العشق والزواج.. وتأديب الجزء المتعلّق
كتب: عبدالله العميره
كالعادة، نحاول كل مساء أن نسير معكم قليلًا خارج دائرة الأخبار، إلى أجواء ألطف وأهدأ.
من بين رسائل كثيرة وصلتني، استوقفتني رسالة نصية يسأل صاحبها:
لماذا لا يتزوج العشاق؟
قلت: لا أعرف!
ثم سألته: هل لديك أمثلة؟
فأنا أعرف كثيرين تزوجوا عن حب، كما أعرف آخرين تزوجوا بدوافع ورغبات مختلفة. أما العشق والعاشقون، فلا أعرف سببًا يجعلهم لا يتزوجون، ووعدته بأن أبحث في الأمر.
لكن السؤال، على جاذبيته، ينطلق من افتراض غير دقيق؛ فالعشاق يتزوجون فعلًا، وربما كان السؤال الأصدق:
لماذا لا ينتهي كل عشق بالزواج؟
والسؤال البديهي هنا: هل العشق أو الحب شرط للزواج؟
ليس شرطًا سابقًا؛ فكثير من الزيجات الناجحة بدأت بالقبول والتوافق، ثم نما الحب داخلها. وقد يسبق الحب الزواج أو يولد بعده، لكن نجاح الحياة المشتركة يحتاج، في الحالتين، إلى المودة والاحترام والقدرة على التفاهم.
الحب شيء والزواج شيء آخر
العشق تجربة شعورية، أما الزواج فقرار حياتي ومشروع مشترك.
ويبقى السؤال: ما الذي يجعل الإنسان يعشق؟ أهو الجمال، أم كيمياء خفية تجمع شخصين، أم أن العشق هو الذي يصنع الجمال في عين صاحبه؟ ويُنسب إلى قيس، حين عوتب في حب ليلى لأنها لم تكن جميلة في أعينهم، قوله: «خذوا عينيَّ وانظروا بها».
قد يبدأ الأول بنظرة أو كلمة أو انجذاب لا يحتاج إلى تفسير، لكن الثاني يحتاج إلى توافق في القيم والطباع والمسؤوليات والظروف الاجتماعية والاقتصادية.
في العشق، يكفي أن يحب اثنان بعضهما. وفي الزواج، عليهما أن يعرفا كيف يعيشان معًا، وكيف يختلفان، وكيف يواجهان المال والأسرة والعمل والمرض وتقلبات الأيام.
ولهذا لا يفشل بعض العشاق بسبب نقص الحب، بل لأن الحب لم يتحول إلى قدرة على بناء الحياة.
قد يحب أحدهما أكثر مما يحب الآخر. وقد يأتي الحب في توقيت غير مناسب، أو تقف الأسرة والظروف بينهما، أو ينسجمان في المشاعر ويختلفان في تصور المستقبل. وقد يريد أحدهما لذة القرب، لكنه لا يكون مستعدًا لمسؤولية البقاء.
حين يقترب الواقع
تعيش بعض علاقات العشق على المسافة والانتظار والحرمان. وحين يقترب احتمال الزواج، ينتقل العاشقان من الخيال إلى التفاصيل؛ من الرسائل والاشتياق إلى المال والالتزام والطباع اليومية.
هناك يظهر السؤال الحقيقي: هل يستطيع العشق أن يتحول إلى شراكة، أم أنه كان جميلًا فقط ما دام بعيدًا عن الاختبار؟
بعض الناس لا يخافون فقدان الحبيب بقدر ما يخافون فقدان الصورة التي صنعوها للحب. ولهذا قد يتراجعون حين يصبح الحلم ممكنًا؛ لأن الزواج سيضع تلك الصورة أمام امتحان الواقع.
فالعاشق قد يحب الإنسان، وقد يحب أيضًا الشعور الذي منحه إياه، والنسخة التي كان عليها معه، والمستقبل الذي تخيله ولم يحدث. وربما تعلق بالصورة التي صنعها عن الآخر أكثر من تعلقه بحقيقته الكاملة.
وقد يكون الحزن على المستقبل المتخيّل أكبر من الحزن على العلاقة التي عشناها فعلًا.
عشاق لم يتزوجوا
يحفظ التراث والتاريخ نماذج كثيرة لعشاق لم يجمعهم الزواج، مع ضرورة التفريق بين الوقائع الموثقة والقصص التي اختلط فيها التاريخ بالشعر والأسطورة.
قيس وليلى أشهر قصة حب عربية لم تنتهِ بالزواج. رفض أهل ليلى زواجها من قيس بعد شيوع شعره فيها، وزُوّجت من رجل آخر، وإن تعددت الروايات واختلطت الحقيقة بالأسطورة.
جميل وبثينة ارتبط اسماهما بالحب العذري؛ أحبها جميل وتقدم إليها، لكن أهلها رفضوه وزوجوها غيره، فبقيت في شعره حتى صار الفراق جزءًا من خلودهما.
ابن زيدون وولّادة عاشا واحدة من أشهر علاقات الحب في الأندلس، لكنها انتهت تحت وطأة الخلاف والغيرة والاتهامات بالخيانة، وتداخلت معها الخصومات السياسية. لم يتزوجا، لكن الفراق أنجب بعض أجمل شعر ابن زيدون.
