الأطلس الكتالوني .. كيف رسمت أوروبا الشرق قبل 650 عامًا؟
قراءة في مقال للدكتورة سوزان عابد
العرض
تناولت الدكتورة سوزان عابد في دراسة معرفية ثرية "الأطلس الكتالوني"، أحد أشهر الخرائط الأوروبية في القرن الرابع عشر، والذي أُنجز عام 1375م تقريبًا، ويُعد من أبرز الأعمال الكارتوغرافية في العصور الوسطى.
وتوضح الدراسة أن الأطلس لم يكن مجرد خريطة جغرافية، بل سردية بصرية جمعت بين المعرفة الملاحية الدقيقة، وروايات الرحالة، والأساطير، والتصورات الأوروبية عن العالم، ولا سيما عن إفريقيا وآسيا.
وتشير الكاتبة إلى أن الأطلس قدم صورة أكثر واقعية لشمال إفريقيا مقارنة بخرائط أوروبية أخرى، كما وثق شخصيات تاريخية مثل مانسا موسى، ورسم طرق التجارة والبحار والموانئ، في حين ظلت أجزاء واسعة من آسيا تمزج بين الحقيقة والأسطورة.
تحليل BETH
تكمن أهمية "الأطلس الكتالوني" في أنه لا يرينا العالم كما كان...
بل كما كانت أوروبا تتخيله.
فالخرائط ليست أدوات لقياس الجغرافيا فقط.
إنها أيضًا وثائق تكشف طريقة تفكير الأمم، وما تعرفه، وما تجهله، وما تتخيله عن الآخرين.
ولهذا فإن قراءة الأطلس اليوم لا تتعلق بتاريخ الخرائط فحسب، بل بتاريخ المعرفة وصناعة الصورة الذهنية.
لكن هذه السردية الأوروبية لم تكن الوحيدة.
ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تبني كثيرًا من تصوراتها عن الشرق اعتمادًا على الرحالة والأساطير، كان العلماء والجغرافيون العرب والمسلمون قد أسسوا مدرسة علمية أكثر منهجية في رسم الخرائط.
فقد قدم الإدريسي في القرن الثاني عشر خريطته الشهيرة للعالم، التي اعتمدت على المشاهدات المباشرة وشهادات التجار والرحالة، ورسمت العالم بدرجة عالية من الدقة مقارنة بعصرها، كما سبقه وأسهم معه عدد من أعلام الجغرافيا الإسلامية، مثل الخوارزمي، وابن حوقل، والمقدسي، والاصطخري، الذين لم ينظروا إلى الخريطة بوصفها رسمًا للمسافات فقط، بل بوصفها أداة لفهم العمران، والاقتصاد، والطرق التجارية، والثقافات.
ومن هنا تبدو المقارنة أكثر إثارة.
فالأطلس الكتالوني يمثل مرحلة مهمة في تطور المعرفة الأوروبية، وقد جاء بعد قرون من الإسهامات العربية والإسلامية في الجغرافيا ورسم الخرائط، وهي إسهامات تشير الدراسات إلى أن بعضها أسهم في إثراء المعرفة الجغرافية التي استفاد منها صانعو الأطلس، إلى جانب مصادر أوروبية وروايات الرحالة.
ولذلك، فإن قيمة الأطلس لا تكمن في كونه أول من رسم العالم من منظور أوروبي..
بل في كونه يعكس كيف بدأت أوروبا تبني رؤيتها للعالم، مستفيدةً من تراكم معرفي شاركت الحضارة الإسلامية في تشكيل جزء كبير منه.
منظور آخر
الخريطة ليست مجرد رسم للأرض.
إنها رسمٌ للعقل الذي أنجزها.
فكل خريطة تقول لنا شيئًا عن العالم..
لكنها تقول شيئًا أكبر عن صاحبها.
ولهذا، فإن دراسة الخرائط القديمة ليست رحلة في الجغرافيا فقط..
بل رحلة في تاريخ الأفكار، وكيف كانت الحضارات ترى نفسها، وترى الآخرين.
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث | B
استنادًا إلى مقال للدكتورة سوزان عابد ( مؤسسة الفكر العربي) مع قراءة تحليلية وإضافة من وكالة بث.