العشق

news image

كتب: عبدالله العميره

لماذا يستطيع إنسان أن يغيّر حياته من أجل شخص؟

ولماذا يقضي آخر عمره كله في بناء عمل يؤمن به؟

ولماذا يكرّس أحدهم سنوات طويلة لفكرة، أو رسالة، أو هواية، لا يراها الآخرون كما يراها هو؟

ما الذي يدفع الإنسان إلى أن يبذل أكثر مما يُطلب منه؟

وأن يصبر أكثر مما يطيق؟

وأن يشعر أن الحياة تفقد شيئًا من معناها إذا ابتعد عما يحب؟

إنه العشق.

لكن الحب، والعشق، والغرام، ليست كلمات مترادفة كما يظن كثيرون.

فالحب هو الأصل، وهو العاطفة الإنسانية التي تتخذ صورًا متعددة؛ حب الشريك، وحب الأسرة، وحب الصديق، وحب الوطن، وحب العمل، وحب الفكرة.

أما العشق، فهو الدرجة التي يتجاوز فيها الحب حدوده الطبيعية، حتى يصبح المحبوب حاضرًا في التفكير، والوجدان، والقرار.

أما الغرام، فيحمل معنى أكثر تعقيدًا.

فهو حب شديد، لكنه يحمل في اللغة أيضًا معنى الملازمة والعذاب، وكأن صاحبه أصبح أسيرًا لما أحب.

ولهذا، كان الغرام عبر التاريخ أجمل المشاعر.

وأشدها ألمًا.

ولا يقتصر العشق على علاقة بين رجل وامرأة.

فقد يعشق الإنسان رسالته.

وقد يعشق عمله.

وقد يعشق العلم.

وقد يتعلق بفكرة، أو كتاب، أو بحر، أو مدينة، أو شجرة، أو حتى حلمٍ لم يولد بعد.

فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده.

بل يعيش بما يمنح حياته معنى.

حين يصبح الحب أكبر من النهاية

ليست كل قصص الحب متشابهة.

منها ما ينتهي بزواج.

ومنها ما ينتهي بفراق.

ومنها ما ينتهي بانتهاء العمل، أو المشروع، أو الحلم.

ومنها ما يبقى ذكرى لا تغادر القلب.

لكن النهاية وحدها لا تحدد قيمة التجربة.

فالحب الذي لا ينتهي بالزواج، أو العشق الذي لا يكتمل كما أراده صاحبه، ليس فشلًا بالضرورة.

بل قد يكون من أعمق التجارب التي تعيد تشكيل الإنسان.

كم من علاقة انتهت، لكنها تركت صاحبها أكثر نضجًا.

وأكثر فهمًا للحياة.

وأكثر قدرة على العطاء.

فبعض العلاقات تنتهي.

لكن أثرها لا ينتهي.

ولهذا، قد لا يكون السؤال الحقيقي:

هل اكتملت الحكاية كما تمنينا؟

بل:

ماذا صنع الحب بصاحبه؟

فإذا جعله أكثر إنسانية.

وأكثر عمقًا.

وأكثر قدرة على العطاء.

وأشد إخلاصًا لما يحب.

فقد أدى الحب رسالته، حتى وإن لم تكتمل الرحلة كما أراد صاحبها.

حين كتب العشاق تاريخهم

وفي التراث العربي، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا.

فأشهر قصص العشق لم تكن قصص زواج.

بل قصص شوق، وانتظار، ووفاء، وشعر.

عنترة وعبلة.

وقيس وليلى.

وجميل وبثينة.

وكثير وعزة.

وقيس ولبنى.

وابن زيدون وولادة.

لم تخلد هذه الأسماء لأنها اجتمعت.

بل لأنها أحبت بصدق، ثم حولت مشاعرها إلى شعرٍ صار جزءًا من ذاكرة الأمة.

ولعل أجمل ما في تلك القصص أنها لم تجعل الحب مجرد علاقة بين شخصين.

بل جعلته لغة للجمال.

ومصدرًا للإبداع.

وطريقًا لاكتشاف الإنسان نفسه.

جنون الحب .. أم عبقرية الرؤية؟

ولعل أشهر ما يُروى عن قيس بن الملوح أنه قيل له يومًا:

إن ليلى ليست بتلك الجميلة التي تصفها.

