عندما ارتدت الثورة

news image

47 عامًا من تصدير الأزمات.. فهل وصلت النيران إلى صاحبها؟

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، لم يتعامل النظام الجديد مع الثورة باعتبارها حدثًا انتهى بقيام الدولة.

لقد جعلها مشروعًا مستمرًا.

فالدولة الإيرانية لم تعد، في رؤية النظام، وطنًا له حدود ومصالح وطنية فقط، بل قاعدة لمشروع عقائدي وسياسي يتجاوز الحدود، ويتدخل في تشكيل موازين القوى داخل دول أخرى.

ومن هنا وُلدت الفكرة الأخطر:

تصدير الثورة.

لم يكن المقصود تصدير نموذج ثقافي أو اقتصادي ناجح، بل بناء نفوذ عابر للحدود، يقوم على جماعات مسلحة وولاءات أيديولوجية وهياكل موازية للدول.

وخلال سبعة وأربعين عامًا، ظهرت نتائج هذه السياسة في لبنان والعراق واليمن وسوريا، وإن بدرجات وأشكال مختلفة. وفي بعض الدول الأخرى، لم يكن الحضور الإيراني عسكريًا، بل اتخذ أشكالًا سياسية أو إعلامية أو مذهبية، سعيًا إلى بناء دوائر تأثير تتكيف مع طبيعة كل مجتمع.

ولم تقتصر محاولات نظام الملالي في بناء دوائر التأثير على ساحات الصراع التقليدية، بل امتدت، بدرجات متفاوتة، إلى مجتمعات أخرى عبر أدوات فكرية، أو مذهبية، أو إعلامية، تتكيف مع طبيعة كل بيئة محلية.

وإذا اكتملت هذه الدائرة واتسع نطاقها، فإن تأثيرها قد يتجاوز خطر الجماعات المسلحة؛ لأنها لا تستهدف السيطرة على الأرض فحسب، بل تسعى إلى التأثير في الأفكار، وإعادة تشكيل الولاءات، وبناء نفوذ طويل الأمد، داخل تلك الدول. وعندها قد تصبح آثارها أعمق وأكثر استدامة من آثار تنظيمات متطرفة مثل القاعدة وداعش، أو من نفوذ الجماعات والميليشيات التي برزت في بعض الساحات الإقليمية.

في لبنان، أصبح حزب الله قوة عسكرية وسياسية تتجاوز في بعض جوانبها سلطة الدولة.

وفي العراق، استفادت القوى المرتبطة بإيران من الفراغ الذي أعقب الغزو الأمريكي عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين، ثم ترسخت جماعات مسلحة تمتلك نفوذًا سياسيًا وأمنيًا خارج الإطار التقليدي للدولة.

وفي اليمن، تحولت جماعة الحوثي من حركة محلية إلى قوة مسلحة قادرة على تهديد دول الجوار والملاحة الدولية.

أما في سوريا، فقد تدخلت إيران عسكريًا وسياسيًا، وأسهمت في بناء شبكات مسلحة لحماية نفوذها والمحافظة على اتصال جغرافي وسياسي بحلفائها.

هذه ليست أحداثًا منفصلة.

إنها ليست أحداثًا متفرقة، بل أجزاء من سياسة واحدة.

وسياسةٌ دفعت ثمنها المجتمعات التي عاشت في ظل تلك الجماعات، إذ وجدت نفسها منشغلة بالصراعات والانقسامات، بينما كانت قافلة التنمية والحضارة تمضي من حولها.

نقل خطوط الدفاع عن النظام الإيراني إلى أراضي الآخرين.

ماذا تريد إيران؟

لا تبحث طهران عن النفوذ لمجرد النفوذ.

إنها تريد قبل كل شيء حماية النظام.

فالتجربة الإيرانية بُنيت على اعتقاد أن بقاء الثورة يتطلب منع خصومها من الاقتراب من حدودها، وذلك عبر إنشاء ما يسمى بالعمق الاستراتيجي.

وفق هذه الرؤية، يصبح وجود جماعة مسلحة حليفة في لبنان خط دفاع متقدمًا.

