بين الحرية والمسؤولية الرقمية

news image

 

الرياض | BETH

نشر الدكتور خالد صلاح حنفي، أستاذ الفلسفة بكلية التربية في جامعة الإسكندرية، مقالًا بعنوان "بين الحرية والمسؤولية في العصر الرقمي"، تناول فيه العلاقة المتغيرة بين الإنسان والتقنيات الرقمية، وتأثير الخوارزميات ومنصات التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل مفهوم الحرية، وصناعة القرار، والمسؤولية الأخلاقية في العصر الرقمي.

ويرى الكاتب أن التحول الرقمي لم يعد يقتصر على تسهيل الحياة اليومية، بل أصبح يؤثر بصورة متزايدة في تشكيل السلوك الإنساني، وتوجيه الاختيارات، وإعادة تعريف العلاقة بين الفرد والفضاء الرقمي، بما يفرض الحاجة إلى مراجعة فلسفية وأخلاقية لمفاهيم الحرية والاستقلالية والمسؤولية.

عرض مختصر

ينطلق المقال من واقع يشهد توسعًا غير مسبوق في استخدام الإنترنت ومنصات التواصل، حيث أصبحت الخوارزميات تجمع وتحلل كميات هائلة من البيانات الشخصية، وتعيد بناء تفضيلات المستخدمين بصورة مستمرة.

ويستعرض الكاتب تطور مفهوم الحرية في الفكر الفلسفي، مستعينًا بأفكار إيزايا برلين، وميشيل فوكو، وشوشانا زوبوف، وهاري فرانكفورت، موضحًا أن البيئة الرقمية لم تعد تكتفي بعرض الخيارات أمام الإنسان، بل أصبحت تؤثر في كيفية تكوين رغباته واختياراته.

كما يناقش أثر المراقبة الرقمية والخوارزميات في تقليص هامش الإرادة الحرة، وإضعاف استقلالية القرار، مع التأكيد أن المسؤولية الأخلاقية لم تعد مسؤولية فردية فحسب، بل أصبحت مسؤولية مشتركة تشمل الأفراد والمؤسسات والشركات المطورة للتقنيات.

ويخلص المقال إلى أن مواجهة هذه التحديات تتطلب بناء أخلاقيات رقمية جديدة تقوم على الشفافية، وحوكمة الخوارزميات، وتمكين المستخدم من التحكم في بياناته، وتعزيز التربية الرقمية النقدية، بما يحافظ على كرامة الإنسان واستقلاليته في العصر الرقمي.

 

النص الكامل للدكتور خالد صلاح حنفي.. بعنزان : بين الحريّة والمسؤوليّة في العصر الرقميّ

في عالَمٍ يزداد تشابكاً رقميّاً، حيث يُقدَّر عدد مُستخدِمي الإنترنت بنحو 5.56 مليار إنسان، أي ما يعادل 67.9% من سكّان الكوكب، وتُعالِج خوارزميّات المنصّات الرقميّة سنويّاً ما يزيد على 181 زيتابايت من البيانات السلوكيّة، لم تَعُد أسئلةُ الحريّة والمسؤوليّة مجرّد تأمّلات فلسفيّة مجرّدة، بل غَدت تحدّياتٍ يوميّة تُشكّل خياراتنا قَبل أن نُدركَها.

فبينما يَقضي المُستخدِمون عالَميّاً متوسّط ساعتَيْن و20 دقيقة يوميّاً في فضاءاتٍ خاضعة لترشيحٍ خوارزمي، ويُنفَق ما يُقدَّر بـ 276.7 مليار دولار على الإعلانات الموجَّهة سلوكيّاً، بحسب أرقام العام 2025 وحده، يظلّ أقلّ من ثلاثة من كلّ عشرة مُستخدِمين قلقين فعليّاً حول كيفيّة استخدام شركات التقنيّة لبياناتهم الشخصيّة، فيما يوافق نحو الثلثَيْن على ملفّات التعريف (Cookies) من دون تردُّد. هذا التناقُض بين حجْم المراقبة الخفيّة وهشاشة الوعي الجمعي يَطرح إشكاليّةً وجوديّة مُلحّة: كيف نُحافظ على استقلاليّتنا الأخلاقيّة حين تُصمَّم بيئاتنا الرقميّة لتَستبقَ رغباتنا، وتُسرِّع انتشارَ الأخبار الكاذبة بمعدّل 20 ضعفاً مُقارَنةً بالمحتوى الدقيق، وتُعيد هندسة شروط الإرادة الحرّة تحت غطاء الرّاحة والتخصيص؟ إنّ فهْمَ هذه المعضلة لا يَستدعي استحضارَ التراث الفلسفيّ فقط، بل يَتطلّب قراءةً نقديّة للآليّات التقنيّة التي تُعيد اليوم تعريفَ ما يَعنيه أن تكون "حرّاً" و"مسؤولاً" في زمن البانوبتيكون (Panopticon) الرقمي.

