ألمانيا تتجه إلى الأطراف.. لماذا يقلق العالم؟

صعود AfD في الشرق وفوز اليسار في برلين يضغطان على الوسط التقليدي؛ والقلق لا يتوقف عند السياسة الألمانية، بل يمتد إلى أوكرانيا، والاتحاد الأوروبي، والناتو، والطاقة، والصناعة، ومستقبل القرار الأوروبي
تقرير خاص | بث
ألمانيا لم تنتخب حكومة اتحادية جديدة.
لكن انتخابات الولايات الأخيرة أرسلت رسالة سياسية يصعب تجاهلها:
الوسط الذي حكم ألمانيا لعقود يتراجع، بينما تتقدم قوى على جانبيه.
في برلين، فاز حزب اليسار Die Linke بنسبة تقارب ربع الأصوات، متقدمًا على الحزب المسيحي الديمقراطي CDU، فيما صعد حزب البديل من أجل ألمانيا AfD إلى المرتبة الثالثة. وفي ميكلنبورغ-فوربومرن، تصدر AfD الانتخابات، بينما أخفق CDU في بلوغ عتبة 5% اللازمة لدخول البرلمان الإقليمي، في أسوأ نتيجة له على مستوى ولاية منذ تأسيس الجمهورية الاتحادية.
وقبل ذلك بأيام، حقق AfD فوزًا كبيرًا آخر في شرق البلاد، ما عزز الضغط على المستشار فريدريش ميرتس وحزبه، وأعاد السؤال القديم بصيغة أكثر حدة:
هل بدأ الوسط الألماني يفقد قدرته على الاحتفاظ بالناخب؟
هذه ليست نتائج منفصلة.
إنها صورة سياسية جديدة لألمانيا.
المشكلة في الوسط
القضية ليست فقط أن AfD يتقدم.
ولا أن اليسار فاز في برلين.
المهم أن الناخب الذي كان يتحرك لعقود داخل أحزاب الوسط، بدأ ينتقل خارج الوسط نفسه.
وهذا هو التغيير الأهم.
فالحزب المسيحي الديمقراطي، والحزب الاشتراكي الديمقراطي، والخضر كانوا قادرين، منفردين أو عبر ائتلافات، على إبقاء السياسة الألمانية داخل نطاق مستقر وقابل للتوقع.
اليوم أصبحت الخريطة أكثر تجزؤًا.
وهذا يجعل تشكيل الحكومات أصعب، ويمنح الأحزاب الصاعدة قدرة أكبر على فرض موضوعاتها على النقاش العام حتى من خارج السلطة.
وتعكس استطلاعات الرأي حجم هذا التحول؛ ففي استطلاع INSA المنشور في 20 سبتمبر، حصل AfD على 29%، مقابل 20% لتحالف CDU/CSU و13% لـSPD. وهو قياس رأي في لحظة زمنية، لا توقع لانتخابات مستقبلية، لكنه يكشف الضغط المتزايد على أحزاب الوسط.
لماذا يتقدم AfD؟
لا يوجد سبب واحد.
الهجرة واللجوء من أهم الملفات.
لكن هناك أيضًا الطاقة، وتكاليف المعيشة، والتباطؤ الاقتصادي، ومستقبل الصناعة الألمانية، والعلاقة مع روسيا، واستمرار دعم أوكرانيا.
وفي شرق ألمانيا خصوصًا، لا تزال الفروق الاقتصادية والاجتماعية مع الغرب حاضرة في النقاش العام، بالتزامن مع تقدم AfD في مناطق تعاني شيخوخة سكانية وحاجة إلى العمالة المهاجرة نفسها التي يشتد الجدل السياسي حولها.
ويدعو AfD إلى سياسة أكثر تشددًا في الهجرة، وإلى تغيير نهج برلين تجاه روسيا وأوكرانيا، بما في ذلك إعادة فتح علاقات اقتصادية أوسع مع موسكو واستئناف واردات الطاقة الروسية في ظروف معينة. (
لكن تقدمه الانتخابي لا يعني وصوله تلقائيًا إلى الحكم؛ إذ ما زالت الأحزاب الألمانية الرئيسية ترفض تشكيل ائتلافات معه.
الحزب يتقدم انتخابيًا، لكنه ما زال معزولًا ائتلافيًا.
وبرلين تتجه يسارًا
في العاصمة كانت القصة مختلفة.
فوز حزب اليسار جاء في ظل أزمة إسكان حادة وارتفاع كبير في الإيجارات، مع طرح سياسات أكثر تدخلًا من الدولة في سوق السكن، من بينها توسيع الملكية العامة لبعض الشركات العقارية الكبرى.
لكن الرسالة الأهم ليست أن ألمانيا كلها تتحول يسارًا.
بل أن الأزمات المحلية العميقة تدفع الناخب نحو خيارات أكثر حدة عندما يفقد ثقته في الحلول التقليدية.
