ما بعد هرمز
البدائل القائمة والمشروعات الممكنة.. وهل يستطيع العالم تحويل المضيق من شريان لا غنى عنه إلى ممر بحري يمكن تجاوزه؟
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
الرياض | بث
لم يعد البحث عن بدائل لمضيق هرمز تمرينًا نظريًا تعدّه مراكز الدراسات للحروب المحتملة؛ فقد تحول، بعد اضطراب الملاحة وتوقف جزء كبير من التدفقات، إلى سؤال اقتصادي وأمني عاجل:
هل يستطيع العالم الاستغناء عن هرمز؟
الإجابة المباشرة: ليس الآن.
أما الإجابة الاستراتيجية الأهم فهي: يمكن تقليل الاعتماد عليه بصورة كبيرة، إذا انتقلت دول المنطقة من إنشاء خطوط منفردة إلى بناء شبكة متكاملة من الأنابيب والموانئ والمخزونات والسكك الحديدية ومسارات التصدير البديلة.
فالعالم لا يحتاج إلى مضيق آخر يحل مكان هرمز، بل إلى مجموعة طرق تمنع دولة واحدة أو أزمة واحدة من احتجاز الطاقة والتجارة العالمية داخل ممر بحري واحد.
لماذا يصعب استبداله؟
عبرت مضيق هرمز خلال عام 2025 قرابة 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمشتقات، بما يمثل نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، إضافة إلى أكثر من 110 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال.
ويذهب نحو 80% من النفط العابر للمضيق إلى آسيا، بينما تعتمد معظم صادرات قطر والإمارات من الغاز الطبيعي المسال عليه اعتمادًا شبه كامل.
وفي المقابل، تقدر وكالة الطاقة الدولية الطاقة المتاحة حاليًا في خطوط الأنابيب القادرة على تجاوز هرمز بما يتراوح بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يوميًا فقط.
أي إن البدائل القائمة، حتى عند استخدامها بكامل طاقتها، لا تعوض سوى جزء من التدفقات المعتادة، بينما تبقى معظم صادرات العراق والكويت وقطر والبحرين وإيران مرتبطة بالمضيق.
لكن هذه الفجوة لا تعني استحالة الاستبدال مستقبلًا؛ بل تكشف حجم المشروعات المطلوبة، والدول التي ستصبح في مركز الخريطة الجديدة.
السعودية.. البديل الجاهز
تمتلك المملكة العربية السعودية أهم بنية قائمة لتجاوز مضيق هرمز: خط أنابيب النفط الخام شرق–غرب، المعروف بـ«بترولاين»، الذي ينقل النفط من بقيق في المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، عبر مسافة تقارب 1200 كيلومتر.
تبلغ الطاقة التصميمية الأساسية للمنظومة نحو خمسة ملايين برميل يوميًا، فيما أعلنت أرامكو رفع قدرتها إلى نحو سبعة ملايين برميل يوميًا، بعد تحويل جزء من خطوط سوائل الغاز إلى نقل النفط الخام.
وقبل الحرب، كانت كميات كبيرة من طاقة الخط غير مستخدمة. ومع اضطراب هرمز، رفعت المملكة صادراتها من ينبع من نحو مليوني برميل يوميًا إلى أكثر من خمسة ملايين برميل في أوائل يونيو، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية.
وهذه ليست قدرة نظرية؛ بل اختبار عملي أثبت أن المملكة تستطيع تحويل اتجاه جزء كبير من صادراتها من الخليج إلى البحر الأحمر خلال مدة قصيرة.
ما الذي يحتاج إليه المسار السعودي؟
زيادة طاقة الأنبوب وحدها لا تكفي؛ لأن كل برميل يصل إلى الساحل الغربي يحتاج إلى:
- خزانات استقبال وتخزين إضافية.
- أرصفة تحميل وناقلات في ينبع.
- توسعة قدرات الضخ والمعالجة.
- حماية الخط الممتد عبر المملكة.
- تكامل أكبر مع المصافي والمجمعات الصناعية على البحر الأحمر.