ويَبرز اليوم سؤالٌ فلسفيّ مُلِحّ يتقاطع مع واقعنا اليومي: كيف تُعيد الرقابةُ الرقميّة تشكيلَ مفاهيمنا عن الحريّة والمسؤوليّة، وما السبيل لصوْنِ استقلالنا الأخلاقي في عالَمٍ تَخترقه الخوارزميّات وتُهيمن عليه آليّات المُراقبة؟ إذ لم تَعُد هذه المسألة تنتمي إلى حيّز التنظير المجرّد، بل غَدت تحدّياً وجوديّاً ومعرفيّاً يَقتحم أدقّ تفاصيل اختياراتنا وتفاعلاتنا. ولعلّ الإجابة عنه تَستلزم العودةَ إلى جذور الفكرة ذاتها؛ ففلسفة الحريّة لم تُبْنَ على ثوابت جامدة، بل تَشكّلت عَبر تاريخٍ طويلٍ من الجَدَلِ حول طبيعة الإنسان وحدود سلطته على مصيره. في هذا السياق، يَظلّ تمييز الفيلسوف البريطاني - الروسي إيزايا برلين (1909 - 1997) بين الحريّة السلبيّة والحريّة الإيجابيّة مَرجعاً لا غنىً عنه؛ فالأولى تَعني انعدام الموانع الخارجيّة، والثانية تَتجاوز ذلك إلى القدرة الفعليّة على تقرير المصير وتشكيل الإرادة. غير أنّ البيئة الرقميّة المُعاصِرة لا تَكتفي بتقييد الحريّة السلبيّة عَبر الحجْب أو المنْع المباشر، بل تَتغلغل في نسيج الحريّة الإيجابيّة ذاتها، مُعيدةً هندسة الشروط التي تتيح للفرد أن يختارَ بشكلٍ أصيلٍ ومُستقلّ.

وإذا ما تأمَّلنا في طبيعة هذا التداخُل الرقمي، نَجِدُ أنّه يَتجاوز مجرّد التقييد الخارجي ليمسَّ بنيةَ السلطة ذاتها. هنا يَبرز إسهامُ ميشيل فوكو الذي كَشف عن تحوُّلٍ جوهري في آليّات الضبط الاجتماعي، من القمْع المباشر إلى المُراقبة الذاتيّة المُنتَجة داخليّاً. فاستعارة "البانوبتيكون" لا تَشرح كيف يُلزِم المرءُ نفسَه بالامتثال لمجرّد افتراض المراقبة فحسب، بل تُبيّن أيضاً كيف تُنتج السلطة أشكالاً جديدة من الذوات والمُمارسات. في الفضاء الرقمي، أصبح هذا المبدأ واقعاً ملموساً؛ فكلّ نقرة، كلّ بحث، كلّ تردُّد يتحوَّل إلى بياناتٍ تُجمَع وتُحلَّل، وعِلْمُنا الدّائم بهذه المُراقَبة يولِّد رقابةً ذاتيّة تلقائيّة تَجعلنا نُرشّح أفكارَنا، نُعدّل عباراتِنا، ونتجنَّب المسارات غير المألوفة. لكنّ الأمر لا يَقف عند حدّ التقييد، بل يَمتدّ إلى إنتاج رغباتٍ جديدة وإعادة تعريف الطبيعي والمقبول، ما يَطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً حول مصير الإرادة الحرّة في ظلّ خوارزميّات تُصمَّم لتُوجِّهَنا من دون أن نَدري.