الاقتصاد خلف السياسة
خلف هذا التحول السياسي يقف اقتصاد يواجه ضغوطًا متراكمة.
دراسة حديثة لصندوق النقد خلصت إلى أن نحو 60% من ضعف النمو الألماني يعود إلى انخفاض النمو المحتمل وعوامل هيكلية، من بينها ضعف الإنتاجية، ونقص الاستثمار في البنية التحتية والمهارات والابتكار، والشيخوخة السكانية، وصدمة أسعار الطاقة، وتراجع القدرة التنافسية الخارجية.
وتشير الدراسة إلى أن الصناعة والبناء كانا من أبرز مصادر الضعف، وأن الاستثمار والصادرات ضغطا بقوة على النشاط الاقتصادي.
وهنا يصبح التصويت أكثر قابلية للفهم:
حين ترتفع كلفة الطاقة.
ويصعب السكن.
ويتباطأ النمو.
وتزداد المخاوف على الصناعة والوظائف.
يصبح الناخب أقل استعدادًا لمنح الأحزاب التقليدية مزيدًا من الوقت.
لماذا يقلق العالم؟
لأن ألمانيا ليست دولة أوروبية عادية.
هي أكبر اقتصاد في أوروبا، وأحد المحركات الرئيسية للاتحاد الأوروبي، ودولة مركزية في ملفات الناتو، وروسيا، وأوكرانيا، والطاقة، والصناعة، والتجارة.
ولهذا فإن أي تحول سياسي عميق فيها لا يبقى شأنًا داخليًا.
أوكرانيا
ألمانيا من أهم الداعمين الأوروبيين لكييف.
وأي زيادة في نفوذ القوى التي تعارض استمرار الدعم العسكري أو تدعو إلى استعادة العلاقات مع موسكو ستزيد الجدل داخل ألمانيا حول كلفة الحرب واتجاه السياسة تجاه روسيا. AfD نفسه يدفع باتجاه تخفيف العقوبات واستعادة روابط الطاقة الروسية.
الأثر لا يعني بالضرورة تغيرًا فوريًا في السياسة الألمانية.
لكنه يعني ضغطًا سياسيًا أكبر على أي حكومة تتمسك بالنهج الحالي.
الاتحاد الأوروبي
برلين ليست مجرد صوت داخل الاتحاد.
هي من الدول التي لا تكاد تمر ملفات الميزانية، والدفاع، والهجرة، والصناعة، والطاقة، والعقوبات من دون وزنها.
كلما ازدادت صعوبة تشكيل حكومات مستقرة في ألمانيا، أصبح اتخاذ القرار الأوروبي أكثر بطئًا وتعقيدًا.
وأوروبا أصلًا تواجه نموًا ضعيفًا ومخاطر أعلى من صدمات الطاقة والحرب؛ فقد خفّض صندوق النقد توقعاته لنمو منطقة اليورو لعام 2026 إلى 0.9%، محذرًا من أن استمرار اضطرابات الطاقة أو اتساع حروب الشرق الأوسط وأوكرانيا قد يزيد التضخم ويضعف النمو.
الناتو والدفاع الأوروبي
ألمانيا دولة مركزية في بنية الناتو وفي خطط أوروبا لرفع الإنفاق الدفاعي.
إذا تحولت السياسة الألمانية إلى مزيد من الانقسام حول روسيا وأوكرانيا والإنفاق العسكري، فسيتأثر النقاش الأوروبي كله بشأن من يدفع؟ ومن يسلح؟ ومن يتحمل مسؤولية الدفاع؟
وهذا مهم خصوصًا في وقت تحاول فيه أوروبا تحمل قدر أكبر من العبء الأمني بدل الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
الاقتصاد الأوروبي
ضعف الصناعة الألمانية ليس مشكلة محلية.
الصناعة الألمانية مرتبطة بسلاسل توريد تمتد عبر أوروبا الشرقية، وفرنسا، وإيطاليا، وهولندا، وآسيا.
لذلك فإن تراجع الاستثمار والإنتاج في ألمانيا ينتقل إلى الموردين، والصادرات، والوظائف، والنمو في دول أخرى.
والصندوق يرى أن ضعف الصناعة والإنتاجية والتنافسية من أبرز أسباب تباطؤ ألمانيا في السنوات الأخيرة.
الطاقة وروسيا
قبل حرب أوكرانيا، بنت الصناعة الألمانية جزءًا من قدرتها التنافسية على الطاقة الروسية الرخيصة.
انقطاع هذه العلاقة غيّر المعادلة.
واليوم يعود الملف من بوابة السياسة؛ فروسيا نفسها تربط صعود AfD بعدم رضا الألمان عن كلفة الطاقة، بينما يسعى قادة في الحزب إلى إعادة فتح ملف الغاز الروسي. هذه قراءة روسية وموقف حزبي، وليست نتيجة اقتصادية محسومة، لكنها تكشف أن الطاقة أصبحت مرة أخرى ملفًا سياسيًا انتخابيًا.