- أسطول وشبكة تأمين قادرة على استيعاب الزيادة في الصادرات.
ويعني ذلك أن المشروع الحقيقي ليس «توسعة أنبوب»، بل تحويل الساحل الغربي إلى مركز عالمي موازٍ لتصدير النفط وتخزينه وتكريره وتداوله.
الميزة السعودية
تمتلك المملكة ما لا يتوافر لمعظم منتجي الخليج: حقولًا ضخمة في الشرق، وساحلين على الخليج والبحر الأحمر، ومساحة جغرافية متصلة، وسيادة كاملة على مسار الأنبوب من نقطة الإنتاج إلى ميناء التصدير.
وهذا يجعلها، بين كبار منتجي الخليج، الدولة الأقدر على بناء جسر طاقة بري واسع بين الخليج والبحر الأحمر من دون المرور بأراضي دولة أخرى.
كما يمنحها موقعها إمكان التحول من ناقل لنفطها فقط إلى مركز إقليمي يستقبل جزءًا من نفط الدول المجاورة، ثم ينقله عبر شبكة سعودية موسعة إلى ينبع أو موانئ أخرى على الساحل الغربي.
لكن ذلك يحتاج إلى اتفاقات ربط عابرة للحدود، وصيغ تجارية وتنظيمية، وضمانات طويلة الأجل، وقدرات إضافية تتجاوز الاحتياجات السعودية المباشرة.
هل يحل البحر الأحمر المشكلة؟
ليس بصورة كاملة.
فالتحول إلى ينبع يتجاوز هرمز، لكنه لا يلغي المخاطر البحرية الأخرى.
الصادرات المتجهة شمالًا إلى أوروبا تستطيع الوصول إلى قناة السويس من دون عبور باب المندب، وهو ما يمنح ينبع قيمة استراتيجية كبيرة.
أما الصادرات المتجهة إلى آسيا، فقد تحتاج إلى المرور جنوبًا عبر باب المندب، فتنتقل من نقطة اختناق في هرمز إلى نقطة اختناق أخرى عند مدخل البحر الأحمر.
ولهذا فإن خط شرق–غرب لا يمثل بديلًا كاملًا لجميع الأسواق؛ لكنه يمنح المملكة حرية توزيع صادراتها، ويمنع احتجازها داخل الخليج، ويعزز قدرتها على توجيه كميات أكبر نحو أوروبا والبحر المتوسط.
البديل الذكي لا يلغي جميع المخاطر؛ بل يوزعها بحيث لا يستطيع ممر واحد تعطيل الصادرات كلها.
الإمارات.. بوابة الفجيرة
تمتلك الإمارات خط حبشان–الفجيرة، الذي يمتد قرابة 380 كيلومترًا من حقول أبوظبي البرية إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان، خارج مضيق هرمز.
ويستطيع الخط نقل نحو 1.8 مليون برميل يوميًا، فيما تبلغ الكميات المستخدمة عادة قرابة 1.1 مليون برميل، ما يترك طاقة إضافية تقدر بنحو 700 ألف برميل يوميًا.
وتدعم هذا المسار منشأة تخزين تحت الأرض قرب الفجيرة بطاقة تبلغ نحو 42 مليون برميل، ما يمنح الإمارات مرونة في مواصلة التصدير عند اضطراب الإنتاج أو النقل.
وتعمل أبوظبي على إنشاء خط ثانٍ بطاقة تقارب 1.5 مليون برميل يوميًا، مع استهداف تشغيله خلال عام 2027، بما قد يرفع قدرتها على تجاوز هرمز إلى أكثر من ثلاثة ملايين برميل يوميًا.
قوة المسار الإماراتي وحدوده
يتمتع ميناء الفجيرة بميزة الوصول المباشر إلى خليج عُمان وبحر العرب؛ ولذلك لا يحتاج النفط المتجه إلى آسيا إلى دخول هرمز أو البحر الأحمر.
لكن الفجيرة قريبة جغرافيًا من منطقة المواجهة، ويمكن أن تتعرض منشآتها أو طرق الاقتراب منها للتهديد بالصواريخ والطائرات المسيّرة أو الهجمات البحرية.