وتكمن خطورة هذا التوجيه الخفيّ في قدرته على تفكيك التوازُن الداخلي بين ما نرغبه الآن وما نطمح إلى أن نكون عليه. فحين تَفتح منصّةٌ رقميّة أبوابَها بقوائم مُخصَّصة تبدو وكأنّها تَعكس ذوقَنا بدقّة، فإنّها في الحقيقة تُعيد تشكيل هذا الذوق نفسه عَبر عمليّاتِ تنبّؤٍ وتأثيرٍ مُستمرَّيْن. وهو ما وصفته عالِمة الاجتماع والفيلسوفة الأميركيّة شوشانا زوبوف بـ "فائض السلوك"، حيث تتحوَّل حركاتُنا غير المقصودة إلى وقودٍ لرأسماليّة المُراقَبة، التي لا تَكتفي بتوقُّع سلوكِنا بل بتصميمه. وفي ضوء هذا التحوُّل، يَفقد تمييزُ هاري فرانكفورت بين رغبات الدرجة الأولى (الدوافع الآنيّة) ورغبات الدرجة الثانية (التطلُّعات القيميّة الأعمق) أرضيّته العمليّة؛ فالخوارزميّات تَستغلّ الأولى لتُبعدَنا عن الثانية، مُحدِثةً شرخاً في الاستقلاليّة الإراديّة يَجعلنا نتساءل: هل لا زلنا نَختار، أم نُقادُ إلى خياراتٍ مُهيَّأة سلفاً؟ وإذا كانت إرادتُنا تُشكَّل جزئيّاً خارجَ وعْيِنا، فكيف نَحتفظ بمسؤوليّتنا الأخلاقيّة؟

إنّ هذا التساؤل يُلامِس صميمَ العلاقة الجدليّة بين الحريّة والمُساءلة، فالأخيرة تَفترض تقليديّاً ثلاثة أركان: الوعي بالفعل، وحريّة الاختيار، وإمكانيّة السلوك على نحوٍ مُختلف. غير أنّ الرقابةَ الرقميّة تُضعِف هذه الأركان متوالية؛ فانعدام شفافيّة الخوارزميّات يَحجب عنّا القوى المؤثِّرة في قراراتنا، وهيْكَلة الخيارات المُقدَّمة تُضيِّق مجالَ البدائل الحقيقيّة، بينما تُصمَّم الواجهات لاستدراجِ الانتباه وإطالةِ التفاعُل، ما يُضعف قدرتَنا على الانسحاب الواعي. ومع ذلك، فإنّ الإقرارَ بهذا الواقع لا يَعني التخلّي عن المسؤوليّة، بل تحويلها من مُساءلةٍ فرديّة معزولة إلى مُمارسةٍ نقديّة جماعيّة. فالمسؤوليّة في العصر الرقمي لم تَعُد تَقتصر على محاسبة الذّات على أفعالها فحسب، بل تمتدّ إلى الوعي بآليّات التأثير، ومُقاوَمة التوجيه الخفيّ، والمُطالَبة ببنىً تقنيّة تَخضع للمُساءَلة العامّة. وهذا التحوُّل يَنعكس بوضوح على حريّة التعبير ذاتها، التي تتعرَّض اليوم لـ "تأثير التبريد"؛ فمجرّد العِلم بأنّ كلّ كلمة تُسجَّل وتُؤرْشَف يَدفعنا تلقائيّاً إلى الحَذَرِ والتردُّد، ما يَخنق فضاءَ النّقاش الحرّ الذي رأى فيه جون ستيوارت ميل شرطاً حيويّاً لتطوُّر المُجتمع.

في مُواجَهة هذا المشهد المُعقَّد، لا يَكفي التشخيصُ النقدي، بل تَبرز حاجةٌ ملحّة إلى أخلاقيّاتٍ رقميّة جديدة تُعيد التوازُن بين الحماية والتمكين. فمن دون شفافيّة حقيقيّة حول كيفيّة عمل الخوارزميّات وجمْع البيانات، تَظلّ الحريّة الواعية مجرّد وهْم. ومن دون قدرة الفرد على التحكُّم في بياناته وتحديد حدود مشاركته، تَضيع السيادةُ الذاتيّة في فضاءٍ رقميّ مفتوح وغَير متوازن. كما أنّ التصميم الأخلاقي للتطبيقات والمنصّات لم يَعُد رفاهيّةً تقنيّة، بل ضرورة إنسانيّة تَحترم الاستقلاليّة بدلاً من استغلال نقاط الضعف النفسيّة. ولا تَكتمل هذه الرؤية من دون تربية رقميّة نقديّة تُكسِب الفردَ أدوات فكّ شيفرة المنصّات، ومُقاوَمةَ تلاعباتها، وفهْمَ الشروط التي تُنتَج من خلالها خياراته. وأخيراً، فإنّ حوْكَمة الفضاء الرقمي يَجب أن تنتقل من احتكار الشركات والدول إلى مُشارَكةٍ ديمقراطيّةٍ فعليّة، تَضمن خضوعَ الخوارزميّات والبيانات للمُساءلة المجتمعيّة والشفافيّة المؤسّسيّة.

