الطاقة المعاكسة
كيف يصنع المثبطون العباقرة؟
كتب: عبدالله العميره
لماذا يتحطم بعض الناس عند أول محاولة لإحباطهم؟
بمكيدة.
أو بخذلان.
أو بحملة تشويه.
أو بكلمة أراد بها صاحبها أن يطفئ فيهم شعلة الأمل.
بينما يخرج آخرون من التجربة نفسها أكثر قوة وإبداعًا؟
قد تكون المكيدة واحدة.
والخذلان واحدًا.
والإساءة واحدة.
لكن النتائج تختلف اختلافًا مذهلًا.
فكيف تتحول الطاقة التي وُجهت لإيقاف الإنسان إلى الوقود الذي يدفعه إلى الأمام؟
كيف يتحول العدو إلى وقود؟
وكيف تصبح طاقة الخصوم جزءًا من صناعة النجاح؟
ولماذا يفشل التثبيط أحيانًا في تحقيق عكس ما أراده صاحبه؟
هذه ليست أسئلة في التنمية البشرية.
وليست دعوة للتفاؤل.
بل هي ظاهرة يفسرها علم النفس، ويؤكدها علم الأعصاب، ويشهد بها التاريخ.
فالإنسان لا يتغير بسبب ما يحدث له.
بل بسبب الطريقة التي يفسر بها ما يحدث.
الطاقة لا تموت
حين يحاول أحدهم إحباطك، فهو لا ينقل إليك اليأس.
بل ينقل إليك طاقة.
والمثير أن من يجعل الإحباط أسلوبًا دائمًا في التعامل مع الآخرين، يكشف في الغالب عن عجزٍ في أدواته هو.
فهو لا يعرف كيف يحفز، لأنه لا يملك ما يضيفه.
ولا يعرف كيف يبني، فيلجأ إلى الهدم.
ولا يستطيع منافسة المبدعين بالإنتاج، فيحاول منافستهم بالتثبيط.
وهو، من حيث لا يشعر، لا يصغر الآخرين بقدر ما يكشف حدود قدرته هو.
أما هذه الطاقة، فلا تحمل اتجاهًا محددًا.
قد تتحول إلى خمول.
وقد تتحول إلى انفجار.
وقد تصبح استسلامًا.
وقد تصبح أعظم انطلاقة في حياة صاحبها.
والفرق بين النتيجتين لا يصنعه المثبط.
بل يصنعه العقل.
ولهذا لا توجد كلمات تقتل إنسانًا.
ولا كلمات تصنع عبقريًا.
الذي يصنع النتيجة هو المعنى الذي يمنحه الإنسان لتلك الكلمات.
لماذا ينجح التثبيط؟
ينجح عندما يقتنع الإنسان أن تقييم الآخرين هو الحقيقة.
وأن قدراته تُقاس بما يسمعه عن نفسه.
وأن الطريق ينتهي عندما يقول له أحدهم:
"لن تستطيع."
ليس أخطر ما يفعله المثبط أنه يحاول إيقاف المبدع.
بل أن يجعله يوقف نفسه بنفسه.
وليس معنى ذلك أن المثبط قليل الذكاء.
فبعضهم يمتلك قدرًا كبيرًا من الذكاء، لكنه يوجهه إلى الهدم بدل البناء.
إنه يبرع في اكتشاف نقاط الضعف، لكنه يعجز عن صناعة نقاط القوة.
ولهذا، قد ينجح في تعطيل مشروع، لكنه نادرًا ما ينجح في بناء مشروع يماثله.
ويزداد أثر التثبيط حين يجد من يستمع إليه، ويمنحه المصداقية، أو ينقل رسائله إلى الآخرين.
ولماذا يفشل؟
يفشل عندما يحدث انقلاب داخلي.
حين يتوقف الإنسان عن سؤال:
لماذا قالوا ذلك؟
ويبدأ بسؤال مختلف تمامًا:
ماذا سأفعل بهذا؟
في هذه اللحظة تتغير وظيفة الطاقة.
فبدل أن تصبح حملًا.
تصبح وقودًا.
الحصانة النفسية
لكن من هو الإنسان الذي لا يتأثر أصلًا؟
ليس هو الذي لا يسمع المثبطين.
ولا الذي يعيش بعيدًا عن النقد.
بل الذي لا يمنح أحدًا حق تفسير حياته.
فمن يملك تفسير ذاته.
لا يستطيع الآخرون إعادة تعريفه.
أما من ينتظر تعريف نفسه من الآخرين.
فسيبقى أسيرًا لكل صوت أعلى منه.
ولهذا، فإن الحصانة النفسية لا تعني غياب الهجوم.
بل تعني امتلاك البوصلة التي تمنع الآخرين من تغيير اتجاهك.
العقل يعيد تدوير الألم
كما يعيد الإنسان تدوير النفايات لتصبح مادة نافعة، يستطيع العقل أن يعيد تدوير التجارب القاسية.
الإهانة تصبح دافعًا.
والرفض يصبح تدريبًا.
