ما يستحق أن يبقى

news image

كتب: عبدالله العميره

عندما يهدأ الليل، لا تختفي أحداث اليوم؛ بل يتغير صوتها. فما كان صاخبًا في العمل وعلى الشاشات يصبح سؤالًا في العقل، وما عبر سريعًا أمام الآخرين قد يستقر طويلًا في القلب.

وبين عقلٍ لم يفرغ من عمله، وقلبٍ يبحث عن سكينته، تنبعث بين حين وآخر اهتزازاتٌ لا صوت لها؛ تأتي من بعيد، فتوقظ شوقًا حسبناه نام، ثم تخبو لتعود من جديد.

يتقدم القلب نحو الغائب، ويستدركه العقل قبل أن يبدد الشوق هدوءه. ولا ينتصر أحدهما على الآخر؛ بل يعيد كلٌّ منهما صاحبه إلى التوازن: يحتفظ القلب بشوقه، ويستعيد العقل سكينته، وتستعد الروح لحلم جديد ويوم جديد.

وهكذا تستمر الحياة؛ بتفاهم صامت بين ما نشعر به، وما نعرف كيف نحتمله.

لا نعرف دائمًا كيف نغلق أبواب التفكير، أو نُسكت ضجيج الأشياء التي لم تكتمل، والكلمات التي قيلت، وتلك التي كان ينبغي أن تُقال.

نحمل معنا إلى كل مكان أخبار العالم، وهموم العمل، ومواقف الناس، وخيباتٍ صغيرة لم ينتبه إليها أحد، ثم نستغرب لماذا يتأخر الهدوء.

ولأن القلب لا يملك زرًا للإغلاق، يحتاج الإنسان، في نهاية يومه، إلى أن يسأل نفسه:

ما الذي يستحق أن أحمله معي إلى الغد؟

ليس كل شيء يستحق البقاء

بعض ما أتعبنا اليوم لن يكون مهمًا بعد أسبوع.

تعليق عابر، أو نظرة أزعجتنا، أو اختلاف كان يمكن أن ينتهي لو منحناه قدره الحقيقي، بدل أن نسمح له بأن يكبر داخلنا.

نحن لا نتعب دائمًا من ثقل الأحداث، بل من إبقائها حيّة بعد انتهائها؛ نعيد الموقف، ونراجع الكلمات، ونصنع إجابات متأخرة، ونخوض في داخلنا معارك لم يعد الطرف الآخر حاضرًا فيها.

وليس من الحكمة أن نحمل كل شيء؛ فالذاكرة التي لا تعرف كيف تتخفف تتحول إلى مستودع للألم، والقلب الذي لا يغفر لا يعاقب الآخرين بقدر ما يستنزف نفسه.

ليس السكوت نسيانًا، ولا النسيان ضعفًا أو عجزًا، ولا التجاوز تنازلًا.

وكلها، أحيانًا، وسائل يلجأ إليها العقل لحماية ما بقي من صفائه، وإنقاذ القلب من استنزافٍ لا يستحقه.

ما يبقى حقًا

تبقى كلمة طيبة قيلت لنا في وقتها.

ويد امتدت إلينا حين كنا نظن أننا وحدنا.

ويبقى شخص لم يغيّر قلبه تغيّر الظروف، وصديق فهم صمتنا دون أن يطالبنا بتفسيره.

تبقى لحظة أدخلنا فيها السرور إلى إنسان، ودعوة خرجت لنا من قلب لا نراه، وعمل أنجزناه بإخلاص حتى لو لم يصفق له أحد.

أما المناصب فتتبدل، والأخبار تتقادم، والضجيج يجد كل صباح موضوعًا جديدًا.

وحده الأثر الصادق يقاوم الزمن.

قد ينسى الناس ما قلناه عن أنفسنا، لكنهم لا ينسون كيف شعروا معنا؛ هل منحناهم أمانًا أم خوفًا؟ وهل وجدوا في حضورنا راحة أم عبئًا؟ وهل خرجوا من لقائنا أخف أم أكثر تعبًا؟

فالإنسان لا يبقى في ذاكرة الآخرين بصورته، بل بالأثر الذي تركه خلفها.

اترك شيئًا للغد

ليس مطلوبًا منك أن تحل مشكلات حياتك كلها قبل أن تنام.

هناك أسئلة لا تنضج إجابتها إلا بعد أن نبتعد عنها، وأبواب لا تفتحها كثرة الطرق، بل يفتحها الله في الوقت الذي يعلم أنه الأنسب لنا.

افعل ما تستطيع، ثم لا تعاقب نفسك على ما لم يكن في قدرتك.

راجع خطأك، لكن لا تحوّل المراجعة إلى محاكمة لا تنتهي.

اعتذر إن أسأت، وأصلح إن استطعت، ثم امنح روحك حقها في الراحة؛ فالإنسان المرهق لا يرى الأشياء كما هي، بل كما يصورها له تعبه.

وغدًا، قد يبدو ما أقلقك الليلة أصغر، وقد يظهر طريق لم تره، وقد تصل كلمة تغيّر المعنى كله.

فليس كل تأخير حرمانًا، ولا كل باب مغلق نهاية، ولا كل ما غاب عنا ضاع.

طمأنينة أخيرة

قبل أن تنام، تذكّر نِعَم الله عليك؛ ومنها رهافة الإحساس والقدرة على التفكير، وهي نِعَم ربما اعتدت وجودها حتى كدت تنسى عظمتها. وتذكّر موقفًا نجوت منه، ودعاءً تحقق بطريقة لم تتوقعها.

ستكتشف أن في حياتك أشياء كثيرة تستحق الامتنان، حتى إن بقي فيها ما يحتاج إلى الصبر.

ضع يومك بين يدي الله كما هو؛ بنجاحه وتقصيره، بفرحه وألمه، بما فهمته وما عجزت عن تفسيره.

فأنت لا تحتاج إلى معرفة كل ما سيحدث كي تطمئن؛ يكفي أن تعرف أن الأمر ليس متروكًا للمصادفة، وأن ما خفي عن عينك لا يغيب عن تدبير الله.

وقل دائمًا: إن كان لنا في شيء نصيب، فسنراه، وإن لم يكن، فالخير فيما اختاره الله.

لا تحمل إلى الغد كل ما أتعبك اليوم؛ خذ معك ما علّمك، واترك ما آلمك، ونَم بقلب يوقن أن الله يدبّر في الغيب ما تعجز العين عن رؤيته.