فقال:

خذوا عيني، وانظروا بهما إلى ليلى، وسوف تجدونها كما أقول.

قصة تعبّر عن حقيقة نفسية مدهشة.

فالعاشق لا يرى بعينيه فقط.

بل يرى بقلبه.

ولهذا، لا يكون الجمال دائمًا صفة في المحبوب.

بل يصبح طريقة ينظر بها العاشق إلى العالم.

ومن هنا يبدأ اللقاء بين العشق والإبداع.

فالمبدع أيضًا يرى ما لا يراه الناس.

لا لأنه يعيش خارج الواقع.

بل لأنه يرى في الواقع إمكانات لم ينتبه إليها الآخرون.

ماذا نعني بالجنون؟

حين نتحدث هنا عن الجنون، فإننا لا نقصد المرض العقلي الذي يفقد الإنسان وعيه، أو يذهب بعقله، أو يعطل قدرته على إدراك الواقع والتمييز بين الحقيقة والخيال.

ولا نقصد تلك الاضطرابات النفسية أو العقلية التي تحتاج إلى تشخيص وعلاج.

بل نقصد المعنى الذي استخدمه الناس عبر التاريخ عندما وصفوا عاشقًا، أو شاعرًا، أو عالمًا، أو مبدعًا بأنه "مجنون".

أي الإنسان الذي خرج عن المألوف في تفكيره، أو مشاعره، أو رؤيته، حتى بدا مختلفًا عن عصره.

ولذلك سموا:

مجنون ليلى.

ولم يقولوا:

المريض بليلى.

لأنهم لم يقصدوا فقدان العقل.

بل استيلاء الحب على الوجدان.

ليس كل خروج عن المألوف جنونًا.

فبعض ما ظنه الناس جنونًا .. كان بداية عبقرية لم يفهمها عصرها.

إنه "جنون الشغف".

لا "جنون العقل".

ولهذا، فإن العبقرية ليست مرضًا.

لكنها كثيرًا ما تبدو للآخرين غريبة، لأنها ترى ما لم يعتادوا رؤيته بعد.

العباقرة على حافة الجنون

 سؤال قديم يرافق الإنسان عبر التاريخ:

هل يقود العشق إلى الجنون؟

وهل تقف العبقرية على الحافة نفسها؟

قد يبدو السؤال غريبًا.

لكن التاريخ يجيب عنه كل يوم.

فالعاشق الحقيقي يبدو مختلفًا عن الناس.

والمبدع الحقيقي يبدو مختلفًا عن عصره.

وكلاهما كثيرًا ما يُساء فهمه.

لكن الفرق بينهما وبين المجنون فرق جوهري.

فالعاشق يضيف معنى إلى الواقع.

والمبدع يضيف واقعًا جديدًا.

أما المجنون، فيفقد القدرة على التمييز بين الواقع والخيال.

ولهذا، فإن الجنون ليس عشقًا.

وليس إبداعًا.

لكنه يقترب منهما في شيء واحد.

وهنا يبرز سؤال ربما يكون الأهم:

هل يمكن أن يصنع إنسان شيئًا عظيمًا دون أن يعشقه؟

والجامع بين العشق والعبقرية هو الخروج عن المألوف.

لهذا، كان الناس يخلطون بين العبقرية والجنون.

لأن المبدع يرى ما لم يره الآخرون بعد.

ومن يسبق عصره، يبدو غريبًا على عصره.

وكذلك العاشق.

فهو لا يرى محبوبه كما يراه الناس.

بل كما يشعر به قلبه.

ولهذا، قد يبتسم الناس للعاشق، ويسخرون من المبدع، ثم يعود التاريخ بعد سنوات ليعترف بأن كليهما كان يرى ما عجز الآخرون عن رؤيته.

حين يصبح العشق إبداعًا

ليس كل عشق ينتهي بقصيدة.

ولا كل حب ينتهي بلوحة.

ولا كل شغف يتحول إلى اكتشاف.

لكن كل إبداع عظيم، بدأ بحب عظيم.

فالعشق هو الطاقة.

والإبداع هو اتجاه هذه الطاقة.

قد يعشق الإنسان امرأة.

وقد يعشق فكرة.

وقد يعشق وطنًا.