والخسارة تصبح خبرة.
والعداء يصبح طاقة.
وهنا يولد ما يمكن أن نسميه:
الطاقة المعاكسة.
وهي قدرة الإنسان على تحويل القوة التي وُجهت لإيقافه إلى قوة تدفعه إلى الأمام.
المفلسون لا يبنون
هناك من يعجز عن البناء.
فيحاول إيقاف البنّائين.
ويعجز عن الإبداع.
فيهاجم المبدعين.
ولا يستطيع الصعود.
فيقنع الآخرين أن القمة لا تستحق.
وهذا ليس دليل قوة.
بل أحد أكثر أشكال الإفلاس النفسي وضوحًا.
فالإنسان الممتلئ لا ينشغل بإطفاء مصابيح الآخرين.
لأنه منشغل بإضاءة مصباحه.
لماذا يهاجم المبدعون أكثر من غيرهم؟
لأنهم يكشفون الفارق.
وجودهم وحده يربك من اعتاد السكون.
وفكرتهم الجديدة تفضح جمود القديم.
ولهذا كثيرًا ما تكون المقاومة التي يواجهها المبدع مقياسًا لحجم الأثر الذي بدأ يصنعه.
لا تبحث عن التشجيع
التشجيع جميل.
لكنه ليس شرطًا للنجاح.
فكثير من الإنجازات الكبرى لم تولد في بيئة مشجعة.
بل خرجت من رحم الرفض.
ومن السخرية.
ومن الإقصاء.
ومن عبارة واحدة قالها شخص ظن أنه أغلق الباب.
بينما كان، دون أن يدري، يفتح بابًا آخر.
البطولة الحقيقية
ليست أن تنتصر على خصومك.
بل أن تنتصر بما أرادوه سببًا لهزيمتك.
فقد لا تستطيع منع الناس من محاولة تثبيطك.
لكنك تستطيع أن تمنعهم من تحديد مصيرك.
بل تستطيع أن تجعلهم، من حيث لا يشعرون، يشاركون في صناعة نجاحك.
الخاتمة
المثبط لا يملك أن يقرر نهايتك.
إنه لا يملك إلا أن يرسل إليك طاقة.
وأنت وحدك من يقرر اتجاهها.
إما أن تتحول إلى قيد يكبلك.
أو إلى جناحين يحملانك إلى آفاق أبعد.
ولهذا، فإن أعظم ما يفعله المبدع ليس أنه يتجاوز خصومه.
بل أنه يحول محاولاتهم لإيقافه إلى جزء من القوة التي تدفعه إلى الأمام.
فيجعلهم، من حيث لا يشعرون، يعملون لمصلحته.
وهنا تتجلى حقيقة يغفل عنها كثيرون.
لا يمكن أن يجتمع في عقل واحد احتراف الإبداع، واحتراف المكيدة.
فالإبداع يحتاج إلى عقل منشغل بالبناء.
أما التآمر، فيستهلك العقل في الهدم.
ولهذا، لا يجد صاحب المكيدة وقتًا ليبدع، ولا يجد المبدع وقتًا ليحيك المكائد.
إنهما طريقان لا يلتقيان.
قد تؤخر المكيدة نجاح المبدع.
وقد تستهلك شيئًا من وقته.
لكنها لا تستطيع أن تمنع إبداعًا حقيقيًا من الوصول.
ولهذا، فإن الحكمة ليست في تجاهل وجود أعداء النجاح.
ولا في الانشغال بهم.
بل في أن تدرك أنهم جزء من الطريق، لا نهاية الطريق.
راقبهم بقدر ما يحميك.
لكن لا تمنحهم من وقتك أكثر مما يستحقون.
فكل دقيقة تقضيها في مطاردة المكيدة.
قد تكون دقيقة سُرقت من مشروع كان يمكن أن يغيّر حياتك.
وفي النهاية، لا ينتصر صاحب الصوت الأعلى.
ولا صاحب المكيدة الأذكى.
ينتصر من يواصل البناء، بينما ينشغل الآخرون بالهدم.
فالإبداع ليس أقوى من التآمر لأنه يهاجمه.
بل لأنه يبقى بعد أن يختفي كل المتآمرين.
المجتمعات لا تنقسم إلى شعوب تتآمر، وأخرى تبدع.
بل إلى بيئات تجعل النجاح مصدر إلهام، وبيئات تجعله سببًا للحسد.
حيث يُكافأ البناء، يكثر المبدعون.
وحيث يُكافأ الهدم، تكثر المكائد.
وهناك بيئة ثالثة هي الأخطر.
بيئة لا يُكافأ فيها الإنجاز الحقيقي.
بل يُكافأ من يجيد صناعة الانطباع، وتضخيم المنجز، وقراءة رغبات أكثر من قراءة الواقع.
وهنا يبدأ الفساد، لأن الصورة تصبح أغلى من الحقيقة.
وحين تصبح الحقيقة عبئًا على أصحاب المصالح، يصبح المبدع أول من يدفع الثمن.