عيون BETH في عواصم القرار
هرمز يضع القوة الأمريكية أمام امتحان التنفيذ، واتفاق مكة ينتقل من قراءة التحالف إلى مراقبة التفعيل، والخلاف حول غزة يتسع بين واشنطن وتل أبيب، فيما تعيد الطاقة والذكاء الاصطناعي توجيه رأس المال العالمي
رصد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
العواصم | بث
تصدّر مضيق هرمز واجهات الصحافة العالمية، لكن زاوية التغطية تغيرت خلال الساعات الأخيرة؛ فبعد أيام من متابعة التفاوض الإيراني–العُماني، انتقل الاهتمام إلى اختبار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن البحرية الأمريكية تسيطر على المضيق وأزالت ألغامه.
وفي الوقت نفسه، واصلت الصحافة الإسرائيلية والإيرانية والعربية تحليل اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة وتركيا وباكستان، مع تحول السؤال من دلالاته السياسية إلى آليات تفعيله وحدود الالتزام بين أطرافه.
أما الأسواق، فتعاملت مع تبادل مطالب التعويض بين واشنطن وطهران بوصفه ابتعادًا عن التسوية، فيما عاد النفط والتضخم والذهب إلى قيادة قرارات المستثمرين.
أما في الشأن المحلي، فتركز الصحافة الأمريكية على التضخم والرسوم وحسابات انتخابات التجديد النصفي، فيما تنشغل أوروبا بالحرب الأوكرانية وموجات الحر وتباطؤ الاقتصاد.
وفي الصين، تتقدم تحديات التجارة وضعف الطلب الداخلي وتداعيات اضطراب الطاقة، بينما تراقب اليابان تراجع الين واحتمال التدخل مجددًا لحمايته.
أما الصحافة الإسرائيلية، فتجمع بين الخلاف مع واشنطن بشأن غزة، والانقسامات داخل الحكومة، والقلق من استمرار الحرب مع إيران.
وهكذا تبدو اهتمامات العواصم مختلفة في ظاهرها، لكنها تلتقي عند سؤال واحد: كيف تحمي الداخل من كلفة الحروب والاضطرابات القادمة من الخارج؟
واشنطن.. إعلان ينتظر الدليل
تقدّم إعلان ترمب أن البحرية الأمريكية تسيطر على هرمز وأزالت ألغامه في التغطية الأمريكية، بالتوازي مع كشفه عن ثلاث استراتيجيات للتعامل مع إيران: مراقبة مدى ضعفها، وضربها بقوة، ومواصلة الضغط الاقتصادي.
لكن الصحافة الاقتصادية لم تتعامل مع إعلان السيطرة باعتباره فتحًا للمضيق؛ إذ بقيت حركة النفط محدودة، وواصلت تكاليف النقل والتأمين الضغط على التجارة.
كما زاد طلب ترمب تعويضات من إيران، ردًا على مطالبتها واشنطن وتل أبيب بتعويضها عن أضرار الحرب، من الشكوك في إمكان التوصل إلى اتفاق قريب. وارتفع خام برنت إلى نحو 89 دولارًا، بعدما رأت الأسواق أن التفاوض دخل مرحلة تبادل الفواتير بدل معالجة شروط العبور.
وتهم هذه القراءة المملكة؛ لأن استمرار الفجوة بين السيطرة العسكرية وعودة الملاحة الطبيعية يبقي الضغط على صادرات الخليج والتأمين والمنشآت البديلة.
كما يضع الدول الإقليمية أمام سؤال يتجاوز قوة الولايات المتحدة: هل ستستمر واشنطن حتى تنتج ترتيبات بحرية مستقرة، أم تكتفي بإعلان الانتصار ثم تنتقل إلى ملف آخر؟
لندن.. من يملك البحر؟
ذهبت بعض الصحافة البريطانية إلى أن أزمة هرمز لم تعد معركة على إزالة الألغام فقط، بل صراع على تعريف صاحب السيادة الفعلية على الممر.
فالولايات المتحدة تقول إن بحريتها تسيطر عليه، وإيران تحاول ربط فتحه بشروط سياسية واقتصادية، بينما تقول حركة السفن إن أياً من الطرفين لم يستطع حتى الآن إعادة الوضع الطبيعي.