أي إن الخط يتجاوز المضيق جغرافيًا، لكنه لا يخرج بالكامل من نطاق الخطر العسكري المحيط به.
عُمان.. الساحل البديل
تملك عُمان ساحلًا طويلًا ومفتوحًا مباشرة على بحر العرب والمحيط الهندي، إلى جانب موانئ صحار والدقم وصلالة.
ولا يحتاج النفط أو الغاز الذي يصل إلى الدقم أو صلالة إلى المرور بهرمز أو باب المندب للوصول إلى آسيا وشرق أفريقيا.
ومن هنا تظهر عُمان في التصورات المستقبلية، لا بوصفها وسيطًا سياسيًا في أزمة المضيق فقط، بل باعتبارها الساحل البديل الأكثر أمانًا جغرافيًا لصادرات الخليج المتجهة شرقًا.
وتشمل الخيارات المطروحة أو القابلة للدراسة:
- مد خطوط نفط من داخل شبه الجزيرة العربية إلى الدقم.
- ربط شبكات الغاز الخليجية بمنشآت إسالة جديدة على الساحل العُماني.
- إنشاء خزانات استراتيجية ومرافئ تصدير مشتركة.
- تطوير ممرات برية وسكك حديدية تنقل الحاويات والبضائع من الخليج إلى بحر العرب.
- ربط الموانئ العُمانية بمراكز الإنتاج والتوزيع في المملكة والإمارات.
لكن هذه المشروعات تحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات، ومسارات طويلة، واتفاقات إقليمية، ومحطات ضخ، وقدرات تصدير وتسييل جديدة.
المسار السعودي–العُماني
من الناحية الجغرافية والاستراتيجية، يمثل ربط شبكات المملكة بميناء الدقم أو أحد الموانئ العُمانية خيارًا بعيد المدى يستحق الدراسة.
فهو يستطيع منح النفط والمنتجات السعودية منفذًا مباشرًا إلى بحر العرب، من دون هرمز أو باب المندب، كما يمكن أن يشكل ممرًا إقليميًا لصادرات دول أخرى.
لكن جدواه تعتمد على مقارنة كلفته بتوسعة المسارات السعودية القائمة نحو ينبع، وعلى الأسواق المستهدفة؛ فالتصدير إلى أوروبا يميل لمصلحة البحر الأحمر، بينما يمنح الساحل العُماني طريقًا أقصر إلى آسيا.
ومن هنا قد لا يكون الخيار الصحيح هو المفاضلة بين ينبع والدقم، بل بناء شبكة مزدوجة:
- مسار غربي يخدم أوروبا والبحر المتوسط.
- مسار جنوبي شرقي يخدم آسيا والمحيط الهندي.
العراق.. ثلاثة أبواب محتملة
يعتمد العراق بصورة كبيرة على موانئ البصرة والخليج، لكن موقعه يتيح له نظريًا ثلاثة بدائل.
البصرة–العقبة
يقوم المشروع على نقل النفط من البصرة إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، بطاقة مقترحة تصل إلى مليون برميل يوميًا.
وطُرح المشروع منذ عقود، وحصل على موافقات مبدئية، لكنه تعثر بسبب الكلفة، والمخاطر الأمنية، والخلافات السياسية، وصعوبة التمويل.
وإذا أُنجز، فسيمنح العراق منفذًا مستقلًا عن هرمز، ويعزز موقع الأردن مركزًا للطاقة والنقل، لكنه سيحتاج إلى حماية خط طويل يمر بمناطق حساسة أمنيًا.
العراق–تركيا
يمكن لخطوط النفط المتجهة إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط أن تؤدي دورًا أكبر، لكنها ترتبط أساسًا بإنتاج الشمال، وتواجه مشكلات قانونية وسياسية وفنية وأمنية متكررة.
وتوسعة هذا المسار وربطه بكميات أكبر من جنوب العراق تتطلب بنية جديدة عابرة للبلاد، وليست حلًا يمكن تشغيله سريعًا.