ويصبح النفوذ في العراق حاجزًا سياسيًا وأمنيًا.

ويتحول الحوثيون في اليمن إلى أداة ضغط على الخليج والممرات البحرية.

وكانت تريد أن تتحول سوريا إلى حلقة وصل بين طهران وشرق المتوسط.

والمثير أن بعض دول المنطقة بدت أكثر انشغالًا بالتخوف من النظام السوري الجديد، رغم خطابه المعتدل، من انشغالها بما يعتمل داخلها من تحديات وتحولات، وهو ما يفتح باب التساؤل حول كيفية ترتيب أولويات الأمن والمخاطر في الإقليم.

النظام الإيراني كان يريد أكثر من الحماية.

أراد أن يصبح لاعبًا لا يمكن تجاوزُه في أي تسوية إقليمية، وأن يمتلك القدرة على تعطيل الاستقرار أو تسهيله، وعلى إشعال الأزمات أو المساومة على تهدئتها.

وهنا تحول الاضطراب في بعض دول المنطقة إلى رأس مال سياسي إيراني.

كلما ضعفت الدولة، اتسعت مساحة الجماعة المسلحة.

وكلما انقسم المجتمع، ارتفعت قيمة الوسيط الخارجي القادر على التحكم بأحد أطرافه.

وكلما ازدادت الأزمة تعقيدًا، أصبحت إيران أكثر حضورًا على طاولة التفاوض.

هذه هي سياسة العبث في صورتها الاستراتيجية:

ليست فوضى بلا هدف، بل فوضى تُدار لتوليد النفوذ.

لكن ماذا جنت إيران؟

هنا تبدأ المفارقة الكبرى.

بعد سبعة وأربعين عامًا، استطاع النظام الإيراني بناء شبكة واسعة من النفوذ، لكنه لم يستطع بناء دولة تقدم لمواطنيها ما يتناسب مع إمكانات إيران البشرية والطبيعية والحضارية.

اتسع الحضور الإيراني خارج الحدود.

لكن الاقتصاد تعرض للعقوبات والاستنزاف.

تطورت الصواريخ والجماعات المسلحة.

لكن المواطن الإيراني دفع ثمن العزلة والتضخم والقيود السياسية.

ازدادت قدرة النظام على التأثير في عواصم أخرى.

لكن الثقة بين إيران ومحيطها تراجعت.

كان المشروع يَعِد بحماية الثورة.

لكنه وضع إيران نفسها في مواجهة متراكمة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من دول المنطقة.

وهكذا أصبحت السياسة التي صُممت لإبعاد الحرب عن إيران سببًا في اقترابها منها.

ماذا تريد الولايات المتحدة؟

لا تريد الولايات المتحدة بالضرورة ما تريده دول الخليج، ولا ما تريده إسرائيل.

واشنطن تريد منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وحماية قواتها وحلفائها، وضمان حرية الملاحة وتدفق الطاقة، وتقليص قدرة الحرس الثوري والجماعات المرتبطة به على تهديد المصالح الأمريكية.

لكن الولايات المتحدة تحسب أيضًا كلفة إسقاط النظام.

فالتجربة الأمريكية في العراق علمتها أن تدمير السلطة القائمة قد يكون أسرع من بناء دولة مستقرة بعدها.

ولهذا قد تفضّل واشنطن، في بعض المراحل، نظامًا إيرانيًا ضعيفًا ومقيدًا وقابلًا للردع، على انهيار شامل يفتح أبواب الفوضى، أو يهدد أمن المنشآت النووية والأسلحة والمؤسسات داخل دولة كبيرة ومعقدة.

المعضلة هنا واضحة:

هل تريد الولايات المتحدة إنهاء مصدر التهديد؟

أم تريد فقط ضبطه عند مستوى لا يهدد مصالحها؟

إذا كان المطلوب تغيير السلوك، فقد تقبل واشنطن بقاء النظام مقابل اتفاقات وضمانات وتنازلات.

أما إذا اقتنعت بأن النظام يستخدم كل اتفاق لاستعادة قوته والعودة إلى السياسة نفسها، فإن تغيير السلوك لن يعود كافيًا.