وربطت التغطية الاقتصادية البريطانية ارتفاع النفط والذهب بتراجع فرص الاتفاق، وبالخشية من انتقال ارتفاع الطاقة إلى التضخم وأسعار الفائدة. وبلغ الذهب أعلى مستوى له منذ نحو شهرين، في تعبير عن لجوء المستثمرين إلى الأصول الآمنة. الغارديان
وبالنسبة إلى المملكة، فإن هذه القراءة تعزز أهمية عدم اختزال أمن الطاقة في وجود قوة بحرية خارجية، وتمنح الممرات السعودية إلى البحر الأحمر قيمة متزايدة باعتبارها جزءًا من شبكة بدائل، لا مجرد مسارات احتياطية مؤقتة.
طهران.. ترحيب مشروط
واصل الإعلام الإيراني تقديم اتفاق مكة باعتباره تحولًا يمكن الترحيب به إذا أدى إلى استقلال أمن المنطقة عن القوى الأجنبية، لكنه حذر ضمنيًا من تحوله إلى إطار لاحتواء إيران.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إن بلاده لا ترى سببًا للخوف من الاتفاق بين المملكة وتركيا وباكستان، وربطه باتجاه دول المنطقة نحو الاعتماد على قدراتها الذاتية. لكنه اشترط أن يكون التعاون شاملًا، وأن يتعامل مع ما وصفه بالمصادر الحقيقية للتهديد. رويترز
أما الصحافة الإيرانية، فتوزعت بين من يرى الاتفاق نتيجة لتراجع الثقة في المظلة الأمريكية، ومن يقلل من قدرته العملياتية، ومن يحاول توجيهه نحو إسرائيل بدل إيران.
لكن تعدد القراءات وسرعة صدورها يكشفان أن طهران لا تتعامل مع الاتفاق باعتباره حدثًا عابرًا. فهي تراقب ما إذا كان سيبقى إطارًا للتنسيق، أم يتحول إلى منظومة قيادة وإنذار مبكر ودفاع مشترك تغير توازن القوة حولها.
تل أبيب.. استعجال الاختبار
منحت الصحافة الإسرائيلية اتفاق مكة مساحة متقدمة، وركزت على مبدأ اعتبار الاعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على بقية الأطراف.
لكن بعض التحليلات حاولت اختبار الاتفاق فورًا أمام التطورات اليمنية، وذهبت إلى أن عدم صدور تحرك معلن من تركيا وباكستان يكشف حدود الالتزام الجديد.
وهذه قراءة متعجلة؛ فاتفاقات الدفاع المشترك لا تعني ردًا عسكريًا فوريًا على كل حادثة، ولا تُقاس بعد أيام من توقيعها، بل بآليات التشاور وتبادل المعلومات والإنذار المبكر وتحديد طبيعة الاعتداء ومستوى الاستجابة.
وقد يكون اهتمام الصحافة الإسرائيلية بالتشكيك في الاتفاق أهم من التشكيك نفسه؛ إذ يكشف أن تل أبيب ترى في جمع القوة السعودية والقدرات العسكرية التركية والعمق الباكستاني تطورًا يستحق المراقبة.
كما تخشى إسرائيل أن يمنح الاتفاق المملكة مساحة استراتيجية أوسع، ويقلل اعتمادها على الضمانات الأمريكية أو الترتيبات التي تمر عبر تل أبيب.
غزة.. خلاف داخل التحالف
تقدّم الخلاف بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن غزة في الصحافة الغربية والإسرائيلية.
وتقوم الخطة الأمريكية على نزع سلاح حماس بصورة مرحلية، يقابله انسحاب إسرائيلي على مراحل، ونشر قوة دولية للاستقرار، وتشكيل إدارة فلسطينية تكنوقراطية.
لكن نتنياهو يرفض الانسحاب قبل نزع السلاح كاملًا، فيما تؤكد الجهة الأمريكية المشرفة على الخطة أنها ما زالت قائمة وأن التنفيذ سيجري وفق التزامات متبادلة يجري التحقق منها.
ويكشف الخلاف أن قدرة واشنطن على فرض خططها ليست مطلقة حتى على أقرب حلفائها، وهي ملاحظة مهمة عند تقييم وعودها بشأن إيران وهرمز.