وقد يعشق الحقيقة.

وقد يعشق مهنة يؤديها بإخلاص حتى تصبح جزءًا من هويته.

ولهذا، فإن الحضارات لم تبنها العقول الباردة.

بل بنتها القلوب التي أحبت ما تعمل.

إن العالم لا يتذكر الذين أدوا أعمالهم فقط.

بل يتذكر الذين أحبوها حتى أصبحت جزءًا منهم.

لماذا لا يصبح كل عاشق مبدعًا؟

لأن الحب وحده لا يكفي.

فالعشق طاقة.

أما الإبداع، فهو حسن استثمار تلك الطاقة.

هناك من يستهلك حبه في الحنين.

وهناك من يحوله إلى شعر.

وهناك من يحوله إلى علم.

وهناك من يحوله إلى مشروع يغيّر حياة الناس.

ولهذا، ليس كل عاشق مبدعًا.

لكن يكاد لا يوجد مبدع عظيم لم يعشق شيئًا حتى أصبح جزءًا من روحه.

 أعظم العشاق ليسوا أولئك الذين أكثروا من الكلام.

بل أولئك الذين جعلوا حبهم يترك أثرًا.

فالرسام يرسم لأنه يعشق.

والشاعر يكتب لأنه يعشق.

والعالم يبحث لأنه يعشق.

والمعلم يعطي لأنه يعشق.

والصحفي الحقيقي لا يطارد الخبر وحده.

بل يعشق الحقيقة.

ليس أخطر ما يفقده الإنسان أن يخسر من يحب.

بل أن يعيش عمره كله؛ دون أن يجد شيئًا يستحق أن يعشقه.

سؤال:

من الذي يحدد حدود العقل.. المجتمع أم الحقيقة؟

الخاتمة

في النهاية، لا يقاس الحب بطول سنواته.

ولا بعدد الرسائل.

ولا بكثرة اللقاءات.

بل بما يتركه في النفس من أثر.

فإذا جعل الإنسان أكثر رحمة.

وأكثر صدقًا.

وأكثر عمقًا.

وأكثر قدرة على أن يرى الجمال فيما حوله.

فقد أدى رسالته.

ولعل أجمل تعريف للعشق أنه ليس امتلاك إنسان لآخر.

بل أن يجد الإنسان شيئًا، أو شخصًا، أو رسالة، يشعر معها أن حياته أصبحت أكثر معنى.

وهنا يلتقي الحب بالإبداع.

فالعاشق يرى الجمال حيث لا يراه الناس.

والمبدع يرى الإمكان حيث لا يراه الناس.

وكلاهما يملك شجاعة السير في طريق لم يمشِ فيه أحد قبله.

ولهذا، قد يكون أعظم ما يتركه العشق في الإنسان، ليس الذكريات.

بل الإنسان الجديد الذي يولد داخله.

فكل مبدع عظيم، كان عاشقًا لشيء ما.

لكن ليس كل عاشق يصبح مبدعًا.

فالفرق بينهما أن الأول يحتفظ بالحب في قلبه.

أما الثاني؛ فيحوّل الحب إلى أثر، والعشق إلى إبداع، والمشاعر إلى حياةٍ تبقى بعد أن يرحل صاحبها.

 

وقد يتساءل بعض القراء:

هل يتساوى عشق إنسان لإنسان، مع عشقه لعمله، أو لفكرة، أو لوطنه، أو لرسالته؟

والجواب:

لا.

فلكل نوعٍ من العشق طبيعته، وأثره، ولغته.

فعشق الإنسان لإنسان يقوم على المشاعر  .

أما عشق العمل، أو الفكرة، أو الرسالة، فيقوم على الإيمان، والمعنى، والإصرار، والعطاء.

لكنها جميعًا تلتقي في نقطة واحدة.

أن يجد الإنسان شيئًا يشعر معه أن حياته أصبحت أكثر قيمة.

ولهذا، فإن العشق لا يُقاس بمن نحب.

بل بما يصنعه هذا الحب في داخلنا.

فقد يحب الإنسان إنسانًا، أو رسالة، أو علمًا، أو وطنًا.

لكن القيمة الحقيقية للعشق ليست في موضوعه.

بل في الإنسان الذي يصنعه داخل صاحبه.