العراق–عُمان
طُرحت تصورات ودراسات أولية لممر ينقل النفط العراقي إلى الساحل العُماني، مستفيدًا من موقع الدقم أو موانئ بحر العرب.
ويقدم المشروع مخرجًا مباشرًا للأسواق الآسيوية، لكنه يواجه تعقيدات المسافة، والمرور عبر أراضي دول أخرى، وارتفاع الكلفة، والحاجة إلى اتفاق سياسي إقليمي طويل الأمد.
الكويت والبحرين.. الجغرافيا الصعبة
لا تمتلك الكويت والبحرين حاليًا خطوط تصدير تشغيلية تتجاوز هرمز.
وأمامهما ثلاثة خيارات مستقبلية:
- الربط بخطوط المملكة نحو البحر الأحمر.
- إنشاء شبكة خليجية مشتركة تصل إلى عُمان أو الفجيرة.
- توسيع التخزين الخارجي في الأسواق المستهلكة لتقليل أثر الانقطاع المؤقت.
ويبدو الخيار السعودي الأكثر واقعية جغرافيًا للكويت والبحرين، لكنه يتطلب زيادة كبيرة في قدرة الخطوط السعودية، واتفاقات تحدد الأولوية والتسعير والمسؤولية عن التشغيل والحماية.
ومن دون ربط إقليمي، ستبقى الدولتان من أكثر المنتجين تعرضًا لأي إغلاق طويل للمضيق.
قطر.. المعضلة الأصعب
لا تكمن أخطر فجوة في النفط، بل في الغاز الطبيعي المسال.
يمر نحو 93% من صادرات قطر من الغاز المسال عبر هرمز، ولا توجد حاليًا طرق بديلة قادرة على نقل هذه الكميات إلى الأسواق العالمية.
فالغاز المسال لا يمكن تحويله ببساطة إلى خط نفط؛ إذ يحتاج إلى:
- أنابيب غاز ضخمة.
- منشآت معالجة.
- محطات إسالة جديدة خارج الخليج.
- خزانات ومرافئ متخصصة.
- عقود وأساطيل وتسهيلات تصدير مرتبطة بالموقع الجديد.
وتنقل شبكة «دولفين» الغاز القطري إلى الإمارات وعُمان، لكنها ذات طاقة محدودة، بينما تعمل منشآت الغاز المسال العُمانية بالقرب من طاقتها القصوى؛ ولذلك لا تستطيع استيعاب صادرات قطر الحالية.
البديل القطري الممكن
يتمثل أحد الحلول الاستراتيجية الممكنة على المدى الطويل في إنشاء خط غاز كبير من قطر، عبر المملكة أو الإمارات، إلى الساحل العُماني، وربطه بمحطات إسالة جديدة في الدقم أو موقع آخر على بحر العرب.
ويمكن نظريًا مد مسار آخر إلى الساحل السعودي على البحر الأحمر، لكنه سيكون أطول، كما أن الغاز المتجه إلى آسيا سيواجه مسارًا بحريًا أطول عبر باب المندب.
ويمثل المسار العُماني خيارًا أكثر ملاءمة للأسواق الآسيوية، لكنه يحتاج إلى استثمارات ضخمة ومدة بناء طويلة واتفاقات سيادية وتجارية معقدة.
ولهذا سيبقى الغاز القطري آخر الملفات القابلة للتحرر من هرمز، حتى لو نجحت المنطقة في إيجاد بدائل واسعة للنفط.
إيران تبني بديلها أيضًا
تعرف إيران خطورة اعتمادها على هرمز، ولذلك أنشأت خط غوره–جاسك ومحطة تصدير جاسك على خليج عُمان، بطاقة معلنة تصل إلى مليون برميل يوميًا.
لكن المسار لم يتحول حتى الآن إلى بديل تشغيلي موثوق؛ إذ تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن المحطة نفذت شحنة اختبارية محدودة، ولم تستمر في تصدير كميات تجارية منتظمة.
ويكشف ذلك مفارقة مهمة:
إيران التي تستخدم هرمز للضغط على الآخرين تحتاج هي أيضًا إلى الهرب منه.