وتُشكِّل الرقابةُ الرقميّة تحدّياً فلسفيّاً يَتمثّل في بلْورةِ تصوُّرٍ معياريٍّ جديد يقوم على الاستقلاليّة النقديّة والتحرُّر من الهيْمنة غَير المرئيّة، وخطر الأنظمة الرقميّة الغائبة عن الشفافيّة والمُساءلة، ويَستدعي الأمرُ تحديثَ الاستقلاليّة الأخلاقيّة الكانطيّة؛ فالحريّة ليست قدرةً عشوائيّة على الاختيار، بل إنّها التزامٌ واعٍ بقواعد عقلانيّة نشارك في صَوْغِها. الذّات الرقميّة الحرّة هي التي تُدرِك الشروطَ التقنيّة والمَعرفيّة المُنتِجة لخياراتِها، وتَمتلك القدرةَ على مُساءلتِها وإعادة توجيهها. نحن لسنا ضحايا عاجزين، ولا أسياداً مُطلقي الإرادة، بل إنّنا فاعلون محدودو القدرات، قادرون على المقاومة والحوار مع قوى التشكيل الرقمي. وبذا، تُصبح الحريّة مُمارَسةً نقديّة دائمة، ومُشارَكةً فاعلة في إعادة هنْدسة الفضاء الرقمي بما يُكرِّس الكرامةَ الإنسانيّة. والسؤال الجوهري إذن ليس: هل سنَظلّ أحراراً؟ بل: أيّ حريّة سنَختار مُمارَسةً؟ وأيّ مجتمع رقمي نريد تشييده؟ إجابات هذه الأسئلة لا تُمنح جاهزة، بل تُصنَع يوميّاً عَبر خياراتنا ومواقفنا ومساحات الحريّة التي نُدافع عنها أو نَستعيدها. إنّ الحريّة والمسؤوليّة الرقميّة ليستا نوستالجيا مفقودة، بل إنّهما أُفقٌ مفتوحٌ رهينٌ بقدرتنا الجماعيّة على تحويل التقنيّة من أداة ضبْطٍ إلى فضاءِ تمكين، وهو رهان أخلاقي وإنساني يبقى مُمكناً وضروريّاً في آنٍ واحد.


تحليل BETH

المقال من مؤسسة الفكر العربي.. لايناقش  الحرية الرقمية بوصفها قضية تقنية فحسب، بل يطرح سؤالًا أعمق يتعلق بمستقبل الإنسان نفسه.

فالخطر الحقيقي لم يعد في أن تمنعك التكنولوجيا من الاختيار...

بل في أن تعيد تشكيل اختياراتك قبل أن تدرك أنها فعلت ذلك.

وهنا ينتقل النقاش من حماية الخصوصية إلى حماية الإرادة.

ومن أمن البيانات إلى استقلالية العقل.

ومن مراقبة السلوك إلى هندسة السلوك.

وربما تكمن القيمة الأهم في المقال في أنه يلفت الانتباه إلى أن المعركة المقبلة لن تكون بين الإنسان والآلة، بل بين الإنسان والخوارزمية التي تتعلم كيف يفكر، وماذا يفضل، ومتى يتردد، وكيف يمكن التأثير في قراراته دون أن يشعر.

وفي هذا السياق، لم يعد السؤال:

هل بياناتنا آمنة؟

بل أصبح:

هل قراراتنا ما زالت ملكًا لنا؟

ولعل هذا هو التحدي الحقيقي الذي سيواجه المجتمعات خلال العقد المقبل.

فكلما تطورت أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت القدرة على التأثير في الرأي العام، والاختيارات الفردية، وحتى القرارات الاقتصادية والسياسية أكثر دقة وفاعلية.

ولهذا، فإن بناء الوعي الرقمي لم يعد ترفًا ثقافيًا، بل أصبح جزءًا من الأمن الفكري، والسيادة الوطنية، وحماية الإنسان من أشكال جديدة من الهيمنة لا تعتمد على القوة التقليدية، بل على البيانات والخوارزميات.

ويبقى السؤال الاستراتيجي الأكبر:

إذا كانت الخوارزميات تتعلم كيف نفكر...

فمن يعلّم الإنسان كيف يحافظ على استقلال تفكيره؟