جبران خليل جبران ومي زيادة جمعتهما علاقة فكرية وعاطفية عبر الرسائل امتدت سنوات طويلة، من دون أن يلتقيا وجهًا لوجه أو يتزوجا. وقد عاشت علاقتهما بالكلمات والصورة المتخيلة أكثر مما عاشت في الواقع اليومي.
سورين كيركغارد وريجينه أولسن وصلا إلى الخطبة، ثم أنهى الفيلسوف الدنماركي ارتباطهما؛ إذ رأى أن طبيعته القلقة وحياته الفكرية والدينية لن تسمحا له بأن يكون زوجًا يسعدها. تزوجت هي لاحقًا، أما هو فلم يتزوج، وظلت حاضرة في كتاباته حتى وفاته.
لا تقدم هذه القصص سببًا واحدًا للفراق: فقد منعت الأسرة قيسًا وليلى، وأفسدت الخلافات علاقة ابن زيدون وولّادة، وحالت المسافة دون انتقال جبران ومي من الرسائل إلى الحياة، بينما هزم الخوف الداخلي كيركغارد عند باب الزواج.
لماذا نتذكرهم؟
لأن قصص الذين لم يتزوجوا أكثر حضورًا في الذاكرة؛ فهي مؤلمة، وتصلح للشعر والحكايات أكثر من العلاقات التي انتهت بهدوء إلى بيت وأسرة.
العشاق الذين تزوجوا عاشوا تفاصيل الحياة، أما الذين افترقوا فتركوا وراءهم رسائل وقصائد وأسئلة لم تُغلق.
ولذلك قد يبدو لنا أن العشاق لا يتزوجون، بينما الحقيقة أن التاريخ حفظ المأساة أكثر مما حفظ السعادة الهادئة.
تأديب الجزء المتعلّق
حين لا ينتهي العشق بالزواج، قد يغيب الشخص ويبقى الجزء المتعلّق حاضرًا؛ ينتظر، ويتذكر، ويتخيل، ويعيد بناء العلاقة في الذهن بعدما انتهت في الواقع.
ومن أشد أوجاع العشق أن يسكن قلبك شخصٌ تعرف أنه ليس من نصيبك.
والتعلّق ليس حبًا زائدًا. الحب يرى الآخر ويقدّره من دون أن يلغي صاحبه، أما التعلّق فيجعل وجود الآخر شرطًا للطمأنينة، ورضاه دليلًا على القيمة، وغيابه تهديدًا للاستقرار الداخلي.
نحن في الحب نقترب لأننا نريد، وفي التعلّق نتمسك لأننا نخاف.
وتأديب الجزء المتعلّق لا يعني توبيخه أو معاقبته، بل تهذيبه، وتعليمه احتمال الحقيقة، ووضع حدود بين الحاجة والاختيار.
أن نقول له:
أفهم خوفك، لكن الخوف لا يقرر وحده.
أعترف باشتياقك، لكن الاشتياق ليس أمرًا بالعودة.
أسمع ألمك، لكن الألم لا يجعل العلاقة الخاطئة صحيحة.
أحترم حاجتك إلى الحب، لكن كرامتي ليست الثمن.
فالتأديب الحقيقي ليس قسوة على النفس، بل رحمة تمنع ضعفها المؤقت من صناعة ألم طويل.
من العشق إلى المودة
لا يعني ذلك أن العشق والزواج متعارضان. فكثير من الزيجات الناجحة بدأت بحب عميق، ثم نضج فيها الحب وتحول من انفعال إلى مودة، ومن اشتياق إلى مسؤولية، ومن وعد إلى حضور يومي.
والذين يتزوجون عن عشق لا ينجحون لأنهم ظلوا عاشقين بالطريقة الأولى، بل لأنهم تعلموا بعد الزواج أن يكونوا رفقاء أيضًا.
فالعشق يجيد إشعال البداية، لكن الحياة تحتاج إلى ما هو أبقى من الاشتعال: الرحمة، والصبر، والوضوح، والقدرة على حمل الأيام العادية معًا.
منظور آخر
ربما لا يكون السؤال: لماذا لا يتزوج العشاق؟
ربما يكون: لماذا يستطيع بعض العشاق نقل الحب من الخيال إلى الحياة، بينما يعجز آخرون عن ذلك؟
الإجابة ليست في مقدار المشاعر وحده، بل في النضج الذي يحميها، والشجاعة التي تحولها إلى قرار، والقدرة على قبول الآخر إنسانًا حقيقيًا لا صورة مثالية.
العشق يستطيع أن يفتح باب الزواج، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني البيت.
والعشاق الذين تزوجوا بنوا بيوتًا، أما الذين افترقوا فبنوا حكايات؛ لذلك حفظ التاريخ الحكايات أكثر.
__________
في وكالة بث، نغطي الحرب لأن تجاهلها غفلة، ونكتب عن الحياة لأن نسيانها هزيمة.
فالخبر يعرّف القارئ بما يحدث حوله، والوجدانيات تعيده برفق إلى نفسه.
اهدأ قليلًا؛ فبعض الكلمات لا تُقرأ، بل تعبر الروح حتى تنام مطمئنة.