فكلما شددت سيطرتها على المضيق، زادت الضغوط الدولية على صادراتها وموانئها داخل الخليج، وارتفعت حاجتها إلى تطوير جاسك أو منافذ أخرى خارج الممر.
التجارة غير النفطية
لا تقتصر المشكلة على النفط والغاز؛ فإغلاق هرمز يعطل الحاويات والمواد الغذائية والأسمدة والمعادن وقطع الغيار وسلاسل الإنتاج.
وفي هذا المجال، تستطيع السكك الحديدية والممرات البرية تقديم بدائل أسرع من خطوط الطاقة.
ومن أبرز الخيارات:
- شبكة السكك الحديدية الخليجية.
- الجسر البري السعودي بين موانئ الخليج والبحر الأحمر.
- ربط الموانئ السعودية بالمراكز اللوجستية والمناطق الصناعية.
- نقل الحاويات من موانئ عُمان والفجيرة إلى أسواق الخليج بالقطارات والشاحنات.
- تطوير الموانئ الجافة ومخازن السلع الأساسية داخل الدول.
ولا تستطيع السكك الحديدية نقل عشرات الملايين من براميل النفط، لكنها قادرة على حماية تجارة السلع ذات القيمة العالية، وتقليل توقف المصانع والأسواق، ومنع تحول الأزمة البحرية إلى أزمة غذاء وصناعة.
التخزين خارج الخليج
ليست البدائل كلها طرقًا مادية.
فإنشاء مخزونات نفطية وتجارية داخل الدول المستهلكة يمنح المنتجين القدرة على مواصلة التسليم خلال الأسابيع الأولى من الإغلاق، حتى إذا توقفت الشحنات من المنشأ.
وتحتفظ بعض الدول الخليجية بالفعل بمخزونات في الهند واليابان وكوريا الجنوبية ومواقع أخرى.
ويمكن توسيع هذا النموذج عبر:
- استئجار خزانات في الأسواق الآسيوية.
- إنشاء مخزونات مشتركة بين المنتج والمستهلك.
- تخزين النفط الخام والمنتجات المكررة خارج المنطقة.
- توقيع اتفاقات تبادل تسمح بتسليم شحنات من مواقع بديلة.
- زيادة المخزون الغذائي والصناعي داخل الخليج.
وهذه الإجراءات لا تستبدل هرمز، لكنها تشتري الوقت، وتحدّ من قدرة إيران على إحداث أثر اقتصادي فوري واسع بمجرد تهديد الممر.
الحماية العسكرية ليست بديلًا
تستطيع الأساطيل الدولية مرافقة السفن، وإزالة الألغام، وملاحقة الزوارق، وضرب منصات الصواريخ، لكنها تبقي التجارة داخل المضيق نفسه.
كما أن نجاح المرافقة العسكرية لا يُقاس بعبور سفينة أو قافلة، بل بعودة آلاف الرحلات التجارية، واستعداد شركات التأمين والبحارة للعمل بصورة طبيعية.
ولهذا تمثل القوة العسكرية أداة لإبقاء هرمز مفتوحًا، لا بديلًا عنه.
والفرق جوهري:
- تأمين المضيق يعالج التهديد.
- بناء المسارات البديلة يعالج الاعتماد على المضيق.
هل تستطيع الأنابيب هزيمة الجغرافيا؟
من الناحية الفنية، نعم.
يمكن نظريًا بناء خطوط تنقل معظم النفط الخليجي إلى البحر الأحمر أو بحر العرب، إذا توافرت الاستثمارات والاتفاقات والوقت.
لكن إنشاء شبكة تنقل 15 إلى 20 مليون برميل يوميًا يحتاج إلى عشرات المليارات من الدولارات، وموانئ جديدة، وطاقة كهربائية، ومحطات ضخ وتخزين، ومسارات محمية تمتد آلاف الكيلومترات.
أما الغاز الطبيعي المسال، فاستبدال مساره أكثر تعقيدًا وكلفة؛ لأنه يحتاج إلى إعادة بناء جزء من صناعة التسييل نفسها خارج الخليج.