ماذا تريد إسرائيل؟

تنظر إسرائيل إلى إيران من زاوية مختلفة.

فهي ترى في البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، وحزب الله، والجماعات المسلحة القريبة من حدودها، منظومة تهديد واحدة لا ملفات منفصلة.

لذلك لا يكفيها تجميد تخصيب اليورانيوم إذا بقيت الصواريخ.

ولا يكفيها تراجع هجمات جماعة واحدة إذا ظلت شبكة الوكلاء قائمة.

ولا تطمئن إلى اتفاق مؤقت يوقف التهديد اليوم ويتيح إعادة بنائه غدًا.

إسرائيل تريد تفكيك القدرة الإيرانية على تطويقها وتهديدها، وإبعاد خطر السلاح النووي، وتقليص نفوذ الحرس الثوري في المنطقة إلى حد يصعب معه ترميم الشبكة من جديد.

لكنها، مثل الولايات المتحدة، تواجه سؤال اليوم التالي:

من يحكم إيران إذا سقط النظام؟

وهل يؤدي إسقاطه إلى دولة أكثر استقرارًا، أم إلى فراغ داخل بلد كبير يمتلك السلاح والخبرات النووية والمؤسسات العسكرية المتعددة؟

ماذا تريد دول الخليج؟

دول الخليج لا تحتاج إلى إيران مدمرة.

ولا تحتاج إلى إيران مفككة.

ولا مصلحة لها في فوضى داخل دولة كبيرة تقع على الضفة الأخرى من الخليج.

ما تحتاج إليه هو إيران طبيعية.

دولة تحمي مصالحها من داخل حدودها.

وتتعامل مع جيرانها بوصفهم دولًا مستقلة، لا ساحات نفوذ.

وتتخلى عن الجماعات المسلحة بوصفها أدوات للسياسة الخارجية.

وتحترم أمن الممرات البحرية، وتتجه إلى التنمية والتعاون بدلًا من الصواريخ والميليشيات وتصدير الأزمات.

فالخطر الخليجي ليس في وجود إيران قوية اقتصاديًا.

بل في وجود نظام يربط قوته بإضعاف دول الجوار، ويعد عدم الاستقرار وسيلة مشروعة لزيادة نفوذه.

ولهذا فإن سلامًا يعيد فتح مضيق هرمز وحده لا يكفي.

واتفاقًا يقيّد البرنامج النووي وحده لا يكفي.

المقياس الحقيقي هو:

هل تتغير البنية التي صنعت التهديد؟

هل يصبح السلاح تابعًا للدولة؟

هل يتوقف تمويل الجماعات المسلحة؟

هل ينتهي استخدام المجتمعات العربية ساحات للدفاع عن النظام الإيراني؟

من المستفيد؟

بعد سبعة وأربعين عامًا، يصعب القول إن المواطن الإيراني هو المستفيد.

فقد دفعت الأجيال الإيرانية ثمن مشروع لم تستفد منه حياتها اليومية بقدر ما استفادت منه مؤسسات القوة داخل النظام.

ولم تستفد شعوب العراق ولبنان واليمن وسوريا، التي عاشت جزءًا من صراعاتها تحت ضغط الجماعات المسلحة والانقسامات والتدخلات الخارجية.

حتى النفوذ الذي بناه النظام لم يكن مجانيًا.

لقد استنزف المال والقدرات، ووسّع دائرة الخصوم، وحوّل إيران من دولة كان يمكن أن تكون قوة اقتصادية وحضارية كبرى إلى دولة ترتبط صورتها عالميًا بالإرهاب ، وبالأزمات والعقوبات والصواريخ.

المستفيد الأكبر كان النظام نفسه.

فوجود عدو خارجي دائم منحه مبررًا لتشديد الداخل.

وتصدير الصراع ساعده على تقديم نفسه حاميًا للثورة.

وشبكة الجماعات المسلحة منحته أوراقًا تفاوضية لا توفرها الدبلوماسية الطبيعية.

لكن هذه الفائدة تحمل بذور خطرها.