الهجرة وسوق العمل
هناك مفارقة أخرى.
اليمين المتشدد يستفيد من القلق الشعبي بشأن الهجرة.
لكن ألمانيا، وخصوصًا شرقها، تعاني في الوقت نفسه من شيخوخة سكانية ونقص في بعض العمالة، ويعمل مئات الآلاف من المهاجرين داخل الاقتصاد الألماني.
أي أن ألمانيا تواجه معادلة صعبة:
كيف تخفض التوتر السياسي حول الهجرة، من دون أن تضر بحاجتها الاقتصادية إلى العمالة؟
الأسواق والاستثمار
المستثمر لا يراقب فقط من يحكم.
يراقب أيضًا هل تستطيع الحكومة أن تتخذ قرارًا؟
الحكومات الهشة والائتلافات المعقدة قد تجعل الإصلاح الضريبي، والطاقة، والبنية التحتية، والتقاعد، والاستثمار أكثر بطئًا.
ولهذا يصبح الاستقرار السياسي نفسه جزءًا من القدرة التنافسية الاقتصادية.
صورة ألمانيا في العالم
هناك بُعد آخر أقل ظهورًا.
ألمانيا بنت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية صورة دولة مستقرة، متوقعة، مؤسسية، وحذرة في استخدام القوة.
أي تحول حاد ومستمر في خريطتها السياسية سيجبر حلفاءها وخصومها على إعادة تقييم سؤال مهم:
أي ألمانيا سيتعاملون معها خلال العقد المقبل؟
ألمانيا أطلسية بقوة؟
أم أكثر استقلالًا؟
أشد مع روسيا؟
أم أكثر انفتاحًا عليها؟
أكثر تشددًا تجاه الهجرة؟
أم أكثر حاجة إليها؟
هذه الأسئلة وحدها كافية لجعل ما يحدث في الانتخابات المحلية الألمانية خبرًا عالميًا.
هل التغيير دائم؟
من المبكر اعتبار انتخابات الولايات حكمًا نهائيًا على ألمانيا كلها.
لكن استطلاعات الرأي الحالية تؤكد أن الضغط على الوسط لم يعد محصورًا في ولاية أو اثنتين.
وهنا يصبح السؤال الأهم:
هل تستطيع الأحزاب التقليدية معالجة الأسباب التي دفعت الناخب بعيدًا عن الوسط؟
إذا استعادت الثقة عبر الاقتصاد، والسكن، والطاقة، والهجرة، والإصلاح؛ يمكن أن يستعيد الوسط جزءًا من قوته.
أما إذا بقيت الأسباب نفسها، فلن تحتاج الأطراف إلى الحكم كي تغيّر السياسة.
يكفي أن تجبر الوسط على التحرك وفق أجندتها.
قراءة BETH
ما تقوله الانتخابات الألمانية ليس أن البلاد حُسمت لليمين أو لليسار.
بل إن الوسط الذي صنع استقرارها السياسي لعقود لم يعد قادرًا وحده على احتواء الغضب الاقتصادي والاجتماعي.
AfD يستفيد من الهجرة، والطاقة، وروسيا، وعدم الرضا عن الاقتصاد.
واليسار يستفيد من السكن، وتكاليف المعيشة، وعدم المساواة.
وفي المنتصف تقف حكومة تحاول تنفيذ إصلاحات اقتصادية ودفاعية بينما تتعرض للضغط من أكثر من اتجاه.
ولهذا فإن القلق العالمي لا يأتي من اسم حزب واحد.
بل من احتمال أن تدخل ألمانيا فترة أطول من التجزؤ السياسي، وبطء القرار، وتراجع القدرة على قيادة أوروبا في لحظة تحتاج فيها أوروبا إلى قيادة أكبر لا أقل.
فألمانيا الأضعف سياسيًا تعني أوروبا أبطأ في القرار.
وألمانيا الأكثر انقسامًا بشأن روسيا تعني سياسة أوروبية أصعب تجاه أوكرانيا.
وألمانيا المتعثرة اقتصاديًا تعني ضغطًا أكبر على الصناعة الأوروبية كلها.
وألمانيا الأقل استقرارًا ائتلافيًا تعني أن ملفات الدفاع والطاقة والهجرة والإصلاح ستصبح أكثر صعوبة.
لهذا فإن ما حدث في الولايات الألمانية ليس مجرد انتخابات محلية.
إنه إنذار مبكر بشأن شكل ألمانيا التي ستدخل بها أوروبا السنوات المقبلة.
والسؤال لم يعد ألمانيًا فقط:
هل تستطيع برلين استعادة مركزها السياسي قبل أن تصبح الأطراف هي التي تحدد اتجاهه؟