كما أن كل مسار جديد يخلق نقاط حماية جديدة:
- الأنبوب قد يتعرض للتخريب.
- محطة الضخ قد تُستهدف.
- الميناء قد يُغلق.
- البحر الأحمر يواجه مخاطر باب المندب.
- الفجيرة والدقم قد تتحولان إلى أهداف استراتيجية.
- الخطوط العابرة للدول تتأثر بالخلافات السياسية.
لا توجد بنية تحتية خالية من المخاطر؛ لكن تعدد المسارات يمنع تهديدًا واحدًا من تعطيل منظومة الإمداد بأكملها.
القناة المائية.. الفكرة الأبعد
طُرحت منذ سنوات تصورات لإنشاء قناة مائية تعبر الأراضي السعودية وتربط الخليج بالبحر الأحمر، من بينها مقترح لقناة يصل طولها إلى نحو 1300 كيلومتر، إلى جانب تصور آخر يربط الخليج ببحر العرب عبر الربع الخالي.
ولا تمثل هذه التصورات حتى الآن مشروعًا حكوميًا معتمدًا؛ إذ لم يصدر إعلان رسمي عن تبنيها، أو بدء دراسة تنفيذية ملزمة لها. ومع ذلك، أعادت أزمة هرمز منح الفكرة قيمة تستحق البحث، لا باعتبارها مشروعًا قريبًا، بل احتمالًا استراتيجيًا بعيد المدى.
ومن الناحية الهندسية، لا تعجز المملكة عن تنفيذ مشروع ضخم إذا ثبتت جدواه؛ فقد أنشأت خط شرق–غرب عبر شبه الجزيرة، وتنفذ اليوم مشروعات تفوق في تعقيدها ما كان يُعد مستحيلًا قبل سنوات.
لكن القناة المائية تختلف عن الأنبوب؛ فهي تحتاج إلى شق مسار ملاحي عريض وعميق عبر أكثر من ألف كيلومتر، ومعالجة فروق الارتفاع والتكوينات الجبلية، وبناء أهوسة وجسور ومنشآت تشغيل وحماية دائمة.
ويمكن للمشروع، إذا أثبتت الدراسات جدواه، أن يمنح المملكة ممرًا عالميًا يخضع لسيادتها، ويختصر بعض طرق الملاحة، وينشئ موانئ ومدنًا ومراكز صناعية ولوجستية داخلية، ويقلل من احتكار هرمز لحركة الطاقة والتجارة.
وفي المقابل، قد تكون كلفته أكبر كثيرًا من التقديرات المتداولة، مع مخاطر تمس المياه الجوفية والبيئة الصحراوية، واحتمالات التسرب والملوحة والتبخر، فضلًا عن الحاجة إلى حماية منشأة طويلة يمكن أن تتحول هي نفسها إلى نقطة استهداف أو اختناق.
لذلك لا ينبغي رفض الفكرة باعتبارها خيالًا، ولا تقديمها بوصفها مشروعًا جاهزًا؛ بل وضعها أمام دراسة سعودية حديثة ومستقلة تقارن بين القناة، وتوسعة الأنابيب، والسكك الحديدية، والممرات المتجهة إلى البحر الأحمر وبحر العرب. فالسؤال ليس: هل تستطيع المملكة تنفيذها؟ بل: هل ستكون القناة أفضل استخدام ممكن لهذه القدرة؟
الخريطة في خلاصة
تتوزع بدائل هرمز بين مسارات تعمل بالفعل، وأخرى قيد التنفيذ، ومشروعات ما زالت في طور الدراسة.
المسارات القائمة
يتصدر خط بقيق–ينبع السعودي البدائل العاملة حاليًا، بطاقة تتراوح بين خمسة وسبعة ملايين برميل يوميًا، ويمنح المملكة منفذًا سياديًا إلى البحر الأحمر. لكنه يحتاج إلى توسعة مرافق الضخ والتخزين والتحميل، فيما قد تواجه صادراته المتجهة إلى آسيا نقطة اختناق أخرى عند باب المندب.