فالنظام الذي يحتاج إلى الأزمة كي يبرر وجوده، يصعب عليه بناء سلام حقيقي؛ لأن السلام لا يهدد سلاحه فقط، بل يهدد الرواية التي يستند إليها.

متى يتوقف العبث؟

لن يتوقف النظام الإيراني عن هذه السياسة لمجرد ارتفاع كلفتها على الدولة أو المواطن.

فالدولة والنظام لا يحسبان الكلفة بالطريقة نفسها.

ما يعد كارثة على الاقتصاد قد يراه النظام ثمنًا مقبولًا للبقاء.

وما يراه المواطن استنزافًا قد تراه مؤسسات الحرس الثوري استثمارًا في النفوذ والأمن.

لهذا، لن يقع التحول الحقيقي إلا عندما تصبح كلفة المشروع على بقاء النظام نفسه أعلى من فائدته.

عندما لا تعود الجماعات الخارجية قادرة على حماية طهران.

وعندما تتحول أوراق النفوذ إلى أسباب لاستهداف إيران.

وعندما يصبح الإنفاق على الخارج مصدر غضب داخلي يهدد تماسك السلطة.

وعندما يفهم النظام أن الثورة التي أراد تصديرها إلى العالم بدأت تستورد الحرب إلى إيران.

هل يبقى النظام؟

قد يبقى سنوات أخرى.

وقد يدخل مرحلة اهتزاز أسرع مما يتوقع كثيرون.

فالأنظمة لا تسقط لمجرد أنها أخطأت، ولا لأنها أفقرت شعوبها، ولا حتى لأنها خسرت حروبًا.

إنها تسقط عندما تجتمع الخسارة الخارجية مع الانقسام الداخلي، والأزمة الاقتصادية، وتراجع قدرة الأجهزة على حماية مركز السلطة.

والنظام الإيراني ما زال يمتلك أجهزة أمنية وعسكرية وتنظيمية ، ولديه خبرة طويلة في القمع وإدارة الأزمات واستثمار الشعور بالخطر الخارجي.

لكن البقاء بالقوة لا يعني الاستقرار.

وقد ينجح النظام في منع سقوطه سريعاً، بينما يفشل تدريجيًا في حكم دولة قابلة للحياة والتقدم.

وهنا يكون السؤال الأخطر:

ما قيمة أن يبقى النظام، إذا كانت إيران نفسها هي التي تتآكل؟

الخاتمة

قبل سبعة وأربعين عامًا، أراد النظام الإيراني أن يجعل الثورة أكبر من حدود إيران.

فبنى جماعات، وفتح جبهات، ونقل صراعاته إلى دول أخرى، واستثمر في ضعف بعض الدول وانقسام مجتمعاتها.".

لكن الثورة التي خرجت بحثًا عن ساحات جديدة، عادت اليوم إلى الداخل بصورة مختلفة.

عادت عقوبات.

وعزلة.

وضربات.

وخوفًا على النظام.

واستنزافًا للدولة.

لم يعد السؤال فقط:

متى يتخلى النظام الإيراني عن سياسة العبث؟

بل:

هل يستطيع التخلي عنها أصلًا، من دون أن يتخلى عن الفكرة التي بنى عليها شرعيته وبقاءه؟

فإذا كانت الثورة هي العمود الفقري للنظام، وكان تصديرها هو أداته في حماية نفسه، فإن السلام الحقيقي لا يتطلب اتفاقًا جديدًا فحسب.

بل يتطلب أن تختار طهران، للمرة الأولى منذ سبعة وأربعين عامًا:

هل تريد حماية الثورة من أجل النظام، أم حماية إيران من الثورة؟

يمكن للدول أن تؤجل مواجهة أزماتها، وأن تنقلها إلى ساحات بعيدة، وأن تكسب بها نفوذًا أو وقتًا.. لكن التاريخ لا يلغي الفواتير، بل يؤجل موعد استحقاقها. وحين يحين ذلك الموعد، تكون الكلفة أكبر من كل المكاسب التي ظن أصحابها أنهم حققوها.