تميزًا في الصورة السعودية.
الدول عادة تُقاس بما تمتلكه.
لكن هناك مقياسًا آخر:
ماذا تفعل بما تمتلكه عندما يحتاج الآخرون؟
تُظهر منصة المساعدات السعودية التابعة لمركز الملك سلمان للإغاثة أن إجمالي ما سجلته من مساعدات ومساهمات وخدمات بلغ حتى الآن نحو 145.77 مليار دولار، أي 546.66 مليار ريال. والمنصة لا تشمل الإغاثة الطارئة فقط؛ بل المساعدات الإنسانية والتنموية والخيرية، والمساهمات في المؤسسات الدولية، والخدمات المقدمة للزائرين واللاجئين داخل المملكة.
والمهم في الرقم ليس حجمه فقط.
المساعدات السعودية المسجلة في قسم المشروعات وحده تبلغ 123.65 مليار دولار موزعة على 9,036 مشروعًا في 175 دولة، عبر 48 قطاعًا وبالتعاون مع 512 شريكًا.
175 دولة.
وهذه ربما أبلغ جملة في القصة كلها.
لأنها تعني أن خارطة العطاء السعودي تكاد تمتد إلى العالم كله.
ليست سلة غذاء فقط
وتكشف التفاصيل شيئًا مهمًا آخر.
من أصل المشروعات المسجلة، تتجاوز المساعدات التنموية 108.5 مليارات دولار عبر 3,589 مشروعًا، وتشمل الصناعة والتعدين، ودعم الميزانيات، والنقل، والتعليم، والطاقة، والمياه، والصحة والخدمات المالية.
أي أن المساعدة السعودية لا تعني فقط الوصول بعد الكارثة بكيس غذاء أو خيمة.
بل تشمل:
مدرسة.
مستشفى.
طريقًا.
ماءً.
طاقة.
زراعة.
بنية تحتية.
وتمويل دولة لتستعيد قدرتها على الوقوف.
وفي الجانب الإنساني المباشر سجلت المنصة نحو 14.7 مليار دولار في 3,816 مشروعًا، تصدرها الأمن الغذائي والصحة والإيواء والتعافي المبكر والتعليم والمياه والحماية.
وهناك أيضًا 1,435 مشروعًا إنسانيًا تطوعيًا، معظمها في المجال الصحي.
من يستفيد؟
توضح المنصة اتساع الجغرافيا بوضوح.
في إجمالي البيانات المسجلة، جاءت مصر في مقدمة الدول المستفيدة بنحو 32.5 مليار دولار، ثم اليمن بنحو 29 مليارًا، وباكستان بـ13.37 مليارًا، وسوريا بنحو 7.95 مليارات، والعراق بـ7.34 مليارات، وفلسطين بنحو 5.58 مليارات دولار.
ولكن قوائم المنصة تمتد أبعد كثيرًا من الجوار العربي والإسلامي.
من مالي وبنين في أفريقيا، إلى كوسوفو في أوروبا، وبليز في أميركا الوسطى، وصولًا إلى عشرات الدول التي استفادت من برامج التعليم والصحة والمياه والطاقة والزراعة.
وهنا يصبح وصف المساعدة بأنها مجرد أداة سياسية تفسيرًا ناقصًا جدًا.
فالانتشار الجغرافي والقطاعي أوسع من أن يختصر في ملف سياسي واحد.
حتى من يعيش داخل المملكة
وهناك جزء قلما يُذكر عند الحديث عن المساعدات السعودية.
تسجل المنصة نحو 20.43 مليار دولار من الخدمات المقدمة للزائرين واللاجئين داخل المملكة، وتشمل ملايين المستفيدين من اليمنيين والسوريين والروهينغا والسودانيين، في التعليم والصحة والخدمات الأساسية.
أي أن جزءًا من العطاء لا يسافر إلى الخارج.
الإنسان هو الذي يأتي، فتصل إليه الخدمة داخل المملكة.
العطاء الموثّق
ولأهمية هذا الملف، لم تكتف السعودية بتقديم المساعدة؛ بل أنشأت منصة لتوثيقها وفق معايير دولية مرتبطة بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومنصة التتبع المالي للأمم المتحدة، ومبادئ الشفافية الدولية للمساعدات.
وهذا مهم لسبب بسيط:
الخير الذي لا يُوثق قد يختفي من ذاكرة العالم، حتى لو وصل إلى الإنسان الذي احتاجه.
ولهذا تحولت المساعدات من أعمال موزعة بين جهات عديدة إلى سجل وطني قابل للقياس والمقارنة والتتبع.
قراءة BETH
حين نسأل: لماذا السعودية مهمة؟
فالجواب ليس: لأنها تملك النفط.
ولا: لأنها تشتري السلاح.
ولا حتى: لأنها عضو في G20.
هذه أجزاء من الإجابة.
القوة السعودية تأتي من اجتماع أشياء نادرًا ما تجتمع في دولة واحدة:
اقتصاد تريليوني.
قدرة مالية واستثمارية عالمية.
إنفاق دفاعي ضمن الأكبر عالميًا.
موقع بين أهم طرق الطاقة والتجارة.
استقرار مؤسسي ومالي.
مكانة دينية لا يمكن استنساخها.
شبكة علاقات تمتد شرقًا وغربًا.
وقدرة على أن تكون المستثمر في مكان، والشريك في مكان، والوسيط في مكان، والمانح في مكان آخر.
لكن ربما تبقى الصورة الأجمل في الرقم الأخير:
175 دولة تلقت مساعدات سعودية.
لأن القوة حين تحتفظ بما لديها تسمى قدرة.
وحين تحمي نفسها تسمى ردعًا.
وحين تؤثر في القرار تسمى نفوذًا.
لكن عندما تصل إلى إنسان لا تعرف دينه ولا لونه ولا لغته، وتمنحه غذاءً أو علاجًا أو تعليمًا أو ماءً أو طريقًا للحياة؛ فإن للقوة اسمًا آخر:
الإنسانية.
ولهذا يمكن اختصار قوة السعودية في معادلة أوسع من الاقتصاد والسلاح:
أن تكون قادرًا على حماية مصالحك، مؤثرًا في محيطك، موثوقًا لدى شركائك، ومفيدًا لمن لا تربطك به مصلحة مباشرة.
ربما هنا تحديدًا تبدأ القوة التي لا تظهر كاملة في أي تصنيف دولي.