فإذا كانت الولايات المتحدة تواجه صعوبة في ضبط التوقيت الإسرائيلي في غزة، فإن الدول الإقليمية ستسأل عن قدرتها على منع تل أبيب من تنفيذ ضربة داخل إيران تقلب مسار التفاوض كله.
بكين.. فاتورة هرمز الآسيوية
ركزت الصحافة الآسيوية على أثر تعطل هرمز في الاقتصادات المستوردة للطاقة، أكثر من تركيزها على الروايات السياسية الأمريكية والإيرانية.
وتعاملت التغطيات الصينية مع مطالبة ترمب بالتعويضات باعتبارها شرطًا جديدًا يبعد الاتفاق، ويطيل اضطراب النفط والغاز والأسمدة والشحن.
وتدرك الصين أن استمرار الأزمة يرفع كلفة الصناعة والنقل، ويجبرها على السحب من المخزونات وتنويع الموردين والمسارات.
ويمنح ذلك المملكة فرصة استراتيجية، لا تقتصر على بيع النفط؛ فامتلاك منافذ على الخليج والبحر الأحمر، إلى جانب الاستقرار والقدرة الإنتاجية، يجعلها شريكًا أكثر قدرة على إدارة المخاطر الآسيوية.
لكن الفرصة تتطلب تسريع الاستثمارات في خطوط النقل والتخزين والموانئ، لأن المشترين الآسيويين سيعطون قيمة متزايدة للنفط الذي يمتلك أكثر من طريق إلى السوق.
موسكو وكييف.. حرب النفط
واصلت الحرب الأوكرانية انتقالها إلى منشآت الطاقة والعمق اللوجستي.
وأكدت أوكرانيا استهداف مصفاة في تتارستان الروسية، فيما كثفت روسيا ضرباتها على مدن وبنى لوجستية أوكرانية، وسط تقارير عن استخدام صواريخ كورية شمالية في بعض الهجمات الأخيرة.
وتكشف هذه التطورات أن الطاقة لم تعد نتيجة للحرب فقط، بل أصبحت هدفًا مباشرًا فيها.
وتهم المملكة هذه الجبهة لأن تزامن اضطراب النفط الروسي مع تعثر صادرات الخليج يمكن أن يدفع الأسعار إلى ارتفاعات أشد، ويزيد الضغوط على التضخم والنمو.
كما أن استهداف الموانئ ومسارات الحبوب الأوكرانية يعيد خطر ارتفاع أسعار الغذاء، خصوصًا مع موجات الحرارة والجفاف التي تضرب مناطق زراعية واسعة.
أوروبا.. الحرارة تدخل الاقتصاد
زاحمت موجات الحرارة والجفاف والحرائق الحروب في الصحافة الأوروبية.
وتستعد فرنسا وبريطانيا وإسبانيا لموجة جديدة، فيما أثرت مستويات المياه المنخفضة في الأنهار في النقل وإنتاج الطاقة، وارتفعت مخاطر الحرائق في مناطق واسعة من القارة.
ولم تعد التغطية الأوروبية تتعامل مع الطقس المتطرف ملفًا بيئيًا منفصلًا؛ بل تربطه بالأمن الغذائي، وشبكات الكهرباء، والتأمين، وأسعار المنتجات الزراعية.
وتهم هذه التحولات المملكة من زاويتين: الأولى زيادة الطلب العالمي على تقنيات التبريد والمياه والطاقة المرنة، والثانية اتساع فرص الاستثمار في مشروعات الأمن الغذائي والتقنيات المناخية التي تمتلك المملكة خبرة متقدمة في التعامل مع بيئتها الصعبة.
الذكاء الاصطناعي.. نصف تريليون
بعيدًا عن الحروب، تصدر اتفاق ضخم تقوده «إنفيديا» مع ست مؤسسات مالية عالمية واجهات الصحافة الاقتصادية والتقنية.
وتستهدف الشراكة إنشاء منصات تمويل قادرة على جمع أكثر من 500 مليار دولار لبناء مراكز البيانات والبنية التحتية والطاقة اللازمة لتوسيع الذكاء الاصطناعي.