ويأتي خط حبشان–الفجيرة الإماراتي بطاقة تقارب 1.8 مليون برميل يوميًا، موفرًا منفذًا مباشرًا إلى بحر العرب، من دون عبور هرمز أو باب المندب. غير أن قرب الفجيرة من منطقة التوتر يبقي الخط والميناء داخل نطاق المخاطر العسكرية.
أما خط غوره–جاسك الإيراني، فتبلغ طاقته المعلنة نحو مليون برميل يوميًا، لكنه لم يتحول حتى الآن إلى مسار تجاري منتظم، ما يكشف الفارق بين الطاقة المعلنة والقدرة التشغيلية المستدامة.
مشروعات قيد التنفيذ
تعمل الإمارات على إنشاء خط ثانٍ إلى الفجيرة بطاقة تقدر بنحو 1.5 مليون برميل يوميًا، مع استهداف تشغيله خلال عام 2027، بما قد يضاعف تقريبًا قدرتها على تصدير النفط من خارج هرمز.
وتدرس المملكة توسيع منظومة شرق–غرب، بالتوازي مع إمكان ربطها بصادرات بعض دول الخليج، ما قد يحولها من مسار سعودي إلى جسر إقليمي للطاقة بين الخليج والبحر الأحمر.
مشروعات تنتظر القرار
لا يزال خط البصرة–العقبة، بطاقة مقترحة تبلغ مليون برميل يوميًا، متعثرًا أمام تحديات التمويل والأمن والسياسة، رغم قدرته على منح العراق منفذًا مستقلًا إلى البحر الأحمر.
ويبرز ربط مناطق الإنتاج الخليجية بالساحل العُماني بوصفه أحد أهم الخيارات المستقبلية؛ إذ يتيح الوصول المباشر إلى بحر العرب والأسواق الآسيوية، لكنه يحتاج إلى خطوط طويلة واتفاقات عابرة للحدود واستثمارات ضخمة.
أما نقل الغاز القطري إلى الساحل العُماني وربطه بمنشآت إسالة جديدة، فيمثل حلًا بعيد المدى لأصعب حلقات الاعتماد على هرمز، لكنه أكثر تعقيدًا وكلفة من بدائل النفط.
بدائل التجارة والتخزين
تستطيع السكك الحديدية والجسر البري السعودي والموانئ الجافة نقل الحاويات والمواد الغذائية والسلع الصناعية بين الخليج والبحر الأحمر وبحر العرب، لكنها لا تعوض صادرات النفط والغاز.
كما يمنح التخزين في الأسواق الآسيوية والأوروبية المنتجين وقتًا لمواجهة الانقطاعات، ويحدّ من الأثر الاقتصادي الفوري لتهديد المضيق، من دون أن يمثل طريقًا بديلًا بذاته.
خلاصة الخريطة
تتصدر المملكة والإمارات البدائل الجاهزة، فيما تمتلك عُمان الموقع الجغرافي الأكثر جذبًا للمشروعات المستقبلية المتجهة إلى آسيا.
ويملك العراق مسارات محتملة ما زالت مقيدة بالسياسة والتمويل والأمن، بينما تحتاج الكويت والبحرين إلى الارتباط بشبكات الدول المجاورة. ويبقى الغاز القطري التحدي الأصعب أمام أي خطة إقليمية لتجاوز هرمز.
لن تقوم الخريطة الجديدة على أنبوب واحد يحل مكان المضيق، بل على شبكة تمنح كل دولة أكثر من منفذ، وتمنع هرمز من البقاء بوابة وحيدة للطاقة والتجارة.
من يربح؟
إذا تحولت البدائل إلى سياسة إقليمية، ستكون المملكة العربية السعودية أكبر المستفيدين استراتيجيًا؛ لا لأنها تملك أكبر خط قائم فقط، بل لأنها تقع في مركز جميع المسارات الممكنة تقريبًا:
- بين الخليج والبحر الأحمر.
- بين الكويت والبحرين والمنافذ الغربية.
- بين قطر والساحل البديل المحتمل.
- بين العراق والبحر الأحمر أو شبه الجزيرة.
- وبين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
وتأتي عُمان في المرتبة الثانية من حيث القيمة الجغرافية المستقبلية، لأن سواحلها تفتح الخليج على المحيط الهندي من دون المرور بهرمز أو باب المندب.
أما الإمارات، فتمتلك أفضل بديل جاهز للأسواق الآسيوية، وتسعى إلى مضاعفة قدرته سريعًا.
وقد تصبح الدول الثلاث —المملكة وعُمان والإمارات— أضلاع شبكة بديلة تعيد رسم خريطة الطاقة والتجارة في الخليج.
من يخسر؟
إيران هي الخاسر الاستراتيجي الأكبر من بناء البدائل، حتى إذا استفادت مرحليًا من تهديد المضيق.
فقيمة هرمز السياسية لا تأتي من وجوده الجغرافي، بل من حاجة العالم إليه.
وكل أنبوب جديد، وكل ميناء خارج الخليج، وكل خزان في آسيا، وكل خط سكة يصل إلى بحر العرب أو البحر الأحمر، يقتطع جزءًا من قدرة طهران على استخدام المضيق للضغط.
كما قد يتراجع الوزن النسبي لبعض الموانئ داخل الخليج لمصلحة ينبع والفجيرة والدقم وصلالة، مع تغير مسارات الاستثمار والتخزين والتكرير والتأمين.
السيناريو الأقرب
لن يختفي هرمز، ولن يتوقف العالم عن استخدامه بعد فتحه؛ لأنه سيظل الطريق الأقصر والأقل كلفة لكميات ضخمة من الطاقة والتجارة.
لكن الأزمة الحالية ستغير طريقة التعامل معه.
والأقرب خلال السنوات المقبلة هو:
- رفع الاستخدام الدائم لخط شرق–غرب السعودي، وعدم إعادته إلى المستويات المنخفضة السابقة.
- تسريع الخط الإماراتي الثاني وتوسيع مرافق الفجيرة.
- زيادة التخزين السعودي والإماراتي في الداخل والأسواق الآسيوية.
- إعادة إحياء مشروع البصرة–العقبة ومسارات العراق الشمالية.
- دراسة ممرات إلى الدقم والساحل العُماني بجدية أكبر.
- طرح شبكة إقليمية لنقل الغاز القطري إلى منشآت إسالة خارج هرمز.
- تسريع السكك الحديدية والموانئ الجافة لنقل التجارة غير النفطية.
- تحويل أمن الأنابيب والموانئ البديلة إلى جزء من التحالفات الدفاعية الجديدة.
استشراف BETH
لا يبدو أن العالم سيستبدل مضيق هرمز بمشروع واحد؛ بل سيستبدل الاعتماد المطلق عليه بشبكة متدرجة من المسارات.
وفي المدى القريب، ستظل السعودية والإمارات قادرتين على إخراج جزء مهم من النفط، بينما تبقى قطر والكويت والبحرين والعراق أكثر تعرضًا، ويظل الغاز المسال الحلقة الأصعب.
وفي المدى المتوسط، ستتقدم ينبع والفجيرة والدقم بوصفها الموانئ التي تعيد تشكيل خريطة الطاقة.
أما في المدى البعيد، فقد تتشكل منظومة إقليمية تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وبحر العرب، وتربط خطوط النفط والغاز والسكك الحديدية والمخزونات والموانئ تحت مظلة أمنية واحدة.
وعندها لن يفقد هرمز أهميته، لكنه سيفقد احتكاره.
استخدمت إيران المضيق لتثبت أن العالم لا يستطيع تجاوزها؛ لكنها قد تكون، من حيث لا تريد، قد منحت العالم السبب والوقت والمال لبناء الطريق الذي يتجاوزها.
وحين تكتمل شبكة البدائل، لن تحتاج إيران إلى إغلاق هرمز كي تخسره؛ فقد يبقى مفتوحًا أمام السفن، بعدما تكون أهميته الاستراتيجية قد بدأت تغادره.