ولا تكمن أهمية الخبر في حجم التمويل وحده، بل في تحول القدرة الحاسوبية إلى فئة أصول استثمارية شبيهة بالطاقة والمطارات والطرق.
وبالنسبة إلى المملكة، يفتح هذا التحول بابًا يتوافق مع استثماراتها في الذكاء الاصطناعي والطاقة ومراكز البيانات؛ إذ إن المنافسة المقبلة لن تكون على شراء الرقائق فقط، بل على تمويل وتشغيل «مصانع الذكاء» وتوفير الكهرباء والأرض والاتصال ورأس المال طويل الأجل.
وتمتلك المملكة عناصر عدة في هذه المعادلة، لكن النجاح يتطلب تحويل الإعلانات والشراكات إلى قدرات تشغيلية واستثمارات قابلة للتوسع.
في الإعلام العربي
تركز الإعلام العربي على ثلاثة ملفات مترابطة:
- الجمود بين واشنطن وطهران حول هرمز.
- اتفاق مكة ومستقبل الأمن الإقليمي.
- التصعيد في اليمن والبحر الأحمر.
واتجهت بعض القراءات إلى تقديم اتفاق مكة نواة لنظام أمني مستقل، بينما حذرت قراءات أخرى من الحكم عليه قبل ظهور هياكل القيادة والتنسيق وآليات الاستجابة.
أما القراءة الإيرانية التي عرضها الإعلام العربي، فحاولت وضع الاتفاق أمام خيارين: إما الانفتاح على إيران والتحول إلى إطار إقليمي شامل، أو البقاء تحالفًا مغلقًا يُنظر إليه باعتباره أداة احتواء.
لكن هذه الثنائية تتجاهل أن الاتفاق لم يُنشأ ليحصل على قبول إيران أو إسرائيل، بل لتعزيز قدرة الدول الثلاث على حماية أمنها ومصالحها وفق تقديرها هي للتهديدات.
ما يهم السعودية
تكشف جولة الصحافة العالمية اليوم خمس رسائل رئيسة للمملكة:
أولًا: إعلان السيطرة الأمريكية على هرمز لا يكفي؛ فالمعيار الذي يهم المملكة هو عودة الملاحة الآمنة، وانخفاض التأمين، ووجود ضمانات تستمر بعد تغير الأولويات الأمريكية.
ثانيًا: اتفاق مكة دخل مرحلة الحرب الإعلامية مبكرًا؛ إذ تحاول كل من إيران وإسرائيل تفسيره بما يخدم مخاوفها ومصالحها، قبل اكتمال آليات تفعيله.
ثالثًا: التصعيد اليمني لم يعد ملفًا منفصلًا عن هرمز؛ فاضطراب الخليج والبحر الأحمر معًا يستهدف الميزة السعودية في تعدد منافذ الطاقة والتجارة.
رابعًا: انتقال الحرب الأوكرانية إلى منشآت النفط والحبوب يجعل المملكة أكثر أهمية في استقرار الطاقة، لكنه يزيد مسؤولية حماية المنشآت وخطوط التصدير.
خامسًا: التمويل العالمي الضخم للذكاء الاصطناعي يفتح مجالًا أمام المملكة لتصبح مركزًا للبنية الحاسوبية والطاقة والاستثمار، إذا انتقلت بسرعة من الشراكة إلى التشغيل.
عين BETH
الخبر الأهم اليوم ليس أن الولايات المتحدة أعلنت سيطرتها على هرمز، ولا أن إيران قالت إنها لا تخشى اتفاق مكة.
الخبر الأعمق أن العالم أصبح أقل استعدادًا لتصديق الإعلانات من دون اختبارها.
الأسواق تريد سفنًا تعبر لا تصريحات عن الفتح، والدول تريد تحالفات تعمل لا نصوصًا تُوقع، والشعوب تريد خطط سلام تُنفذ لا خرائط طريق تتوقف عند أول خلاف.
العالم لا يعاني نقصًا في القوة أو الاتفاقات؛ بل نقصًا في الضمانات التي تبقى عندما تتغير المصالح.
وبالنسبة إلى المملكة، لا تكمن المرحلة المقبلة في انتظار من يحمي المنطقة، بل في بناء القوة التي تمنع أمنها من البقاء معلقًا بقرار يأتي من خارجها.